#adsense

عودة الدولة وتفاهم معراب

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1592:

يمكن اعتبار أن تفاهم معراب كان شخصية العام 2016. منذ 18 كانون الثاني الماضي عندما وصل العماد ميشال عون إلى معراب شكل التحالف بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” القاطرة التي جرت وراءها الأحداث لتصل إلى نتيجة واحدة كانت حتمية: عودة الدولة إلى الحياة وعودة القوة إلى الجمهورية وعودة الثقة إلى الدور المسيحي في الحكم. ولذلك سيكون هذا التفاهم الأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية في العام 2017 ليرسم معالم الطريق إلى انتخابات نيابية تؤمن التمثيل الصحيح.

ثمة حيوية جديدة دبت في شرايين الدولة. ليست حيوية كاملة بعد ولكنها ليست إلا  الخطوة الأولى في مسار طويل. لقد انتشل تفاهم معراب الدولة من متاهة الضياع والفراغ وأعادها إلى وعي حقيقة أنها دولة وتستحق الحياة وأن اللبنانيين يستحقون أن تكون لهم دولة. قبل 18 كانون الثاني كانت هناك خيبة أمل وساد اعتقاد بأن الإنحلال سيشمل المؤسسات كلها. حكومة مشلولة وكل وزير يعمل منفردًا. مجلس نواب لا يجتمع إلا عند الضرورة القصوى. اقتصاد يتهاوى. صورة لبنان في العالم كانت توحي وكأنه دولة فاشلة ومارقة. الأمن مكشوف. الرقابة غير موجودة. النفايات تملأ الشوارع. رائحة الفضائح تفوح من ملفات كثيرة. فجأة بدا وكأن هناك إمكانية للخلاص.

عندما أعلن رئيس “القوات” الدكتور سمير جعجع تبني ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية بدا وكأن هذا الإعلان هو القوة التي ستدفع في اتجاه سلوك درب الخلاص. وكانت المسألة تحتاج إلى تأمين نجاح محاولة الإنقاذ هذه. كان المطلوب أن يثبت هذا التفاهم أولاً أنه أقوى من محاولات النيل منه وأنه ليس مجرد صفقة رئاسية وسياسية بين طرفين وأنه يضع في رأس أولوياته هدفاً رئيسيًا هو استعادة الدولة والجمهورية معًا وإعادة التوازن إلى اللعبة السياسية. وقد نجح في عبور مطبات كثيرة وكمائن عديدة لا سيما في الإنتخابات البلدية التي حاول كثيرون أن يجعلوا منها مقبرة لهذا التفاهم ولكن النتيجة أتت عكسية وصبت في الإتجاه الصحيح وفي الهدف الرئيسي بحيث لم يعد هناك مفر من الإنضمام إلى العملية السياسية التي أطلقها تفاهم معراب.

لم يخرج “حزب الله” من دائرة الإلتزام بدعم ترشيح العماد عون وعندما أعلن الرئيس سعد الحريري قراره بدعم هذا الخيار اكتملت عملية الإنتخاب في 31 تشرين الأول الماضي ليدخل بعدها العماد عون رئيسًا إلى القصر الجمهوري في بعبدا ولتعود الأضواء إلى هذا القصر الذي سكنه الفراغ منذ 25 أيار 2014.

فجأة انتبه العالم إلى أن لبنان جمهورية قابلة للترميم ولإعادة الصياغة من جديد بينما المنطقة كلها في حال اشتعال تلفها الحرائق من اليمن إلى العراق وسوريا. لم يكن أمام العهد الجديد أي فرصة لتضييع الفرص. كان خطاب القسم حاسمًا في تحديد المعايير التي سينطلق بها الحكم. الإستشارات النيابية سمّت الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة وبعد مخاض ليس بطويل ولدت هذه الحكومة في 18 كانون الأول ونالت الثقة بعد عشرة أيام. لم تكن تلك الثقة بالحكومة فقط بل بالمسار الذي أنتجها وبالدولة التي تولد من جديد على أساس تفاهمات سياسية يغطيها العهد ورئيس الجمهورية.

هذه الصورة المستجدة ظهرت سريعًا في طريقة تعاطي الدولة مع مجزرة اسطنبول التي أدت ليلة رأس السنة إلى استشهاد ثلاثة لبنانيين وإصابة عدد آخر. تحركت الوزارات كما لم تكن تتحرك من قبل. كانت هناك سرعة في اتخاذ القرارات واستعادة اللبنانيين من تركيا شهداء وجرحى وأحياء. “إنها المرة الأولى التي نشعر فيها بأننا نعيش في ظل دولة تعتبر نفسها معنية ومسؤولة عن كل مواطن لبناني أينما وجد في لبنان أو في أي بقعة من العالم وتتحمل مسؤوليتها كاملة عند الضرورة” قال رئيس “القوات” سمير جعجع معلقاً على تحرك الحكومة. مضيفاً: “هذا ما كنا ننتظره منذ زمن بعيد وهو من شأنه أن يعيد الثقة إلى اللبنانيين بإمكان قيام دولة فعلية في لبنان ترعى شؤونهم وشجونهم”.

يوم الإثنين 9 كانون الثاني الحالي يقوم الرئيس العماد ميشال عون بزيارته الرسمية الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية ويكمل بعدها إلى قطر ثم إلى مصر وغيرها من الدول في محطات ستتحدد. هذه ليست مجرد زيارة. إنها بداية لمسار جديد. عندما زار الأمير خالد الفيصل لبنان موفدًا من الملك سلمان لتهنئة الرئيس الجديد للجمهورية وعندما تم الإعلان عن أنه وجه الدعوة للرئيس عون لزيارة المملكة وأن عون وعد بأن تكون هذه زيارته الخارجية الأولى بعد تشكيل الحكومة قيل كلام كثير في هذا الموضوع للتشكيك بخيارات العهد ولكن العهد لم يتوقف عند هذا الكلام. منذ تفاهم معراب حكي الكثير عن الفيتو السعودي ضد انتخاب العماد عون رئيسًا وقيل إن السعودية تمنع الرئيس سعد الحريري من تأييده. وعندما أيده الرئيس الحريري قيل إنه إنما يفعل ذلك على مسؤوليته وأن المملكة لا تؤيد هذا الخيار ولكنها ستكون معه إذا نجح. كان هناك تشكيك دائم بالعهد الجديد بدأ بالتركيز على إحاطته بزيارات سريعة للإيحاء بأنه داخل منظومة “حزب الله” وإيران والنظام السوري. ولكن العهد أثبت أنه فوق عمليات التشكيك والإيحاء والتهويل وأنه على قدر المسؤولية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحكم وبإدارة الدولة والتصرف على أساس أنه سيد قراره.

ضمن هذا السياق تأتي زيارة المملكة العربية السعودية. هذا لا يعني أن العهد صار في المحور السعودي ولكنه يعني في المقابل أن هناك عودة سعودية وخليجية إلى لبنان وأن هذه العودة قد تكون بالعودة عن قرار حجب هبة الثلاثة مليارات دولار التي كانت المملكة قررت صرفها لتسليح الجيش اللبناني في ظل عهد الفراغ وعادت عن هذا القرار بعد الهجمات التي تعرضت لها في أكثر من مناسبة من جانب “حزب الله” وأمينه العام السيد حسن نصرالله. وقد تمهد هذه الزيارة لتعيين سفير سعودي جديد في لبنان ولعودة الخليجيين بعدما كان عدد منهم بدأوا يتخلون عن ممتلكاتهم ويبيعونها. وفي حال لم تحصل معطيات معاكسة فإن الملك سلمان قد يرد الزيارة للرئيس عون.

هذا هو الفرق الذي يصنعه العهد. وإذا كانت البداية من معراب فإن المتابعة تستكمل من معراب أيضًا. لعل استحقاق الإنتخابات النيابية سيكون هو الأهم في العام 2017. على أساس تفاهم معراب ستتحدد نتائج هذه الإنتخابات مهما يكن قانون الإنتخابات. وعلى أساس نتائج هذه الإنتخابات ستتشكل الحكومة الجديدة. “القوات” و”التيار” معًا يصنعان الفرق أيضًا من خلال كتلة نيابية وازنة تكتمل بالتحالفات السياسية الثابة مع “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”، بحيث يمكن تكوين شبكة أمان للدولة وللعهد تجعل من الدولة القوة التي تتفوّق على الجميع وتستوعب الجميع وتعطيها الأولوية في اتخاذ القرارات الأمنية والسياسية بحيث تصبح بعدها عملية التصدي لها صعبة ومعقدة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل