#dfp #adsense

سراب الإنتصار في حلب: جريمة في حرب طويلة

حجم الخط

احتُلّت حلب. احتلّتها الجيوش والميليشيات التي استوردها النظام للمساهمة في قتل شعبه، بعد محاصرتها لأكثر من عامين. رائحة دماء أطفالها أعادت الروح للأسد المنتشي بتدمير المدينة وتهجير أهلها. فهل انتصر الأسد فعلاً في حلب؟! أم أنه راكم فاتورة إجرامه بحقِّ الشعب السوري، الذي سينتصر حتماً على كل جرائم هذا النظام؟

حلب الشهيدة، أصبحت رمزاً لبطولة ثورة شعب، يُقتل يومياً بالمئات في مشروع استرداد حريته وكرامته. وبشار “المنتصر” على أشلاء أطفالها ونسائها وشيوخها، حوَّل نيرون، الذي أحرق روما، إلى تلميذ في مدرسة البعث؛ المدرسة التي روّجت لجرائم الحروب والمجازر الجماعية. إنها مدرسة آل الأسد.

يقول “كارل فون كلوزفيتز”، الاستراتيجي الألماني الأهم في النظريات العسكرية الذي عاصر نابوليون، وخاض معظم المعارك ضد هذا الأخير والتي انتصر فيها الفرنسي جميعًا: “ما أن ينتصر نابوليون في المعركة، ويعود إلى باريس مبتعداً عن مسارح المعارك، حتى تعود الشعوب وتثور ضده.” وهكذا استخلص الاستراتيجي الألماني من كلِّ تلك الحروب النابوليونية الظافرة نظريته التي تستمر واقعية حتى اليوم، وتقول: “يجب ألاّ يكون الهدف العسكري في الحروب تدمير العدو، إنما كسب ثقة المواطنين، بتأمين السلام لهم ومنحهم ظروفاً إقتصادية أفضل”. فأين هي حلب اليوم و”فاتحها” من هذه النظرية؟

دخل النظام إلى حلب بعد أن سطّح المدينة فوق رؤوس أهلها، وساواها بالصحراء. أربعة أعوام من الحصار، تآكل فيه جيشه والجيوش المستوردة لحلفائه. دخل إلى حلب بعد أن دمّرها وقتل أهلها، وهجّر من أفلت من حرب الإبادة. كانت حربه طويلة على حلب، فرفع منسوب الحقد والكراهية على نظامه لدى سكانها. دخل من دون أن يحمل معه السلام ولا الإستقرار ولا البحبوحة. فماذا جنى من دخوله المدينة الجريحة؟

يُسوِّق الأسد أنه كان يحارب الإرهاب والإرهابيين! فلو كان ادِّعاؤه صحيحاً، بأن معركته في حلب هي ضد الإرهابيين، الذين يمكن أن يكون عددهم محدوداً بالآلاف داخل مدينة تضم الملايين من السوريين، لكان عليه أن يدخل بجيشه إلى البيئة الحاضنة له، كما يدّعي، لا أن يستعين بالغرباء على هدم حلب وتدميرها فوق رؤوس مواطنيها السوريين، ليتمكن من دخولها. لكن الحقيقة المرّة، والتي يرفض الأسد الإعتراف بها، هي أن سكان حلب يرفضون نظامه الجائر والمستبد، ويطالبون بشيء من الحرية التي يفتقر إليها الشعب السوري؛ فكان نصيبهم تدمير بيوتهم وإحراق مستشفياتهم وهدم مدارسهم على رؤوس أطفالهم كجزء من مذبحة يستهل بها نظامه في هذا القرن الحادي والعشرين، في غفلة من الإنسانية، معتقداً أن طريق السلطة لا تستقيم إلاّ بإهدار دماء الأبرياء والرقص فوق أشلاء الأطفال والنساء. ففي أي مغارة يعيش هذا النظام!!!!!!

حرب الأسد على المواطنين السوريين في حلب، هي تصاعدية في تنمية الحقد والكراهية. فكلما قتل طفلاً في المدينة تطوّع مئات آخرون ضده؛ وكلما قتل امرأة في مدينة الشهباء، خرجت عليه آلاف النسوة في كل سوريا؛ وكلما هدم بيتاً في حلب تزعزعت أساسات البيوت في كل سوريا وخرج سكانها لمقاتلته. فكيف إذا كان  المعتدون على هؤلاء أغراب استأجرهم النظام للقتل؟! حقد السوريين على الأسد لا حدود له؛ وكراهيتهم لنظامه تعادل كراهيتهم لـ”داعش” الذي يدّعي محاربته. فماذا ربح الأسد من “تحرير” حلب من مواطنيها؟

قبل أن يستكمل نحر حلب، وقف الأسد متوجّهاً إلى اللبنانيين مزهوّاً بالقول “على لبنان ألاّ ينأى بنفسه عن الأحداث في سوريا”. فهل يريد الأسد أن ندعمه بأحد ألوية الجيش اللبناني (اللواء الثامن أو السادس أو المغاوير…) ليشارك في قتل الشعب السوري في درعا أو حماه أو إدلب….! أم أنه راغب في أن يتحوّل وزير خارجية لبنان إلى ناطقٍ بإسم إجرام نظامه في المحافل العربية والدولية؟! إنها إرهاصات رجل بات من المؤكد أنه يقبع في المغاور الموغلة في التاريخ.

“تحرّرت” مدينة حمص منذ سنين؛ لكن أهلها ممنوعون من العودة إليها، لتفقُّد ما تبقى من منازلهم المسلوبة وبيوتهم المهدمة؛ حتى إذا رغبوا في العودة للعيش بين أطلالها، فذلك ممنوع عليهم. السكان القلة الباقون في المدينة، يفيدون بأن غرباء كثر، ليسوا سوريين بمعظمهم، يشغلون العدد الأكبر من هذه المنازل المتبقية؛ بعضهم يتكلم العربية، بلهجة غير سورية، والبعض الآخر لا يتكلم العربية؛ لكنهم ليسوا سويسريين أو أميركيين أو فرنسيين أو يابانيين… لا لغة ولا سنحة. أهالي حمص متخوفون من أن يكون استحضار الغرباء بداية إشارات لتغيير ديموغرافي مذهبي وعرقي، أصبحت علاماته واضحة بوقاحة في مدينة حمص؛ التي تشكّل الحلقة الأقوى للتواصل الجغرافي، بين الشاطئ السوري والعاصمة دمشق، عبر منطقة القلمون التي سبق له وأفرغها من سكانها الأصليين. إنها إحدى المشاريع الجهنمية التي يجهد النظام في ابتكارها لإخضاع الشعب السوري.

“استُشهِدَت” حلب؛ ورقص الأسد على استغاثات أطفالها، فوق بيوتها المدمرة. الإرهابيون، إمّا قُتِلوا أو هربوا؛ فكيف سيواجه سكان حلب؟ هل يمكنه وقف إعصار السرقة والنهب والإغتصاب من قبل عصابات السرقة الوطنية لما تبقّى من الممتلكات والمقتنيات في حلب الضحية؟! وإذا سلّمنا جدلاً، بأن فوضى اجتياحه لحرمات حلب، قد تأكل الأخضر واليابس من أملاك وأرزاق؛ يبقى السؤال: ماذا يفعل بهؤلاء المواطنين الحلبيين الذين انتزع منهم جنى عمرهم؟! هل يسمح لهم بالبقاء فوق رماد بيوتهم؟ أم يمنعهم، كما في حمص، من الإقامة فوق تلك الأنقاض؟! أم يخيّرهم بين النزوح إلى تركيا، أو إلى “لبنان” المفضّل؟! أم أنه هيّأ لهم خيماً حديثة ليُسكنهم فيها، قبل أن يعيد لهم بناء بيوتهم، ليعيدهم مكرّمين إلى منازلهم ليكسب ثقتهم من جديد، تماماً كما قال “كلوزفيتز”؟! إنما بوادر الحلّ عنده، تشير إلى إجبارهم على النزوح، إلى ديار الله الواسعة، لإفراغ المدينة من مواطنيها الأصليين، واستقدام غرباء إليها، كما يحصل حالياً في حمص؟! إنه الحلُّ المُفضّل للنظام، ولو مرحلياً، لدعم سوريا ” المفيدة” وتأمين صمودها في المستقبل.

“بسيفه أم بسيف غيره” دخل إلى الشهباء؟ فحلب أسقطتها قنابل سلاح الجو الروسي؛ وحلب دخل إليها الغرباء؛ لذا لن يكون مصير حلب بين يدي رأس النظام في دمشق، إنما بيد الذي أسقطها؛ تماماً كما هو مصير سوريا اليوم. بشار الأسد مستمر في قصر المهاجرين، بسبب وجود الجيوش الغريبة فوق الأرض السورية؛ وما تبقّى من جيش الأسد هو الأضعف بين هذه الجيوش. أمّا القول “حكم الأسد لسوريا” اليوم، لا يعدو كونه هرطقة سياسية وإدارية. فالأسد لا يحكم سوى قصر المهاجرين؛ وهو ينتظر المفاوضات بين واشنطن وموسكو لتتم الصفقة، وعلى حسابه حتماً، لإعادة سوريا إلى الخريطة الإقليمية والدولية. دور الأسد في قصر المهاجرين يقتصر على كونه ورقة ضغط، تستثمر فيها كل من روسيا وإيران متجاذبتين، لمقايضتها بمصالحهما الوطنية على حساب أطفال الشعب السوري، بمباركة حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها ويباركها النظام.

أُخضعت حلب، كما غيرها من المدن والقرى السورية، بالحديد والنار. ولنفترض أن واشنطن وموسكو وافقتا في جنيف على بقاء الأسد في الحكم؛ فماذا يفعل؟ هل هو قادر على إعادة بناء ما هدمته يداه، وبأية أموال؟ وهل هو قادر على إعادة ملايين السوريين النازحين (خارجاً وداخلاً) إلى بيوتهم؟ وإذا ما نجح في إعادة هؤلاء السوريين إلى ديارهم الأصلية؛ فهل هو قادر على حكمهم بعد أن سقاهم كأس المهانة والتشرُّد؟ وإذا نجح في كل هذه الأمور، كيف سيحكم الأسد الملايين من أهالي الشهداء والمعاقين والمشردين؟!

  لا، يا سيادة الرئيس. فشعارات الأسد الى الأبد سقطت ونظامك أصبح جزءاً من التاريخ الأكثر كراهية لدى الشعب السوري؛ وادِّعاؤك الإنتصار في حلبٍ جريحة، لا يخرج عن كونه جريمة إبادة جماعية، في حربٍ طويلة، سينتصر فيها، حتماً، هذا الشعب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل