#adsense

في السذاجة إذ تخلط بين استمرار الحياة واستمرار القتل

حجم الخط

أقام عازف بيانو سوري شهير قبل شهور، حفلاً موسيقياً في دمشق القديمة، اعتُبر دعوة إلى الرقص والحياة في ظلّ ما يصبغ المشهد السوري من تقتيل وتهجير وتدمير. وأقام فنّان تشكيلي سوري شهير آخر قبل أيام، معرضاً فنياً عن “العري” في صالة فنية، اعتُبر دعوة إلى الاحتفاء بالجسد والحرية في ظل “القمع الذي تتعرض له أجساد النسوة في زمن السبايا وانتهاك الجسد”. وأثارت مقالة معاتبة عن المعرض الفني ضجة ولغطاً كبيرين، وردود أفعال غاضبة، تفجّر بعضها من مكنون قلبي صريح.

لا يختلف كثيرون في أهمية هذين الفنانين وحضورهما، وفي الزاوية التي يشغلانها في المشهد الفني السوري الواسع، وفي الإضافة الفنية التي قدّماها عبر ذاك الحفل وهذا المعرض. وهذا شأن أترك تفاصيله للمتخصصين في الحقلين الموسيقي والتشكيلي. لكنّ ما سأتناوله هو الاستثمار الإعلامي للحدثين، في بروباغندا العلمانية والمدنية، التي تستند إليهما جوقة يساريّي بوتين في العالم، وأبواق ممانعي الخامنئي في المنطقة. فالاستثمار الإعلامي لنشاط يقيمه شخص هو أمر قد لا يتحمّل وزره كاملاً الشخص نفسه إن جاء مختلفاً عن النوايا التي كان يضمرها لحظة تخطيط النشاط وتنفيذه. فإذا جاء الاستثمار مغايراً لتوقّعاته، فبسبب الدهاء في تغطية إعلامية تقودها أجهزة متخصصة تسمّى إدارة “العلاقات الإعلامية العامة”، والفشل في إعداد تغطية تعبّر بوضوح وجلاء عن رأيه وموقفه. لكن ما هي العلاقات الإعلامية العامة؟

يذكر معظمنا، نحن السوريين، صور الزعيم الكوري الشمالي الأسبق كيم إيل سونغ وهي تشغل حيزاً ضخماً من صفحات جرائدنا جميعاً، تحيط بها مقالة ترويجية يفترض أنها مدفوعة الثمن، تتحدث عن الزعيم الملهم، وعبقريته، وثورته، والتفاف الكوريين حوله في مسيرته المظفّرة نحو هزيمة الإمبريالية العالمية. قد تترافق المقالة مع نشاط إعلامي ترعاه السفارة الكورية في هيئة مهرجان خطابي أو عرضٍ سينمائي أو لوحة لفرقة رقص شعبي، بما يثبت في مجمله مدى إشراق الحياة في تلك البلاد، وأريحية نظامها، وبهاء قياداتها، وغنى مواردها البشرية.

تندرج هذه النشاطات جميعها تحت اسم: “العلاقات العامّة”. وهي وظيفة حيوية من وظائف الحكومات، تبذل من خلالها على الدوام جهوداً تكتيكية واستراتيجية ترمي إلى الترويج لأعمالها وخططها وإنجازاتها، وشرح سياساتها في العالم، وخلق بيئة صديقة لها.

فتعمد السفارات والقنصليات العامة التابعة لها في مختلف العواصم والمدن العالمية الكبرى – على المستوى التكتيكي – إلى إصدار بيانات صحافية، ونشرات إعلامية، وإقامة ندوات وبرامج، تعمل جميعاً على تكوين الصورة الذهنية لهذه الحكومة وتجميلها لدى الرأي العام المحليّ في البلد الذي تقع فيه سفارتها أو قنصليتها. وتعمد أيضاً، إذا كانت دولاً مقتدرة أو ذات مشروع كبير، إلى إنشاء مركز ثقافي تابع لها مثلاً، أو معهد لغوي يدرّس لغتها، أو منشأة ثقافية للعموم ذات طابع خاص، كنوع من المثاقفة والتعريف. وتأتي العلاقات المتينة مع بعض الصحافيين، وكتّاب الأعمدة، والمنابر والمنافذ الإعلامية المؤثرة في الرأي العام لتكون أداة علاقات عامة إضافية، صالحة للاستثمار تكتيكياً واستراتيجياً، كما في حالتي روبرت فيسك وجورج غالاوي.

باختصار، تعمل إدارات العلاقات العامة الحكومية على استثمار كلّ ما من شأنه تجميل صورة الحياة والقيادة في بلدانها، بدءاً من صورة القمر القريب على تلالها وصولاً إلى نشاطات نجومها وفنانيها، مهما كانت نوايا النجوم والفنانين. فالجعفريّ يستشهد بالماغوط بلا رادع. وما من شيء يمنع دوائر العلاقات العامة الحكومية من محاولة تجيير نشاطات الفنانين من أجل تكوين صورة ذهنية تزيّن الأحوال، وتثبت مدى إشراق الحياة في هذه البلاد، وأريحية نظامها، وبهاء قياداتها، وغنى مواردها البشرية. وهنا ينبغي على هذا الفنان أو ذاك، هذا الكاتب أو ذاك، أن ينظر إلى الصورة الكبرى كي يمنع استغلال عمله الجميل في بروباغندا دعائية معادية للجمال الذي ينشده، أو يفضحه، هذا كي لا يندرج موقفه في إطار سذاجة فهم دور الإعلام.

حضرت حواراً مع معارض كبير منذ نحو عام، أي قبل هذين الحدثين غير اليتيمين، قال فيه أنّه أدلى على هامش مؤتمر في موسكو بحديث إلى التلفزيون العربي السوري. أثار هذا القول امتعاض بعض الحاضرين الذين استهجنوا فكرة أن يدلي بتصريح سيتعرّض بالتأكيد للقصّ والمنتجة قبل بثّه. فردّ المعارض بكل ثقة بأنّه أخذ عهداً من المذيع السوري بأنه لن يقتطع أي جزء من الحديث ولن يشوهه. فسأله الحاضرون، وماذا لو شوّهه وترك الجزء الذي يروق له فقط، فقال المعارض: عندئذ سيكون المذيع كذّاباً أشرّ!

أعود إلى الحفل والمعرض لأبيّن أن من الإجحاف قول أنهم كانوا في الحفل يرقصون على دماء السوريين، على رغم أن الحفل الموسيقي لم يكن ببعيد من تفريغ داريا من أهلها، ومعرض “العري” لم يكن ببعيد من مأساة حلب وتفريغها أيضاً من أهلها. لكنّها فقط البساطة والطيبة وضعف التقدير، التي جعلت هذين النشاطين يصبّان في طاحونة صحافة ترحّب بقتل السوريين وتشريدهم.

من هذا المنطلق، يغدو الاستغراب والتحفظ والامتعاض حداً أدنى من ردود الفعل على نشاطات يقيمها السوريون هنا وهناك، وتزيّن القبح من دون قصد. ربّ قائل يقول: هم معارضة تحددت هويتهم مع أنفسهم من خلال نظام يعارضونه هدّدته ثورة هادرة. لكن يصعب التشكيك في نوايا أشخاص ذوي تاريخ نضال عريق يحاولون أن يوصلوا رسالة نضالية تقول أن “الحياة ستستمر” فتصل رسالتهم بمحتوى خاطئ يقول أن “القتل سيستمر”.

خبر عاجل