الإستراتيجية الجديدة لإيران وحلفائها… مواجهة أم رضوخ؟

لقد بات العالم اليوم أمام واقعة جديدة، استجدّت بعد معركة حلب الأخيرة، وتجلّت في الحلف الجديد بين روسيا وتركيا، وما نتج عنه من تهميش وتقليص لدور إيران وأتباعها في سوريا. من هنا تراجع “حزب الله” عن أهدافه الاستراتجيّة البعيدة المدى التي كان يرفض دوماً الإعتراف بها، ليكتفي فقط بتأمين منطقة خالية من كلّ من لا يؤيّده بين امتداده في لبنان وسوريا، أي بين الحدود اللبنانيّة ووصولاً حتّى مشارف العاصمة السوريّة دمشق. فكيف ستنعكس هذه الإستراتيجيّة الدّوليّة الجديدة التي دفعت بإيران و”حزب الله” الى التّراجع، على السياسة العامّة في لبنان؟

لعلّ التطوّرات الأخيرة في الشأن اللبناني الدّاخلي بعدما نتج في الإنتخابات الرّئاسيّة وما تبعها من إعادة إنتاج جزئيّة للسلطة، تسمح بقراءة الواقع الجديد. فلولا التماس “الحزب” هذا التّغيير الذي سيفرض على الواقع السّوري، لَمَا قبل بمَا فرضه اتّفاق معراب في ملف رئاسة الجمهوريّة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ ما حقّقته سوريا وحلفاؤها في لبنان، من ضربٍ للوجود المسيحيّ الحرّ فيه، وصولاً إلى التّمهيد للسّيطرة على كلّ البلاد، حتّى بعد دحرها، وإعادة تكليف “حزب الله” بالقيام بهذه المهمّة، قد أسقطه اتّفاق معراب بوصول فخامة الرّئيس العماد ميشال عون إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة. وقد استُكمٍل هذا التّحرير بالجزء الثاني من توليد السّلطة التّنفيذيّة برئاسة دولة الرّئيس سعد الحريري.

أمّأ الجزء الثّالث فسيتجلّى في توليد سلطة تشريعيّة جديدة من خلال انتخابات نيابيّة بقانون جديد، تُوصِل أصحاب الحقّ وحدهم إلى قبّة البرلمان. وهنا سيكون الكباش، بين مَن يريد تحرير كلّ لبنان من رقبة الإحتلال، وبين مَن يريد للبنان أن يبقى دولة في الظّاهر، ودويلة في الخفاء المعلن، بانتظار اللحظة المؤاتية لإعلان ما يصبو إليه منذ العام 1982. أعني هنا ولاية الفقيه أو ما  يتبع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

من هذا المنطلق، دخل “حزب الله” في التّسوية التي كرسها اتّفاق معراب ليعمل على الخطّة البديلة التي تكمن في تأمين قانون انتخاب يُحكِم بواسطته سيطرته من جديد على كلّ مفاصل السلطة التي يُعتَبر أهمّها: السلطة التّشريعيّة، لأنّه وبمراجعة بسيطة للتّاريخ القريب، الكلّ يعلم مفاعيل القمصان السود وما نتج عنها من إطباق على السّلطة التّنفيذيّة.

قد يُنتج تراجع إيران وحلفائها في معارك سوريا استقراراً للوضع في لبنان، هذا إن أراد فريق إيران أن يبني لبنان، لكن الواضح أن سياسة هذا الفريق أترتكز على: “إمّا يَحكم كلّ لبنان أو يعطّل الحكم فيه”. فالشّراكة التي يتكلّم عنها دائماً لم تترجم يوماً، أقلّه حتّى هذه اللحظة. والمطلوب أن يترجم فريق إيران وسوريا في لبنان مفهومه للشّراكة الحقيقيّة من خلال سعيه لإنتاج قانون انتخاب عادلٍ أوّلاً، ومن خلال تسهيل مهمّة حكومة العهد الأولى ثانياً، وذلك بتلبية كلّ المطالب المعيشيّة بالحدّ الادنى.

أمّا الإشكاليّة الكبرى تكمن في رضوخ إيران ومن معها للحالة الدّوليّة الجديدة التي نتجت بعد الحلف التّركي- الروّسي الجديد. وإذا قرّرت إيران المواجهة فهي ستواجه أوّلاً في سوريا بواسطة الإدارة الأميريكيّة الجديدة. ويخطئ من يظنّ أنّ ما جرى في سوريا بين تركيا وروسيا، كان بمنأى عن الولايات المتّحدة بإدارتها الجديدة، ومن دون علم حلفائها الإستراتيجيّين، وفي طليعتهم إسرائيل.

فإذا أرادت إيران مواجهة العالم الجديد الذي سيُحكم بواسطة نظام الـBi-polar system بين الولايات المتّحدة بالإدارة الجديدة وروسيا، فهي ستخسر اتّفاقها النّووي وستعود إلى العزلة الدّوليّة. وإذا أخذت التّسوية في سوريا مسارها الصّحيح، فستدخل المنطقة في مواجهة اقتصاديّة عمرانيّة جديدة قوامها الثّروة النّفطيّة في المتوسّط وبناء سوريا الجديدة. وبحكم الموقع الجيوبوليتيكي، سيكون لبنان المتأثِّر الأوّل إيجاباً أو سلباً. فهل سنشهد تغييراً في استراتيجيّات أطراف الصراع لمصلحة العهد الجديد؟ أم تعنّت إيران والنّظام في سوريا سيُجبِر من معهم على تدمير الهيكل على رؤوس الجميع؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل