“السّباق” على لبنان بين التّاريخ والتّأريخ

 

تشهد اليوم السّاحة الإقليميّة سباقًا من نوعٍ جديدٍ. وهذه المرّة السّباق ليس إلى لبنان بل على لبنان. فيما ينتظر كلّ اللبنانيّون أن يكون السّباق إلى بلدهم، لتعمّه البحبوحة الإقتصاديّة بعد الإستقرار الذي أنتجته التّسوية اللبنانيّة – اللبنانيّة. وتبقى الإشكاليّة الكبرى في مكانة لبنان الإقليميّة وتموضعه، وليس في المكان الذي تضعه فيه الأطراف الإقليميّة.

اليوم، وبعد النّجاح اللبناني – اللبناني الناتج عن اتفاق معراب في 18 كانون الثاني 2016 في تحقيق الإستقرار للحياة الديمقراطيّة، قد سارعت كلّ الأطراف الإقليميّة لتتبنّى العهد الجديد في لبنان. وما تواجُد ممثلي هذه الدّول الإقليميّة في لبنان إلا بهدف تثبيت تموضعه الإقليميّ. لكن هذا التّواجد هو لزوم ما لا يلزم لأنّ رئيس الحكومة هو سعد الحريري، ورئيس الجمهوريّة سيزور المملكة العربيّة السّعوديّة أوّلًا.

فموقف لبنان توضّح. الخطّ العربي هو خطّ الدّولة اللبنانيّة ووجه لبنان عربيّ ولن يكون إلا كذلك، مع الحفاظ على كافّة العلاقات النّدّيّة مع كلّ الدّول الإقليميّة. ولبنان لن يكون إلا لبنانيًّا. وأيّام العهد القادمة ستثبت هذه النّظريّة، ومن يريد أن يخدم مصلحة لبنان من دون أن يرهنه لمصالحه الخاصّة الإقليميّة او حتّى الدّوليّة، فهو أكثر من مرحّب به. أمّا من يريد أن يقدّم العون للبنان ليجعل منه قاعدة نفوذً إقليميّة، أو ورقة تفاوض دوليّة في الصّراع العربي- الإسرائيلي، فمرفوضٌ عونه مهما عظم شأنه.

لبنان لن يكون إلا حيثما وضعه التّاريخ، جيوبوليتيكيًّا وجيواستراتيجيًّا. فالديموغرافيا لا قيمة لها بوجود اتّفاق الطّائف، ومن هنا سعيهم الدّؤوب لضرب هذا الإتّفاق بكلّ الوسائل المتاحة لديهم. وهذا ما تمّ نقضه وتثبيب نقيضه بوصول من كان يرفض اتّفاق الطّائف إلى رئاسة الجمهوريّة. صحيح أن لا شيء منزل في القانون، بل كلّ شيء قابل للتطوير والتّحسين، لكن الشّرط الوحيد يكمن في تطبيق هذا الإتّفاق. وعن قناعة مطلقة، نقول بأنّ التّجربة أثبتت في لبنان طوال سبعة عقود ونيّف بأنّ هذا البلد لا يحكم بغلبة فئة على أخرى. من هنا، ضرورة الإقتناع بالتّسليم الكلّي لخيار الدّولة، وكلّ ما خلا ذلك يكون تضييعاً للوقت ومن عمر ازدهار لبنان وخير أبنائه.

لهذه الأسباب مجتمعةً، نؤكّد على موقع لبنان وتموضعه الإقليميّ في الخطّ الذي يحفظ ويصون هذه الفلسفة التي انبثقت عن اتّفاق الطّائف، والتي على أساسها يجب وضع قانون انتخاب يحفظ التّمثيل الصّحيح لكلّ الفئات من دون غلبة فئة على أخرى من حيث اختيار ممثّليها في النّدوة البرلمانيّة، والتّحكّم بقراراتها لمصلحة التكتّل الأكبر.

لكن الإشكاليّة الكبرى تكمن اليوم في عدم اقتناع شريحة من شرائح المجتمع اللبناني، بأنّ فائض القوّة الذي تملكه من السلاح الذي سحبته من إيران عبر سوريا طوال ثلاثة عقود، لن يخدم إلا مصالح إيران وسوريا وسينقلب عليها سلبًا، لأنّها كما تدير، هذه الفئة، سياستها في التّعاطي مع أزلامها في لبنان، هكذا سيتعاطون معها. فهل مَن يتّعظ مِن التّاريخ لننجح في التّأريخ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل