عمليتان هزتا تركيا في اثني عشر يوما فقط٬ الأولى عندما قتل حارس أمن من ذئاب “داعش” سفير روسيا في معرض فني في أنقرة٬ والثانية ليلة رأس السنة عندما هاجم إرهابي متخفيا في ملابس بابا نويل ملهى في إسطنبول. العام الماضي كان داميا من كثرة الجرائم الإرهابية التي استهدفت تركيا أكثر من غيرها٬ لماذا؟
هناك دول تتمتع بأنظمة أمنية واستخباراتية فائقة التطور تجعلها أهدافا صعبة على الإرهابيين مثل الأردن٬ ومع هذا نجح “داعش” في اختراقه قبل أيام. إلى عامين مضيا لم تكن تركيا هدفا للتنظيمات الإرهابية مثل “القاعدة” و”داعش”٬ وكان معظم اهتمام جهازها الأمني ينصب على متابعة تنظيمات أخرى معادية مثل التنظيمات الكردية الانفصالية.
وصل الإرهاب المرتبط بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة تركيا متأخ را٬ ففي يناير (كانون الثاني)٬ قبل عامين٬ فجرت امرأة حامل نفسها وسط جموع زوار مسجد آياصوفيا٬ واتضح أنها شيشانية. وتلتها عمليات أخرى متباعدة٬ حتى نفذ ثلاثة من مقاتلي “داعش” هجوما مروعا على مطار أتاتورك قتل وأصيب فيه نحو مائة وتسعين شخصا. ولاحقا قتل وأصيب رقم مماثل في تفجير إرهابي استهدف ملعبا في ضواحي إسطنبول. وتكررت العمليات والأهداف في الأشهر القليلة الماضية استهدفت حفلات زواج٬ ونقاط شرطة٬ وأسواقا تجارية٬ ومناطق سياحية.
لماذا يستهدف تنظيم داعش بشكل خاص تركيا؟ هل هو موجه من قبل أنظمة إقليمية معادية رفعت حربها ضد تركيا٬ مثل إيران كما يقال٬ أم أن التنظيم قرر الرد على حكومة تركيا التي شنت عمليات عسكرية ضد مواقعه داخل سوريا والعراق؟
تركيا٬ أراها تشابه كثيرا في حالتها اليوم وضع باكستان في العقد الماضي٬ حيث كانت في معظم سنوات الأزمة السورية تغض النظر عن العابرين لأراضيها المتجهين جنوبا للقتال في سوريا٬ وباكستان كانت بوابة المقاتلين لأفغانستان بعد شن الحرب على تنظيم القاعدة. تركيا صارت الممر الرئيسي الذي عبر منه مقاتلو “الجيش السوري الحر”٬ وكذلك الذين التحقوا بالجماعات المتطرفة مثل “جبهة النصرة” و”داعش”. إنما أصبحت هدفا منذ أن تشددت السلطات التركية في مراقبة المعابر المؤدية للحدود السورية٬ ورد المقاتلين الأجانب على أعقابهم٬ خاصة بعد أن طالبت الدول الأوروبية تركيا بعدم السماح لمواطنيها الأوروبيين من العبور إلى مناطق القتال. وكذلك فعلت معظم الدول العربية التي قدمت طلبات مماثلة.
وقعت تركيا تحت ضغوط متعددة٬ غربية وعربية وروسية٬ كلها تدعو تركيا لإغلاق الحدود أمام نشاط الجماعات المقاتلة. وفي الوقت نفسه الذي وافقت فيه أنقرة على منع المقاتلين الأجانب٬ فإنها أرادت التفريق بين المنتسبين لتنظيمات سورية تقاتل من أجل بلدها وبين الجماعات الإرهابية.
الآن٬ تركيا بوابة الثورة السورية تدفع الثمن غاليا؛ حيث أصبحت الهدف الرئيسي لأخطر التنظيمات الإرهابية في العالم “داعش” و”جبهة النصرة” التي يبدو أنها لا تزال قوية على الأرض٬ وتشكل خط را مستمرا على البلاد.
والأرجح أن تفعل تركيا ما سبقتها إليه دول مرت بالتجربة نفسها٬ فحكومة البوسنة باشرت بطرد المقاتلين الأجانب والمتطرفين غير المسلحين٬ معظمهم كانوا عربا٬ بعد أن أصبحوا يشكلون عبئا عليها أمنيا وسياسيا. كما أنها أغلقت منظماتهم وجمعياتهم. باكستان قامت هي الأخرى بملاحقة المقاتلين الأجانب وتسليم كل من يتم القبض عليهم إلى حكومات بلدانهم٬ كما فرضت التأشيرات وطردت الجماعات المتطرفة. ومن المتوقع أن تلجأ السلطات التركية إلى الالتفات إلى الجماعات المتطرفة التي وجدت في تركيا ملجأ مريحا لها بعد هروبها من مصر وتونس والخليج٬ لأن حكومة أنقرة ستحتاج إلى توثيق التعاون مع الأنظمة الأمنية الإقليمية٬ بعد أن كانت محل احتجاجاتها في السابق بأنها تتهاون مع هذه الجماعات الإسلامية المعارضة سياسيا.
