#adsense

ريتا.. الياس.. هيكل.. شهداء نعم شهداء…

حجم الخط

5،4،3،2،1 والتحمت عقارب الساعة معلنة بداية سنة 2017.. الناس، كل الناس على سطح الكرة الأرضية وحيثما وجدوا في تلك الساعة كانوا يعيشون لحظات وداع عام 2016 كانوا مفعمين بالأمل والتمنيات والأحلام. إلا ذاك الإرهابي المجبول بحقد الكفر والكراهية لنفسه البشرية والمتربص للموت. ذاك الإرهابي الذي كان يجول في محيط ملهى “لارينا” في اسطنبول، وربما هؤلاء الإرهابيين، كان يقتنص اللحظة التي سيحول فيها أحلام فرح الناس وضحكاتهم في استقبال السنة الجديدة إلى مآسٍ ودموع.

هناك في ملهى لارينا، كانت الحياة وثقافتها في مفهومها الحقيقي. وهناك شاء القدر لا بل حب الشهادة للحياة أن يكون من بين الساهرين الياس وريتا وهيكل. أرادوا ان يشهدوا للحياة لأنهم لا يشربون إلا من كأس الإيمان بهذه الحياة. الياس وريتا وهيكل شربوا مع الأحباء والأصدقاء نخب السنة الجديدة بضحكات الحياة التي عشقوها حتى آخر لحظة من عمرهم. لكن اللحظة كانت قريبة، وقريبة جداً إلى درجة أنهم لم يكملوا الرشفة الأخيرة من كأس العمر الذي كانوا يرسمون سطوره بثقافة الحياة. فهناك كان متربصو ثقافة الموت يقتنصون تلك اللحظة ونجحوا. الياس وارديني وريتا الشامي وهيكل مسلم كانوا هناك لأنهم أرادوا أن يتحدوا ثقافة الموت ولم يأبهوا لتهديدات الإرهابيين الذين توعدوا بتحويل الحياة إلى مشهد دموي إلى موت بربري على قياسهم.

 

 الواحدة و20 دقيقة من فجر 2017 انطفأت أنوار الحياة على من قرروا أن يسكروا بها فرحاً. وعاد الياس وريتا وهيكل في صناديق خشبية ملفوفة بالعلم اللبناني. عادوا وربما ليس في الموعد الذي كان مقرراً على جوازات سفر عمرهم على الأرض. ثمة من قرر عنهم، ثمة من أراد أن يقطع عليهم رحلة الحياة والأحلام، ثمة من أراد أن يسكت صوت هذه الحياة التي تضج في آذانهم وأن يخمدوها حتى النفس الأخير في الثرى. لكنهم أخطأوا كما في كل مرة أقله مع الياس وريتا وهيكل لأنهم أبناء وطن مجبول بإيمان دم الشهداء والأبطال. صحيح أن دماءهم روت أرضاً غريبة أرضاً ما كانوا فكروا يوماً أنهم سيعودون منها جثامين باردة أكثر من صقيع كانون في تلك الليلة التي صاروا فيها بفعل الهجوم الإرهابي على الملهى شهداء. لكننا أبناء الرجاء والإيمان بالقيامة قيامة يسوع والأموات في اليوم الثالث…

ثمة من يقول “ماذا ينفع؟ راحوا شبابنا. راح الغالي”. لكن الأغلى هو معرفة كيف ومن خطف أرواح 39 ضحية من بينهم 3 شهداء لبنانيين. نلوم القدر؟ نلعن تلك الساعة التي عاد فيها الياس وريتا عن قرارهما بإلغاء الرحلة بسبب عدم السماح لهما باسترداد أسعار البطاقات؟ نتمنى لو لم تتخذ الدولة التركية قراراً بتخفيض أسعارها في موسم الأعياد لجذب السياح أو أنه لو كانت هناك تأشيرات سفر إلى تركيا بحيث لا تقتصر فقط على جواز السفر؟ نصرخ؟ نلوم؟ نحاسب ذاك الصوت الملهم الذي صمّ آذان ريتا الشامي ولم تصغِ لطلب والدها الذي تمنى عليها عدم السفر “ما كان بدي ياها تروح ع اسطنبول، لكنها أصرت. ريتا هيي روحي شقفة مني اتصلت فيا اليوم وما ردت عليي” صحيح. فريتا هي قطعة من فلذة قلب والدها إيلي الثمانيني وغنوجة البيت “عندي 4 شباب مجوزين بس ريتا كانت روحي. اليوم انطفت روحي”.

ريتا الشامي
ريتا الشامي

ريتا بدورها كانت “قلقة” بحسب الرسالة التي كتبتها على صفحة “الواتس أب” و”عتلانة هم” لكنها كانت حجزت مقعداً لها ودفعت المبلغ المتوجب. وقبل أن تسافر إلى تركيا مع مجموعة من الأصدقاء من بينهم بشرى الدويهي ابنة النائب اسطفان الدويهي التي أصيبت إصابة بليغة والشهيد الياس وارديني قالت لإحدى صديقاتها: “انشالله منتسلى… وأكتر شي شو بدو يصير؟ أكثر شي بلحق إمي بإنفجار”. وذهبت لتحتفل لكن رحلتها ستطول كثيراً. فهذه المرة ذهبت لتحتفل مع والدتها التي سبقتها إلى أحضان يسوع في تموز 2016 بعد صراع مرير مع مرض السرطان. ذهبت لتعود وتجلس من جديد في حضن أمها تماماً كما كانت تفعل حتى آخر لحظة من عمرها القصير الذي خطفه ذاك المرض.

في 18 كانون الأول 2016 وضعت ريتا الشامي البوست التالي: “كيف معقول يكون عيد الميلاد بالسما؟ شو معقول يكونوا عم يعملوا ع العيد؟ معقول يكونوا عم يحتفلوا بالعيد متل ما نحنا منحتفل هون؟ يمكن بصلّولنا أكتر ما نحنا منصليلن. ومنضلّ ع بالن أكتر من حالن. معقول يكونوا موجودين معنا ع الطاولة؟ ونحكي القصص اللي تعودنا نحكيا كل سنة؟ نحنا منعرف إنن معنا بكل خطوة، وهنّي العيد معنا بكل لحظة. يمكن ما منقدر نشوفن ونحكين بس هني موجودين”. ولم يطل الوقت لتحصل ريتا على كل الأجوبة…

“ما حدا يقللي راح للّو عند إمي… بدي خيي… بدي حنطو وحطو حدي”. كلمات مزّقت صدى اللغط والقلق الذي أحاط بعائلة وارديني بعدما تناقلت وسائل الإعلام أخباراً عن رمي نفسه بالبوسفور عقب حصول الهجوم الإرهابي. هل أنقذ نفسه؟ هل غرق في مياه البوسفور؟ هل تجمد؟ وينو لِلّو؟ كانت تصرخ شقيقاته الثلاث، إلى أن وصل الخبر اليقين. “يسوع راح عند إمو. صار بأحضان يسوع”. لحظات لا يتمنى مطلق أي إنسان أن يعيشها أن يسمع خبر موت فلذة كبده، على رغم إيماننا ورجائنا بالقيامة. كان الياس (27 عاماً) الإبن المدلل لشقيقاته الثلاث الإبن الذي تركته أمهم منذ 10 أعوام بعد رحيلها بالجسد بسبب إصابتها بمرض السرطان. ريتا الشامي وإيلي وارديني جمعهما وجع الإنسلاخ من حضن الأم باكراً، حتى السبب هو نفسه. ذاك المرض الملعون. وكما على الأرض كذلك في السماء… التقيا والدتيهما.

الياس وارديني وريتا الشامي
الياس وارديني وريتا الشامي

هي ليست المرة الأولى التي يستقبل فيها الياس الذي تخصص في مجال إدارة الأعمال وكان يدرب في نادي “فيتنيس زون” السنة الجديدة في تركيا. العام الماضي فعلها مع خطيبته ميليسا بابالاردو. لكن هذه السنة عادت ميليسا وحيدة على حمالة إلى إحدى المستشفيات لتعالج من جراء إصابتها في الهجوم الإرهابي في وركها. عادت جسداً ينبض بالحياة لكن روحها وقلبها رحلا مع حبيبها الياس، البطل الياس الذي أراد أن يفديها بروحه بعمره ويرد عنها رصاصات الموت التي كان يطلقها الإرهابي. ارتمى عليها فأصابته رصاصات الإرهاب القاتل إصابات مباشرة في الظهر. وكما كان قلب والد ريتا الشامي غير مطمئن لفكرة سفرها إلى تركيا كذلك شقيقات الياس فيفيان وميراي وميرنا. حاولن ثنيه عن السفر الى تركيا هذه السنة بسبب خطورة الوضع الأمني هناك وطلبن منه أن يلغي الرحلة لكنه سلم أمره لله. “الياس كان مؤمناً عن حق وليس في الظاهر” كما قال عنه المتروبوليت الياس عودة في عظة الجنازة.

“متل ما الله بيريد” قال الياس لشقيقاته قبل ان يحمل حقائبه ليل الخميس 29 كانون الأول ورحل. لم تودعه فيفيان “ما بحب الوداع بعدني ناطرتو هيدا ابني وصتنا في إمي قبل ما تنتقل ع السما من 10 سنين”.

آخر رسالة من الياس وصلت منه على الواتساب روى فيها لشقيقاته لحظات الفرح التي يمضيها مع ميليسا وأصدقائه. أخبرهن ان الطقس بارد. فطلبت منه فيفيان ان يلبس جيداً وأرسلت له قبلة. وآخر صورة له على فايسبوك علقت عليها شقيقته فيفيان: “بيبي متل القمر انبسطوا”. كان وجهه مزهواً بالفرح. هاتف شقيقتيه ميراي وميرنا. طلب منهما أن تهتما بنفسيهما. كانت فيفيان خائفة على “صغير البيت” على رغم بنيته الرياضية. لم تدرك هي وميراي وميرنا أنهن سيقبلن جبينه البارد المتجمد للمرة الأخيرة. يا يسوع… لن نكفر لأننا أبناء الإيمان، لكن من قال إننا لسنا أضعف من أن نتقبل غالباً فكرة رحيل الأحباء؟

في يوم “عرسه” ارتدى الياس وارديني البزة الرسمية التي اشتراها قبل أن يسافر إلى تركيا لوداع عام 2016 مع خطيبته ميليسا والأصدقاء. لبسها لكن ليسجى في نعش أبيض ويرقص به الأحباء والأصدقاء مرفوعاً على الرايات ولتزفّه شقيقاته الثلاث بالنحيب والبكاء والعويل. لكن ليس وحده.

هيكل مسلم
هيكل مسلم

هيكل مسلم الرياضي لبس أيضاً بزة العرس التي ارتداها قبل أربعة أشهر يوم زفافه من ميراي خوري. لم يتسنَّ له حتى مشاهدة فيلم فيديو العرس بعد. هو سافر إلى تركيا لاستقبال سنة جديدة لكن رصاصة واحدة أطلقها الإرهابي على صدره كانت كافية لتختم مشوار عمره بالشمع الأسود. وعاد هيكل في نعش أبيض ملفوفاً بالعلم اللبناني وصورة مؤطرة تضمها زوجته ميراي إلى صدرها. وحدها تلك الصورة تلك اللحظات لن تفارق عمرها ولا ذاكرتها.

على المستوى الأمني ثمة أسئلة كثيرة طرحت ولا تزال تشكل لغزاً على رغم كشف السلطات التركية عن صورة منفذ الهجوم ويدعى إياخي ماشرابوف (28 عاماً) الذي أظهرت التحقيقات أنه قاتل إلى جانب تنظيم “داعش” في سوريا قبل أن يعود إلى تركيا ويستقر مع زوجته وأولاده في اسطنبول. بالإضافة إلى اعتقال أجنبيين في مطار أتاتورك على خلفية الهجوم الإرهابي على ملهى لارينا.

لكن ماذا عن التدابير الأمنية التي يفترض أن تكون السلطات التركية قد اتخذتها ليلة رأس السنة على خلفية التهديدات المباشرة من قبل التنظيمات الإسلامية لدولة تركيا؟ كيف تمكن الإرهابي الذي كان يحمل رشاشاً بحسب ما أظهرته تسجيلات الكاميرات من اجتياز حواجز الشرطة وقد قيل إنّ السلطات التركية نشرت نحو 17 ألف شرطي في تلك الليلة في مدينة اسطنبول؟ وإذا سلمنا بأنه كان أعزلا، من سلمه السلاح عند الوصول إلى نقطة ملهى لارينا؟ كيف تمكن من تجاوز عناصر الشرطة والأمن عند باب الملهى؟ وهل تمكن منفرداً من قتل كل العناصر الأمنية أو العنصر الوحيد الذي كان يقف عند باب الملهى كما ذكرت وسائل الإعلام؟ أكثر من ذلك كيف تمكن هذا الإرهابي الذي كان يتجول في شوارع اسطنبول ويلتقط لنفسه صور “سيلفي” من تنفيذ عملية إرهابية مماثلة أسفرت عن سقوط 39 قتيلاً و65 جريحاً؟

صاحب ملهى لارينا كان قد تبلغ بتهديدات قد تطال الملهى وإمكان تنفيذ عمليات إرهابية في تلك الليلة مما يعني أنه كان يفترض أن يكون قد اتخذ كل التدابير الأمنية المطلوبة في محيط الملهى وداخله. ومعلوم أن ملهى لارينا مصنف درجة “VIP” ويرتاده نجوم عالميون وشخصيات فنية وسياح عرب وأجانب ويخضع الساهرون فيه للتفتيش الدقيق والتأكد من الأسماء والصور وهناك عناصر من الأمن الخاص يصل عددهم إلى الـ 20 ينتشرون داخل الصالات ويتجولون باللباس المدني. أين كان هؤلاء العناصر؟ وما هي قصة رجل بابا نويل الذي قيل إنه كان يجول بين الساهرين ويلتقط معهم الصور وإحداها كانت مع زوجة الشهيد هيكل مسلم ميراي خوري وقد نشرتها على صفحتها الخاصة قبل وقوع الهجوم الإرهابي وأرفقتها بعبارة “هيدا أبشع بابا نويل شفتو بحياتي”. قلبها كان دليلها. من كان يمد الإرهابي بأمشاط الرشاش؟ وكيف تمكن من تصفية كل من كان يسمع أنينه وصراخه وحيدأ؟ لماذا وصلت الشرطة بعد ساعة من وقوع الهجوم الإرهابي بحسب شهادات الجرحى على رغم كل التدابير الأمنية المشددة المفترض أن تكون متخذة من قبل السلطات التركية؟

الجرحى اللبنانيون والناجون من الهجوم الإرهابي على ملهى لارينا أكدوا في شهاداتهم أنه كان هناك إرهابيان وربما أكثر مما يثبت أن العملية مدبرة ومحاكة بدقة لتنفذ في المكان والساعة والدقيقة المحددة فجر الأول من كانون الثاني 2017.

أسئلة وأسئلة كثيرة طرحت وستبقى مفتوحة على رغم كل الخيوط التي توصلت إليها التحقيقات. أسئلة أقرب إلى اللغز حول كيفية تنفيذ الإرهابي جريمته وسط كل الإجراءات الأمنية. عسى أن تجد الأجوبة فقط لبلسمة أوجاع أهالي وعائلات الشهداء.

لو ما راحوا… لو بقيوا بلبنان وسهروا هون… لو استشهدوا بأرضن… لو لو لو… لن نسميها مشيئة الله ولا القدر الملعون. أيضاً لم ولن نكفر ونلعن. الياس وريتا وهيكل شهداء في وطن مجبول بدماء الأبطال وإن كانت شهادتهم على أرض غريبة. شهداء، نعم شهداء مهما اختلف كثر على توصيف شهادتهم واختلفوا على جنس الشهادة للحياة كما على جنس الملائكة.

الياس وريتا وهيكل إلى اللقاء في أحضان يسوع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل