خاص “المسيرة” – واشنطن: ترامب يلغي قرارات أوباما

 

ترامب يلغي قرارات أوباما

توجه عملي جديد للتعامل مع النزاع السوري

واشنطن – خاص

  مع إقتراب تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب سلطاته الدستورية من خلال حفل التنصيب الرسمي في العشرين من الشهر الحالي، تبدو الإدارة الأميركية الجديدة في مواجهة سلسلة من الملفات الداخلية والخارجية التي تعقّدت بشكل أكبر في الأيام الأخيرة من عهد الرئيس الحالي باراك أوباما لا سيما لجهة قضايا متصلة بالسياسة الخارجية وتصعيد التوتر مع روسيا والصين وحتى إسرائيل، ومحاولة استلحاق مشروع التسوية الذي حضرّته موسكو مع أنقرة، من أجل البحث بإمكانية وضع حدّ للحرب في سوريا بين نظام بشار الأسد وقوى المعارضة.

وإذا كانت دبوماسية الإدارة الحالية إختارت سياسة عدم التدخل المباشر والقوي في النزاعات الخارجية، بإستثناء الحدود التي رسمتها لنفسها في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، فإنها بدأت تشعر في أيامها الأخيرة بمدى الانعكاسات السلبية التي تسببت بها هذه السياسة على الصعيد الدولي.

أوباما وقرارات الساعة الأخيرة 

وفي ضوء هذه النتيجة صعّدت إدارة أوباما ضدَ روسيا على خلفية اتهامها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو أمر إعتبرته مصادر متابعة في واشنطن بأنه هروب واضح من الفشل الذي مني به الحزب الديمقراطي والرئيس أوباما نفسه الذي وضع ثقله من أجل دعم المرشحة هيلاري كلينتون غير آبه بمعارضة المؤسسة الحزبية لهذا الخيار. وسألت هذه المصادر كيف يمكن لموسكو أن تتدخل في انتخابات ديمقراطية بإمتياز من خلال النظام الانتخابي المباشر وعبر الكلية الانتخابية؟ وكيف لروسيا أن تتدخل في سياق السعي لتأمين فوز المرشح دونالد ترامب بينما النتائج أظهرت في عدد كبير من الولايات الأميركية التي كانت تصنف بأنها ولايات تعود للحزب الديمقراطي قد صوتت للتغيير بعد ولايتين متتاليتين لأوباما في البيت الأبيض في توجه واضح لرفض عودته عبر مرشحته كلينتون مجدداً إلى السلطة؟ وكيف يمكن تصديق أن موسكو تدخلت في حين أن أوباما ذاته أقرّ بضعف كلينتون معتبراً أنه فيما لو ترشح بنفسه لكان فاز على ترامب؟ ثمّ أن المصادر تعتبر أن تهمة التدخل الروسي في الانتخابات مردودة سلفاً وخصوصاً بعد الفضيحة التي هزت الحزب الديمقراطي خلال حملة الانتخابات الرئاسية التمهيدية في الصيف الماضي حيث نشر موقع ويكيليكس مجموعة من الرسائل الإلكترونية لعدد من كبار المسؤولين في الحزب تشتمل على رسالتين تشيران إلى جهود داخلية لعرقلة حملة ساندرز الانتخابية أمام منافسته كلينتون، ومن بينها محاولة إظهاره كملحد لتقويض تأييده في الولايات المتدينة ما دفع برئيسة الحزب آنذاك ديبي واسرمان شولتز إلى الإستقالة من منصبها، ولذلك فإن مراقبين إعتبروا أن العقوبات التي فرضتها إدارة أوباما على روسيا بزعم التدخل في الانتخابات الرئاسية ليست إلا من قبيل قطع الطريق على إدارة الرئيس المنتخب لإعادة تعزيز العلاقات مع موسكو وهو الذي يظهر ميلاً إلى التقارب معها.

أما الخطوة الأخرى التي سبقت هذا التدبير ضدّ روسيا، فتمثلت بوقوف إدارة الرئيس أوباما ضد إسرائيل وهذا الأمر يسجل لأول مرة في تاريخ العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية التي ترتدي صفة العلاقة الاستراتيجية، بحيث لم تستعمل الولايات المتحدة حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي من أجل وقف أو تعطيل القرار الذي يطالب بوقف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وشكل امتناع الولايات المتحدة عن التصويت تحولاً عن سياستها القائمة على حماية إسرائيل من أي إجراءات في الأمم المتحدة. وهو أول قرار يتبناه مجلس الأمن في شأن إسرائيل والفلسطينيين منذ نحو ثماني سنوات. ويعتبر القرار أن المستوطنات الإسرائيلية تشكل انتهاكا للقانون الدولي وتشكل عقبة أمام تنفيذ حل الدولتين.

وتباينت ردود الفعل على الجانب الأميركي إزاء هذه الخطوة بحيث إضطر وزير الخارجية الأميركي للدفاع عن الخطوة التي إتخذتها إدراته في مجلس الأمن تحت تبرير حماية عملية السلام وإنقاذ حل الدولتين، فيما ندد رئيس مجلس النواب الأميركي بول ريان والسناتور جون ماكين وكلاهما من الجمهوريين بقرار إدارة الرئيس أوباما وقالا إن امتناع الولايات المتحدة عن التصويت قرار مشين وضربة للسلام.

أما الرئيس المنتخب دونالد ترامب فطمأن إسرائيل بعدما أعلن صراحة الأمور ستختلف بعد العشرين من كانون الثاني عندما يتولى السلطة رسمياً في مؤشر واضح على إتخاذه قرارات تخالف ما قررته إدارة أوباما في أيامها الأخيرة في البيت الأبيض. وصعّد السيناتور الأميركي ليندزي غراهام منحملته على الإدارة الحالية، بأن اعتبر أن سياسة الولايات المتحدة في ظل الرئيس باراك أوباما انتقلت من السذاجة والغباء إلى التهور التام.

 

ترامب يسقط قرارات أوباما

إزاء هذا الوضع المتشنج بين إدارة منتهية ولايتها وأخرى جديدة، لم يتأخر الرئيس المنتخب دونالد ترامب في الإعلان صراحة أنه سيتخذ سلسلة من القرارات تلغي ما قررته الإدارة السابقة وأعرب عن تشكيكه في ما إذا كانت روسيا تقف وراء التسلل الإلكتروني على مسؤولي الحزب الديمقراطي. وحذر ترامب في هذا السياق من التسرع في إلقاء اللوم على روسيا على الرغم من تأكيد مسؤولين أميركيين من أنهم واثقون من أن روسيا تقف وراء هذه العمليات التي يمكن أن تكون لعبت دورا في تغلب ترامب على مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في انتخابات الرئاسة.

وحاول ترامب أن يختتم العام برسالة إيجابية رغم التساؤلات عن مستقبل العلاقة الأميركية ـ الروسية وتعهد أيضاً بتضييق الخناق على الممارسات التجارية للصين التي يقول إنها تستهدف بشكل جائر العمال الأميركيين. ولإغاظة الصين التي إنتقدها ترامب مراراً خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه في الرئاسة، لن تسمح السلطات الأميركية فقط بعبور طائرة رئيسة تايوان فوق الأجواء الأميركية لدى توجهها في جولة على عدد من دول أميركا اللاتينية، بل هي ستتوقف مرتين في الأراضي الأميركية وتحديداُ في مدينتي هيوستن وسان فرانسيسكو، فيما لم يستبعد ترامب إمكانية عقد لقاء معها إنما بعد تسلمه مهامه رسمياً معتبراً أنه وفقا للبروتوكول فإنه لن يلتقي بأي زعيم أجنبي ما دام الرئيس باراك أوباما يتولى السلطة .وكانت بكين قد أبدت إستياءها عندما ردّ ترامب بعد فترة قصيرة من فوزه بانتخابات الرئاسة الأميركية على مكالمة هاتفية من رئيسة تايوان لتهنئته وحذرت بكين من اتخاذ أي خطوات قد تؤثر على العلاقات بين البلدين.

ويؤكد مقربون من ترامب أنه بصدد إلغاء أو تعديل نحو 70% من المراسيم الصادرة عن الرئيس باراك أوباما، ويعتقدون أن أوباما نفسه بدأ يدرك فشل تكتيكاته التي إعتمدها طوال ثماني سنوات وهو يغطي على ذلك بقرارات الساعة الأخيرة، وستطال عملية الإلغاء أو التعديل في العديد من قرارات أوباما، كبرنامج الرعاية الصحية والاتفاق مع إيران بخصوص برنامجها النووي وغيرها.

ترامب والنزاع السوري 

بعد التراجع الأميركي الواضح في التعامل المباشر مع مجريات الصراع السوري إثر سقوط حلب وفشل كل المحاولات التي بذلها وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف من أجل التوصل إلى صيغة لتسوية هذا النزاع، أقفل الروس كل الطرق أمام الأميركيين، ونجحوا في تركيب مشروع تسوية مع تركيا التي دخلت مرحلة دقيقة داخلياً وفي الشأن السوري، ولم تكتف روسيا بوثيقة وقف إطلاق النار، والحصول على تأييد كبير من الفصائل المسلحة السورية التي تدور في الفلك التركي على الإلتزام بوقف النار، بل حصلت على موافقة من المعارضة السورية على المنصة الجديدة التي ستطلقها لرعاية الحلّ السياسي، وفق آلية في الشكل والمضمون تتخطى اجتماعات جنيف والمساعي الدولية السابقة، فاختارات أستانة عاصمة كازاخستان مكاناً لاستضافة مفاوضات المعارضة ونظام بشار الأسد.

وذهب اللاعب الروسي بعيداً في لعبته بأن حاول تشريع الوثيقة مع تركيا حول وقف النار والحل السياسي في سوريا، من خلال العمل على تبنيها كقرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي فرفعت موسكو إلى أعضاء مجلس الأمن مشروع قرار ليتم تبنيه، ولكن من ضمن قرارات التصعيد الأميركي ضدّ روسيا، لم ينجح هذا المسعى بل أجرى مجلس الأمن الدولي بناء على مساعي واشنطن تعديلات جوهرية على مضمون مشروع القرار الأولي الروسي بهذا الخصوص قبل إقراره.

وأكد القرار الذي حمل الرقم 2336 أن مجلس الأمن أخذ علما بالوثائق الروسية التركية دون أن يتبناها، وأشار إلى أنه يدعم جهود موسكو وأنقرة لإنهاء العنف في سوريا والعودة إلى المسار السياسي لحل الأزمة.

ودعا مجددا الأطراف المعنية إلى السماح للوكالات الإنسانية بالوصول السريع والآمن ودون عوائق في جميع أنحاء سوريا، وعلى النحو المنصوص عليه في قرارات المجلس ذات الصلة.

وقد جرى تعديل مشروع القرارالروسي تم تغييره برمته في القرار الجديد لمجلس الأمن حيث رحب المجلس بالجهود الروسية التركية لوقف أعمال العنف في سوريا والعودة إلى استئناف المفاوضات السورية مع أخذه علما بالوثائق بين أنقرة وموسكو فقط من دون تبنيها.

وألغيت من مشروع القرار الروسي الفقرة التي كانت تتحدث عن مطالبة مجلس الأمن بضرورة تطبيق الاتفاقيات التي وقعت بين النظام والمعارضة برعاية روسيا وتركيا والاسترشاد بها، وأصبحت في القرار الجديد المعدل تنص على ضرورة تطبيق قرارات مجلس الأمن حصرا وإعلان جنيف عام 2012، دون ذكر للخطة الروسية التركية، وتطرق القرار الدولي المعدل الى مفاوضات أستانة في كازاخستان كجزء من المفاوضات، وباعتبارها تشكل خطوة تمهيدية لاستئناف مفاوضات جنيف. وقد ساهمت تحفظات عدد آخر من الدول الأعضاء في مجلس الأمن على مشروع التسوية برعاية روسية وتركية في إنجاح المسعى الأميركي بالإطاحة بالمشروع الروسي، وأبدت هذه الدول شكوكاً حول أسبابالفقرات المبهمة للاتفاق بين النظام والمعارضة المسلحة برعاية تركية روسية، لجهة كيفية تحديد الفصائل المسلحة المشمولة بوقف إطلاق النار، إضافة إلى نقطة بارزة أخرى وهي كيفية تشكيل وفد المعارضة في مفاوضات أستانا وغيرها.

وهكذا تترك إدارة الرئيس أوباما ملف سوريا الشائك لكي تتابعه إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب التي ستسلك بالتأكيد سياسة مغايرة عن تلك القائمة حالياً تتناول المحاور التالية:

أولاً: التركيز مجدّداً على محاربة الإرهاب بكل أشكاله، ومتابعة جهود مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” والقضاء عليه.

ثانياً: فتح قنوات تنسيق مع روسيا تختلف عما إتبعته الإدارة الحالية، بما يضمن تحقيق هدف ملاحقة الجماعات الإرهابية، والدفع بإتجاه إيجاد حلّ سياسة للنزاع السوري، من دون أن يعني ذلك تجنب الحديث عن مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، بل إن أي تسوية سياسية ستكون هي الكفيلة برسم مسار الحل وفق ما يريده الشعب السوري.

ثالثاً: العمل بقدر الإمكان على كبح جماح الدور والتدخل الإيراني في المنطقة، ولا سيما في سوريا، ووقف التأثير السلبي لهذا الدور على دول المنطقة.

رابعاً: إذا كانت إدارة ترامب إنتقدت بوضوح مسار دعم بعض الجماعات المسلحة من قبل إدارة الرئيس أوباما ووصف هذه الجماعات بأنها من المعارضة المعتدلة، إلا أن الإدارة الجديدة ستركز على فتح قنوات إتصال مع ممثلي المعارضة وحصر هذا الأمر فقط بالكيان المعلن وهو الإئتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية، كونه يمثل الإطار الذي يمكن لهذه الإدارة أن تناقش معه مسار الحلول للنزاع السوري.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل