سجون وساحات ــ  تادي عواد: غيّر الشاهد إفادته فاعتقلوني

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” ـ العدد 1492

هو من تلامذة “معهد الإعداد الفكري” في بلونة، ثم مقاوماً في سلاح المدفعية وفي شعبة تحليل المعلومات التي كانت تقوم برصد الوضع الأمني في المنطقة الشرقية. وهو من الذين ناضلوا بصمت طيلة 11 عاماً ضد الاضطهاد في سجن الوطن الكبير ولم يتركوا المحتل السوري ليرتاح ويهنأ باعتقال الدكتور سمير جعجع لإنهائه سياسياً والقضاء على المقاومة اللبنانية سياسياً وعسكرياً.

تادي عواد قلّة تعرف أنه من “الفعَلة” القليلين الذين غيَّروا الكثير في تلك الحقبة لكن من دون كثير ضجيج ومن خلف الكواليس. عن تلك التجربة في أتون المقاومة التي حرق لها عمراً يروي تادي بتحفّظ كثير حتى بات ما كتب من الرواية جزءًا قليلاً مما يمكن نشره.

يبدأ روايته برسم الإطار السياسي والأمني لتلك الحقبة المظلمة يقول: “عندما اعتقل الدكتور سمير جعجع عادت القاعدة الشعبية المسيحية لتحضن “القوات اللبنانية” بعد التشرذم الذي ضربها إثر “حرب الالغاء”، كل منا في تلك الحقبة عاد الى بلدته مترقباً المستجدات، وانا عدت الى بلدتي حصرون. في أحد الأيام جاء الأستاذ إيلي كيروز لزيارتنا في البيت نظر إلي وقال “يا تادي ما بقى فينا نبقى عم نتفرج، ما بقى يكفي إنو نشرب كاس سمير جعجع و”القوات” بالسهرات، هيدا ما بيرجع “القوات” ولا بيطلّع سمير جعجع من الحبس، لازم نبلش نعمل شي…” وهكذا بدأنا نُعدّ الخطط التي تبقي قضية الدكتور جعجع في ضمير كل مسيحي وكل لبناني. كانت كتابة مقال أو توزيع منشور بمثابة جريمة لدى أجهزة المخابرات السورية واللبنانية، ومع كل ذلك الضغط لم نخف، مع أن كثراً من ضعاف النفوس كانوا يتجنبون الكلام معنا حتى، إضافة الى الكثير من المستفيدين من الوجود السوري من أولاد المنطقة.

كانت قضية كشف براءة “القوات” وقائدها من تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة هي أساس عملنا، وباقي القضايا المفبركة تصبح ثانوية. وكان هناك شاهد من بلدتنا حصرون ضغط عليه جهاز المخابرات كي يدلي بإفادة يؤكد من خلالها أنه رأى طوني عبيد في مقهى في منطقة الكسليك يحضّر لعملية التفجير. والمضحك أن عبيد كان في ذلك الوقت في أستراليا. استعملوا معه وسائل الترغيب إضافة الى تهديده بفتح ملفات قضائية في حقه. توليت أنا مهمة إقناعه بأن إفادته الكاذبة سيكون لها تأثير كبير في سير القضية، الى أن حلّ موعد جلسة المحاكمة حيث نكر إفادته جملة وتفصيلًا وكشف أنه أفاد بتلك المعلومات الكاذبة تحت الضغط. كانت صدمة كبرى في المحكمة، ليتبيّن في ما بعد وخلال جلسات المحاكمة أن لا صحة لكل هذه التلفيقات والأكاذيب، ما زاد من اندفاع البطريرك صفير في الدفاع عنا، وهذا كله لم يكن ليحصل لولا الحاضنة الشعبية في منطقة جبة بشري، فالأهالي سبقونا في الدفاع عن “القوات” وكلهم فضلهم كبير علينا. أعرف إحدى العائلات في بشري التي خبأت أحد شبابنا في بيتها لأكثر من 6 سنوات!!

هذه الحاضنة الشعبية توزعت المهام طيلة مدة إعتقال الحكيم فأصبحت فئة منها تهتم بعائلة الدكتور جعجع وتزورها، ومجموعات أخرى كانت الى جانب ستريدا وبقيت تداوم في بيت الحكيم في يسوع الملك مداورة على رغم محاولات المخابرات “تهشيلهم” والضغط عليهم واعتقالهم. أما أنا فبقي نشاطي في حصرون ومنطقة بشري، وكان عملنا يتركز على نقطة أساسية وهي ألا نترك السوري المحتل يرتاح. وأول انتصار فعلي حققناه في الانتخابات البلدية الأولى، حينها فتحت علينا أبواب الجحيم، وكانت صدمة السوري كبيرة فبعد كل الذي فعلوه بنا عدنا أقوى. يومها فازت اللائحة التي شكلناها فوزاً كاسحاً وكان أحد ضباط المخابرات من ضيعتنا قد شكل لائحة مقابلة لم ينجح اسم منها. ما أغاظهم كثيراً خصوصاً أنهم كانوا قد حذروني من مغبة التدخل في الانتخابات وطلبوا مني أن أبقى بعيداً وعلى الحياد. لكن “القتلة” لم تنفع معي وفزنا بلائحة من 12 عضواً في حصرون التي كانت تحت الاحتلال السوري منذ بداية الحرب. لولا الناس التي احتضنتنا أكرّر لما كنا حققنا شيئًا فعدد المقاتلين في “القوات اللبنانية” من أبناء حصرون لم يكن كبيراً ومع ذلك كل الضيعة كانت معنا. كنا الخميرة لا أكثر”.

لم تكن المواجهة سهلة مع النظام الأمني آنذاك، حتى على المستوى الحياتي والمعيشي لحقوا بـ تادي بكل عمل أسسه او التحق به لمزيد من الضغط عليه، إلا أن تضامن القواتيين وتعاضدهم كان يزيد كلما تعاظمت الضغوط. وهكذا يكمل تادي عن تجربته يقول: “تسلمت صيانة المعدات في معمل لصناعة الحديد والفونت كان يملكه سلمان سماحة، الى أن اعتقل سلمان وشقيقي مخول عواد والأستاذ إيلي كيروز والدكتور توفيق الهندي بعد زيارة البطريرك صفير الى الجبل. بعد ذلك قررت أن أسافر للعمل في الخارج لأن أجهزة المخابرات كانت باتت ترصد تحركاتي ولم يعد عملي مخفياً كما يفترض. حتى إضطر شبابنا لاشاعة معلومات تفيد بأنني متعاون مع المخابرات كي يبعدوا الشبهات عني.  خصوصاً بعد أن عاد روبير فرح الى بيروت وهو منسق “القوات” في الولايات المتحدة وزار حصرون لإقناع الشباب بالعمل على إعادة هيكلة حزب “القوات اللبنانية” برئاسة فؤاد مالك. بعد تلك الزيارة الفاشلة بات الضغط علي كبيراً وصرت ضيفاً شبه يومي في مكاتب المخابرات “وآكل القتلة شي بسبب وشي بلا سبب” مرة لأن بياناً وزع في حدشيت، ومرة لأن مقالا وزّع في حصرون… لكن التجربة الأقسى كانت بعد أن بدل الشاهد من ضيعتنا إفادته أمام المجلس العدلي حيث أوقفت وسجنت شهرين في وزارة الدفاع واختبرت كل انواع التعذيب من البلانكو وتوابعه بتهمة التأثير على الشاهد لتغيير إفادته. أما الشاهد فأوقف أيضاً ونكّل به أشد التنكيل حتى اختفى صوته لشدة الألم. شهدت كل أنواع التلبيط والخبيط والتعذيب كغيري من الشباب بالطبع، وفوق يبقى المعتقل مقيداً ولا يفك قيده إلا مرّة ليوقع على ورقة بيضاء وهي التي ستحمل إفادته التي كتبوها هم بحسب ما يخدم التهم التي لفقوها له، ومرة أخرى قبل أن يطلق سراحك أمام الضابط وفي مكتبه الرسمي، حيث يلقي خطاباً في الأخلاق ويذكرّك “نحنا هون دولة مش ميليشيا، إذا حدا هانك أو ضربك كتوب هون لنحيلو عالتحقيق”. يتابع عواد “بمعنى آخر أنت بتمضي إنو ما حدا ضربك او هانك حتى ما ترجع تاكل قتلة من جديد. بتمضي لأن بتكون مش مصدق كيف بدك تضهر وتفل… أنا كان ردي بإطار نكتة قلتلو للضابط “لا أبداً ما حدا زعلني كأني كنت بأوتيل 5 نجوم!! صار الضابط يضحك وقلي “يللا مضي هون وفل”.

وقّع تادي نحو 40 تعهّداً بالابتعاد عن العمل السياسي، وسجون القبّة (في طرابلس) والحدث (حدث الجبة) ووزارة الدفاع… له فيها صولات وجولات راوحت ضيافته فيها بين الـ 7 أيام والشهرين. وله فيها ذكريات مُرّة أكيد لكن تخللتها “نهفات” يسرد منها، ” كنت مرة بثكنة الحدث ناطر للتحقيق وكان في 3 شباب من بشري معي. سأل العسكري واحد منن عن بيتو. قلو: “بتعرف ببشري؟ بتفوت بعد الكنيسة شي 200 متر وبتفرق عاليمين، بعدين شي 200 متر بتفرق عالشمال، بتكفي شي 20 متر وبتفرق عالشمال..!!!” زق عقلو العسكري وقلو سكوت وسأل الثاني “إنت وين بيتك”؟ رد التاني “حد بيتو”!!! كل ما بتذكّر كيف استلموا العسكري وهني قيد التحقيق بتضحّك. وبرجع بتذكر “خنجر” طوق خيو لـ ميلاد صديقي، مرة طلعو المخابرات ليجيبو ميلاد دقو عالباب فتح ميلاد، سألوه: “هون بيت ميلاد طوق ؟ قالن “نعم” رد خيو “خنجر” من جوا “يللا جايي عم حط شي بأجري” وراح معن بدل خيو. لما وصل عالثكنة شافو الضابط قالن للعسكريي “قلتلكن جيبولي ميلاد بتجيبو خيو؟!!!” فرد “خنجر” فوراً “ما قولو انو بدكن ميلاد! هيك عطلتولي نهاري”!!. هيك هرّب خيو وبين المزح والجد ما خلاهن يلقطوه”.

بعد دخول شقيقه مخول عواد الى السجن مع الأستاذ إيلي كيروز وسلمان سماحة والدكتور توفيق الهندي، وبعد جولاته مع ليلى زوجة الأستاذ إيلي المكوكية بين سجن رومية والديمان لعند غبطة البطريرك صفير للتوسّط لإدخال الأدوية لشقيقه مخول الذي يعاني من أمراض القلب… بعد كل ذلك الوجع قرّر تادي السفر ولم ينجح في الحصول على فيزا إلا الى سورينام حيث تمنح الفيزا من دون شروط و”واساطات” وبقي هناك لسنوات يعمل في حقل المناجم الطبيعية وتخرّج خبيراً من “المنظمة العالمية لهندسة المتفجرات”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل