في المقهى مع جريدة…

تقفل الصحف تباعاً في لبنان، أمر مؤسف، تنوء بحملها، انكفأ القراء، خسر المقهى تلك القعدة الممتعة الى فنجان القهوة والزجاج الماطر وحفيف جريدة يقرقع برتابة تشهّي على المزيد والمزيد من افتعال ضجيج ناعم يخرق دردشات الرواد وقهقهاتهم، والأهم خسر المقهى قارئاً نهماً يفلفش ذاك الورق، هنا القصة، الورق، الفلفشة، مزمزة الاخبار حتى ولوكانت بائتة من البارحة، الوقت يلتهم وقته، اي خبر تجاوز وقته الدقائق العشرة يصبح بائتاً من التاريخ غير صالح للاستهلاك الفوري، انكفأ الحفيف، تنسحب الجريدة على مهل مدوي من واجهات المكتبات، تسقط المانشيت في لوعة الافول، تسقط تباعاً بالضربة القاضية، انكفأت الجريدة انسحبت لصالح التطور الالكتروني، وحش الحاضر، كل شي يذهب لمصلحة تلك الالة المعلّبة المشاعر، صرنا جميعاً نعيش ونحيا ونتواصل في الانترنيت، في العالم الافتراضي، هناك في تلك العلبة تسرح كل الدنيا، كيف لا وبدقائق تصبح أخبار الدنيا مشاعاً للعين بلمحة ضربة على الـclavier، وبلمحة كلمة نصنع عوالمنا التي نريد ونشتهي، صار طريق الكلمة الى المطبعة صعباً شاقاً بعيداً كي لا نقول مستحيلاً، مشووووواااار اذا ما قيس بسرعة الانترنيت، يوماً بعد يوم تُرحَل الصحف المكتوبة الى افولها القسري وتأخذ في دربها أقلاما وزملاء، صارت الكلفة أكبر من عدد القراء، هي أزمة عالمية نعرف، لكن يعزّ على لبنان الذي كانت فيه للصحف الدور الاول في صنع تاريخه واستقلاله، ان يستقل عن المطبعة والورق والأقلام المواكبة، يعز علينا ان نرى فيه زملاء لنا في البطالة بعدما واكبت اقلامهم احداث لبنان بكل ما فيها من مرارة وحلاوة.  “الصحافة المكتوبة هي أساس الحريات في المنطقة، لذلك ينبغي علينا وضع كل جهودنا لانقاذها، فعندما تموت الصحافة يموت معها جزء كبير من تاريخنا” يقول وزير الاعلام ملحم رياشي، الذي يسعى لوضع خطة مبدئية للحصول على دعم مادي مشروط للصحف وسيرفعها لاحقاً الى مجلس الوزراء. رياشي ابن المهنة، عتيق في الكار، ولا أحد يفهم معاناة هؤلاء الا ولاد الكار أنفسهم، ليس أصعب من الا يجد قلم صفحة تحمل توقيعه، لا يحتمل قلم  الا تلحقه عيون قارىء صار هو الرفيق والصديق والملاحق. هي مهنة المتاعب صحيح، لكن فيها ما فيها من تلك النرجسية اللذيذة المطلوبة.

لا نعرف ما مصير صحف لبنان غير انها آيلة الى الانترنيت، الى ما يسمى بالصحافة الالكترونية، صرنا في غالبيتنا، كي لا نقول جميعنا من كتّابها، هي صحافة جميلة متطورة بالتأكيد مواكبة لثواني العالم ولا نقول عكس ذلك، لكن…لكن الأكيد ان الزمن وحش يلتهم نفسه ويقضم بدربه كل الاشياء الجميلة ويرميها فتاتاً للتاريخ، أيعقل مثلاً الا يصيح ذاك “الديك” على وقع حفيف ذاك الورق الفاخر بالأحداث، العابق بالحرية، باستقلال لبنان، بالشهداء لاجل ذاك الاستقلال، بثورة الارز، بالثورة على الانتداب الفرنسي، بأحداث السبعينات، بتدوين جلاء الاحتلال السوري بالصورة والوقائع عن ارض لبنان، وبكل ذاك العبق اللامتناهي من الحرية؟ او أي جريدة اخرى مماثلة؟ أيعقل ان تنطوي الصفحات لتصبح الكترونية من دون رائحة، من دون فلفشة ممتعة، من دون حاسة اللمس تلك التي تجعل القارى وكأنه من رائحة الورق يدخل الى قلب حدث ولو كان حبرا بخط اسود على صفحة؟؟

لن أجامل، انا صحافية وانا حزينة لاني خسرت تلك الجلسة في المقهى، ارتشف جريدة لبنانية حرة، وأقرأ اقلاماً تشبهني بالكرامة، وايضاً اخرى تتناقض وقناعاتي، هي صحف، هي التنوع ولنا المعرفة والاختيار، ثم أمسح الحبر الاسود عن يدي واهمهم “مش معقول حبر هالجريدة شو بيعلّم”…وغياب ذاك الحبر سيعلّم اكثر بعد على من ادمن ورق الجريدة وعلى الاقلام العاطلة من الكتابة…للاسف يا مهنة، يا رسالة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل