وحياة ريتا وايلي وهيكل…

صار اسمكم “شهداء اسطنبول”، شهداء؟ أكيد انتم كذلك، صحيح لم ترتفعوا سماء وانتم في معارك الجبهات وما يشبهها، ولا في خلال اداء واجب وطني على حدود الوطن، لكن كنتم على جبهة الحياة تعيشونها حتى الثمالة، فسقط الكأس لأن ثمة مجرماً لا يحتمل أن تزهر الحياة فينا الف حياة، فأسقطنا بضربة هو يظن انها قاضية، اسقط العمر الطري المتوثب على الشغف، أسقط الاعمار التي لم تتجاوز بعد رحيق الربيع لتصبحوا هناك في المقلب الآخر شباب الأبد، صبية السماء عروس الأيام.

ايلي وارديني، ريتا الشامي، هيكل مسلّم لم تستشهدوا في اسطنبول في ذاك المقهى برصاص ذاك الوحش في الارض الغريبة، اي أرض خارج أسوارنا المسيّجة من شهدائنا جنودنا قلوبنا هي أرض غريبة، أنتم كنتم سفراءنا الى الحياة، رسائل امل عابرة لكل حدود فلم يحتمل السافل من يفوقه انسانية، فغرز أنيابه حتى تمزقت السنين في الاجساد النابضة بالحياة.

ليست الدنيا “قرية صغيرة” كما يقال، في القرية لا ينجمع إلا الحب في بيت واحد لتكبر العائلة على التضامن، بينما في القرية الصغيرة المفترضة تلك، صارت تُشلّع الأجساد لتكون الأشلاء وليمة الديكتاتوريين، وثمة الكثير منهم بعد يا الله ونحن محاصرون…

هكذا وعلى باب السنة الجديدة تؤدون لنا تحية الوداع؟ أي قسوة مماثلة أن نقبّل من نحب على أساس اللقاء في وقت قريب جداً واذ تتلاشى القبلة مع الأرواح المتلاشية هنا لتهرول معانقة رب السماء هناك، من يتحمّل وداعاً مماثلا؟! من سيحمل النعش ويصرخ لأجل اسمك يا يسوع؟ “يا يسوع المسيح” صرخت اخت ايلي عندما وصلها الخبر ودخلت في الانهيار الكبير، في ذروة الالم استنجدت بيسوع، لم تنسَ انه هو الاخ والاب والبيت والوطن والدنيا كلها، ولأنه كذلك نتحمّل منذ دهور دواعش الازمان المتعاقبة علينا، نعيش منذ دهر بينهم يا ايلي، نحاربهم حتى الشهادة يا هيكل، نحمي بأجسادنا مساحاتنا يا ريتا، وهم كما الجرذان والقوارض البشعة يتكاثرون من حولنا وبأشكال مختلفة، لنقع في فخ الحصار ونستسلم ولم نفعل، حتى اللحظة لم نفعل ولن نفعلها، نحن المسيحيون ابناء المسيح في القيامة، نحن المسلمون ابناء الانسانية على الارض، نحن اللبنانيون الذين عجنتنا التجارب بالنار وكوتنا الايام والظالمون والمحتلون السابقون والجدد ولم نتراجع، تريدون شهداء بعد؟ قد يكون لكم الالاف لكن نبقى ونستمر، نبقى. تريدون ارهابنا لنتقوقع في جحر الخوف فئراناً مذعورة هرباً من الشمس؟ أجيب وبالعامية الفاقعة، “فشرتوا”، لم تسلم يد امتدّت الينا الا واحترقت وستبقى تحترق حتى الرماد، لم تسلم جيوش انتهكت أرض القديسين وناسها حتى في الارض الغريبة الا وصارت ارضها منتهكة تحت اقدام جيوش الغرباء ونحن شهود على ذلك، لم يصوّب رصاص غدر الى صدور شبابنا الا وارتد مدافع حقد ونار.

قاسية، قاسية مفجعة بداية السنة، شهداء شباب على أبوابها، يا الهي، حقيقة اكبر من ان نتحمّلها، اقسى من ان نستوعبها لكن لن نحمّل الـ 2017 ما لا تستطيع على حمله، ولن نغرق في المأساة، نحزن حتى الذوبان، وسنبكي، سنبكي لأن ايلي وهيكل وريتا يستحقون دموع القهر تلك، لكن ما بالنا؟ نحن من؟ لا تنسوا، نحن من جعلنا سنين الاضطهاد والأكاليل والنعوش البيضاء أعراساً في بيوتنا وشوارعنا، نحن من حملنا بيد النعش وفي اخرى شموع الرجاء لا تنسوا، نبكي الشهداء حتى الاغماءة ربما، لكن وعندما نستفيق نقفل القبور الفارغة منهم، صاروا فوق، سكنوا بيوت الصلاة حدّ يسوع، ونرفع الرأس بعنفوان الرجاء صوب الرب ونعلن له ولاء القسم: وحياة ايلي وريتا وهيكل نحن سنبقى للحياة جنوداً وللشهادة حين تدق الساعة، كل تلك الدروب…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل