لم تكن سنة سهلة على المصريين سياسياً وأمنياً وحياتياً، لكن المؤكد أنها كانت أفضل حالاً من سنوات سابقة عانت فيها مصر الفوضى والاهتراء الأمني والجمود الاقتصادي والضنك الحياتي. مضى العام 2016 وخسر المصريون شهداء راحوا ضحايا الإرهاب في سيناء ومدن أخرى، لكن الأمن استقر وأصبح أفضل حالاً، واتخذت الدولة إجراءات اقتصادية صعبة، فارتفعت الأسعار وعانى الناس الغلاء وضيق الحال، لكن الدولة ترسخت وأخطار السقوط زالت، وعلى رغم تعطل السياحة والإنتاج وانخفاض الجنيه وارتفاع الدولار فإن الناس أكثر تمسكاً بالبقاء والحفاظ على الدولة على رغم التخريب الذي يمارسه «الإخوان» ومن يدعمونهم.
لا ثوابت في السياسة، والتعامل مع المتغيرات والأحداث الطارئة والتطورات المفاجئة يعكس قدرة الدول على التعاطي معها، بالتالي نجاحها أو فشلها سياسياً. النموذج الأقرب يتعلق بفوز مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، فغالبية التوقعات التي استندت إلى ثوابت ذهبت إلى فوز منافسته مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون، لكن المتغير حدث والمفاجأة وقعت، وبعد أيام سيدخل ترامب البيت الأبيض وسيجلس خلف المكتب البيضوي ليحكم أكبر دولة في العالم… والعالم. بالنسبة الى غالبية العرب الذين راهنوا على كلينتون سيقاس نجاحهم في قدرتهم ومرونتهم، بالتالي تمكنهم من التعاطي مع ترامب الذي لم يتوقعوه، أو قل لم يفضلوه.
الأمر هنا يتجاوز مسألة الاضطرار وتصرفهم كمضطرين في التعامل مع الرجل والإدارة الجديدة، ويصل إلى التحدي والإصرار على النجاح. نعم مضطرون، لكن إذا اعتمد العرب الآليات نفسها التي كانوا يتعاطونها في تعاملهم مع إدارة أوباما أو كانوا يستعدون لاستخدامها مع هيلاري فالصدام سيقع لا محالة، والمؤكد أن لا أحد يرغب في الصدام.
النموذج الثاني يتعلق بمصر التي خرجت من بين غبار الربيع العربي مثقلة بشظاياه وما زالت تدفع ثمن بقائها موحدة من دون تقسيم، متماسكة من دون تفتيت، صامدة من دون انهيار، تجاوزت أخطار السقوط لكنها تعاني آثار ثقافة الفوضى التي نثرها الربيع العربي في العقول وانعكست تصرفات هوجاء أثرت بالسلب في الاقتصاد والأمن والسلام الاجتماعي. تحول الإرهاب مع الربيع العربي إلى ثابت وتبدل «الإخوان» وصاروا متغيراً جديداً في معادلة الأمن وتخريب الاقتصاد وإفساد الحياة على الناس، ويبدو في السنة الجديدة أن الدولة ستواصل حربها على الإرهاب متسلحة بتأييد شعبي جارف ومساندة دولية وإقليمية أكبر من أي وقت مضى.
وعلى رغم أن منظمات حقوقية ومراكز بحثية ومثقفين وسياسيين غربيين، وعرباً أيضاً، ما زالوا يتبنون الخطاب الإعلامي لـ «الإخوان» ويفسرون كل حدث أو إجراء أو قرار هدفه محاربة التطرف ومواجهة الإرهاب والتخريب على أنه مخالف للحريات، فإن الظروف الإقليمية والدولية وامتداد سرطان الإرهاب ليطاول دولاً غربية سيجعل أصواتاً كتلك نشازاً.
المؤشرات تؤكد أن الدولة المصرية ستمضي في مواجهة «الإخوان» بغطاء جماهيري بعدما ارتكبوا، وما زالوا، أخطاء وسعت الفجوة بينهم وبين الشعب إلى مدى لا يمكن تجاوزه، وسواء كانت الخلافات التي تعصف بـ «الجماعة» والصراعات بين رموزها وقادتها حقيقية أو مجرد تسريبات ضمن لعبة تقسيم الأدوار، فإن كل يوم يمضي من دون أن يحقق الإخوان هدفهم بإسقاط الدولة يزيدها رسوخاً ويزيدهم ضعفاً. تبدو سياسة السيسي تجاه «الإخوان» ثابتة وهو يضعهم في سلة واحدة مع «أنصار بيت المقدس»، لا فرق لديه بين التنظيمين. قد يأتي المتغير من جهة الجماعة إذا أعلنت هزيمتها وأقرت بأخطائها وغيّرت مسارها، لكنه متغير يكاد يكون مستحيلاً حتى الآن.
على صعيد الاقتصاد لا يبدو أن الأحوال ستتحسن كثيراً إلا مع نهاية العام إذا عادت السياحة إلى معدلاتها وأثمرت خطوات الإصلاح وبدأ الغاز يضخ من حقل البحر المتوسط الجديد، لكن، يبدو أن المصريين تمرسوا في مواجهة ظروف كتلك، خصوصاً أن غبار الربيع العربي لم يختف بعد.
على مستوى الحراك السياسي فإن بعض المؤشرات التي ظهرت في العام المنصرم ترجح أن تتسع مصر أكثر لكل المصريين وأن تضيق على الفاسدين، ولأن الدولة تجاوزت خطر السقوط، فإن إقدام الحكم على إجراءات لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية سيكون تغيراً مهماً ظهرت بوادره مع إطلاق شباب كانوا رهن الحبس الاحتياطي أو محكومين في قضايا، وكذلك عبر مؤتمرات شارك فيها شباب محسوبون على قوى المعارضة السياسية في حضور السيسي، بالتزامن مع تطوير الدولة آليات محاربة الفساد وعودة دور جهاز الرقابة الإدارية بارزاً في مطاردة الفاسدين.
مضى عام صعب وأتى آخر قد يكون أصعب، لكن، متى كانت حياة المصريين سهلة؟ أبداً لم تكن.