#adsense

طيبة هالزلابية يا الدايم دايم فينا؟

حجم الخط

يتسلل الضوء من البرداية الدانتيل المخرمة، لا ينام الليل في هذه الأمسية تحديدا، وفي هذه الأمسية تحديدا أحب كما دائما أن أحكي ستي، تلك التي تسرّح شعرها الأبيض الطويل وتعقصه الى الخلف وترمي فوقه منديلها المخرّم بالأويا، ولا تقبل أن تستقبل النعاس في تلك الليلة قبل أن تقرع الثانية عشرة منتصف الليل، تطمئن الى عبوره بيننا، فتتلو مسبحتها وتقبلنا وتعايدنا “دايم دايم عليكن يا ستي” وتغرق في سباتها المبتسم… إنها ليلة الغطاس.

بهدوء يغسل المطر السنديانات، إستكان الهواء وترك المساحة للمطر الناعم، تفوح من البيت روائح طيبة، طيبة جدا، المعكرون، القطايف، العوامات والأهم الزلابية. منذ الصباح الباكر استنفر مطبخ البيت، لم تهدأ نار الصوبيا الملتهبة بالأطايب، السادسة صباحا والدنيا عتم، قرع خفيف على الباب، عرفت ستيمن الطارق، اختها فيكتوريا وكنّتها الثانية، ستي منذ الرابعة فجرا حضّرت العدّة كاملة، رفخ العجين وصار جاهزا، ركوة قهوة لتعديل مزاج الستّات، وترويقة ع الخفيف والى العمل.

مقلاة الزيت حامية وأفواج الحلويات إياها تتهاوى تباعا في الزيت الساخن ثم تصطف عسكر عويمات ومعكرون كل في وعائها، ويقولون في الضيعة أن تغميس العجينة بأشكالها المتنوعة في الزيت وإعادة إخراجها تذكير بأن يسوع تعمّد في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان ثم خرج ليبدأ ثورته المقدسة فوق الأرض.

تكمل الستات عملهن بشغف لا يوصف، فجأة يسمعن حفيفا ما خلف باب المطبخ “يا شحاري مين في ورا الباب؟” تفتح ستي فتجدني أسترق السمع والرائحة “شو فوّقك ع الصبح تعي ستي قعدي حدّ النار بدي خبرك حكاية الزلابية لـ بتحبيها”.

كنت أحب سماع تلك الرواية البسيطة العميقة الأبعاد، وكل سنة تكررها ستي على مسامعي وكأنها المرة الأولى، للزلابية حكاية؟ نعم هي بعض من حكاية الغطاس تلك، حكاية يسوع ويوحنا المعمدان وذاك الحنين المتدفّق من كتاب الأيام. أجلس الى صحني أمزّق الزلابية بسعادة لا توصف وألتهم صوت ستي في الحكاية، “… وقام يوحنا دلّ باصبعو ع يسوع وكان جايي صوبو تـ يعمدو بالنهر وقال هادا حمل الله وهيك صارت الزلابية بتشبه الأصابع يا ستي”،وفي الضيعة يروون غير حكاية، يقولون إن ليلة عيد الغطاس مرّ السيد المسيح قرب امرأة فقيرة لا تملك ما تأكله، سألها من دون أن تعرفه “ماذا تفعلين؟” فأجابت “أقلي القليل من الطحين الممزوج بالماء لأطعم أولادي ولا أملك سواها طعاما” وفجأة بدأ العجين يكثر في الوعاء وفاض وتخمّر.

إنتهت النساء من تحضير الحلويات، يتركن قطعة كبيرة من العجين ويضعنها في قطعة قماش بيضاء نظيفة ويحكمن عليها الرباط، هذه خميرة الدايم دايم ستعلّق الى التوتة… لا أبدا، التوتة شجرة تمردت على المسيح ولم تنحنِ لقدومه، تعلّق الخميرة على جذع السنديانة الشامخة بعنفوانها التي لا تنحني إلا عند مروره ليلا.

جاء المساء، صار الليل، استحمت ستي بعطر المناسبة، هي التي اعتادت النوم عند الثامنة، الليلة سهرتها العامرة، كل شيء مضاء في حنايا البيت، الغرف كافة، الليوان، المنوَر، الفيرندا، كبايات الماء والزجاجات موزعة عند الشبابيك وفي القعر قطعة نقود، الشموع تتراقص عند النوافذ وتغالب الرياح الناعمة التي تهب من حين لآخر، كلها في انتظار  منتصف الليل حين يعبر ويبارك الأرض والناس والرياح والمياه والمواسم، لم تكن ستي تستطيع حضور قداس منتصف الليل، كانت تخشى أن تنزلق في طريق الليل المنحدر صوب الكنيسة فتكتفي بانتظاره عند شباكها “رح يمرق وشوفو وحس فيه واشرب من تبريك المي شي انو يمرق من حدّ البيت”، كان انتظارها له وكأنه من مراسم القداس، مقتنعة انها ستراه ولو لم ترهُ بالعين المجردة، الاحساس أقوى إيمان وإيمانها ان بطرف ثوبه سيلفح البيت بالنعمة وطالما سيفعل ان الخير سيدفق وسيكون الأولاد والأحفاد بخير والغلال الوفيرة ستبقى زينة المواسم.

… وأتت الساعة 12، هبت ستي من مكانها، افتحوا البواب افتحوا البواب وصل الدايم دايم، انطرحت البركة في البيت، لم نره شخصيا لكن الشعور بحضوره أقوى من أي شيء، هو ذاك الإحساس العميق بلفحة ريح اجتاحت المكان، في الخارج صقيع كانون لكن الدفء يغمر المكان بشعاع الحضور، لا شك أنه مر، مالت الاشجار فجأة، طبعا انحنت له، هبّت ريح ما كجيش حب يمهّد الطريق لعاشق الأرض والسماء، مرّ من أمام الأبواب المشرّعة له، نظر من نوافذ الدانتيل المخرّمة بالحنين، رمق الضيعة والمدينة بتلك النظرة المشحونة بالحنان والخوف، كأنه عائد مباشرة من عماده في نهر الأردن لينثر فينا نعمة التبرّك من حضوره. غريبة تلك الليلة كيف يتحول الانتظار فيها الى إيمان بالسعادة، السعادة أن تراه يعبر ويقرع علينا الأبواب، ويفتح النوافذ ويأكل معنا حلوينة العيد، وتبيّن انه يحبها كثيرا، يحب تلك العوامات المغمّسة بالقطر ويحب تلك الزلابية التي تذكّره بصديقه البار يوحنا المعمدان، تبيّن انه يحب ما نحب ويريدنا أن نحب أكثر بعد، ليس لنصبح مثله انما لنستحق أن نكون صورة عنه، أن نقول أننا ابناء المسيح…

تهرع ستي الى الخميرة المعلّقة على السنديانة، تكتشف انها رفخت قليلا “شفتي بس يمرق يسوع كيف بيبارك كل شي بكرا بدي أخبز ورح أخلطها بالعجين تـ يتباركوا”. كان يوما مفعما بالشوق، نعست ستي وانهارت أهدابها فوق ثمانينها، فتهالكت فوق نومها لتعانق الوسادة بابتسامة غريبة مشعة، كانت تحكي مع يسوع، تشكره على ليلة مشعّة “كتّر خيرك سمعت صلاتي ومرقت علينا الليلة”. لم يجبها، ابتسم وأخذها معه صبية لتقرع على أبواب أحلامها المستعادة فوق معه…

وها هو كل عام منذ أكثر من ألفي عام، كل ليلة غطاس يعبر في قلبنا، يطأ على الحنين قرعات مدوية، افتحوا الأبواب أضيئوا الشموع رشّوا المياه، الدايم دايم قرع افتحوا له عيون القلوب، إحملوه الى المقلة، يا إلهي كم هي غالية تلك الزيارة، إبقَ يسوع عند النافذة لا ترحل، أسمعُ حفيف ثوبك يقرع على قلبي أنشود فائقة الحب، غريب كيف أرى وجهك بوضوح، نور من نور، لن أنام الليلة سأسبقك الى تلك الأبواب وأمهّد لك الطريق وأنادي “الدايم دايم ع البواب شرّعوا له القلوب هو لا يقرع ولا يسكن إلا فيها… طيبة هالزلابية يسوع؟!…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل