.jpg)
في بداية العام استفاقت تركيا على كابوس. اختلط “أحمر” الأعياد بدم الضحايا الأحمر. وأصوات مفرقعات الابتهاج بزخات رصاص رشاش المجزرة. وانفجارات الأسهم النارية بانفجار القنابل اليدوية التي رماها مهاجم نادي “رينا”. كانت اسطنبول تزهو بأنوار العيد. واذ بأنوار سيارات الشرطة والإسعاف تضيء سماء المدينة. تبهر أعين الساهرين. يكاد هؤلاء لا يصدّقون ما يحدث! أحقيقة ما يجري أم وهم؟!
التدابير الأمنية كانت قياسية هذا العام في مختلف عواصم ومدن العالم المُحتفلة بالأعياد. وكذلك العاصمة التركية الجديدة (انقرة) والقديمة (اسطنبول). على رغم ذلك تمكّن الإرهاب من التسلّل. مقنّعاً بلباس “بابا نويل” ولحيته البيضاء. من رآه انتظر منه هدية. فإذ به يسلب “هدية الله الى الإنسان”، حياته. هذه هي المرّة الأولى التي يضرب فيها إرهاب “داعش” في تركيا. أو أقلّه هذه هي المرّة الأولى التي يعلن فيها “داعش” عن تبنيه عملاً إرهابياً في تركيا. والسؤال لماذا تركيا اليوم؟
الجواب في بيان التنظيم نفسه الذي قال ان الهجوم هو “استمرارا في العمليات المباركة التي تخوضها دولة الإسلام ضد حامية الصليب تركيا”، ربما إشارة الى التقارب التركي – الروسي الجديد. يبدو ان التنظيم تفاجأ من الموقف التركي الذي انقلب من داعم له الى قاصفٍ لمواقعه في الرقّة! لماذا؟
منذ ظهور تنظيم “داعش” في العراق وسوريا برزت تركيا كداعم له بطرق عدّة. فهي رفضت الدخول في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد “داعش”ـ واتُّهمت بغض الطرف عن عبور المقاتلين من دول أوروبية وآسيوية الى سوريا للالتحاق به. كما اتّهمت بشرائها النفط منه ما ساعده في تمويل عملياته العسكرية. باكورة الدعم التركي لـ “داعش” تجلّى بإطلاق سراح 49 مواطناً تركياً، بينهم دبلوماسيون وجنود من القوات الخاصة، احتجزهم التنظيم في الموصل بعد احتلالها، علماً انه كان العمل الأول وربما الوحيد من نوعه الذي قام به “داعش”. ولكن السؤال لماذا دعمت تركيا “داعش” في حين ان دول العالم بغالبيتها كانت تندّد بالتنظيم وتحاربه؟
ان هذا الدعم اتى من منطلق “استعمال” التنظيم لوضع حد للحلم الكردي بإقامة كيانات سياسية في شمالي العراق وسوريا وهي الأولوية التي تسبق كل اولوية في سياسة تركيا الإقليمية، إذ إن اي كيان كردي على الحدود الجنوبية يشكّل تهديداً للدولة التركية ووحدة أراضيها. كونه سيشجّع أكراد تركيا على الاقتداء بأخوتهم في العراق وسوريا والعمل بجد لحكم ذاتي او للاستقلال او للانضمام الى اي من الكيانات الكردية الأخرى بهدف إقامة دولة كردستان – الحلم على أرض “كردستان التاريخية”. في العراق، نجح التنظيم في اجتياح “جبل سنجار” وقتل وأسر العديد من الايزيديين – الأكراد. وكان ينوي التقدّم باتجاه كردستان العراق. إلا ان “البشمركة” الكردية كانت له بالمرصاد. فكانت أوّل قوّة مسلّحة تواجه “داعش” وتوقف تقدّمه بدعم إيراني وغربي.
في سوريا دعم “داعش” كان أوضح منذ بداية ظهور التنظيم. فإضافة الى تسهيل عبور المقاتلين للالتحاق في صفوفه منعت تركيا وصول الدعم الكردي للدفاع عن مدينة كوباني – عين العرب. ولكن صمود المقاتلين الأكراد، الذين قدّر عددهم بمئتي عنصر، ونجاحهم في وقف تمدّد “داعش” والضغط الأميركي والغربي، أجبر تركيا فيما بعد على السماح لمقاتلين من “البشمركة” العراقية بالانتقال الى كوباني لمساعدة إخوانهم في المدينة المحاصرة. أمِلت أنقرة من ان تسيطر البشمركة على المدينة وتطرد منها عناصر حزب العمال الكردستاني، المصنّف إرهابياً من قبلها. ولكن هذا لم يحصل. بعد دحر “داعش” برزت “وحدات حماية الشعب” الكردية كتنظيم تدعمه الولايات المتحدة الأميركية على أنه جزء من قوات المعارضة السورية ومن القوات التي تحارب تنظيم “داعش”. وقد عبرت الى غرب الفرات حتى مدينة منبج السورية. فأطلقت تركيا عملية “درع الفرات” كون الأكراد تجاوزوا الخط الأحمر الذي وضعته أنقرة. ما ساهم في سوء العلاقة مع واشنطن وحلف الناتو وأثّر على التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين في ما خصّ “داعش” ومواجهته. ربّما كان هذا عاملاً مساهماً في نجاح التنظيم في هجومه في قلب اسطنبول مع بداية العام.
مجزرة اسطنبول ختمت عاماً سيئاً على تركيا وأعلنت عاماً يبدو انه سيكون أسوأ. فالعام 2016 كان من أسوأ الأعوام على تركيا من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية.
أمنياً تعرضّت البلاد للعديد من الأعمال الإرهابية التي قام بها حزب العمال الكردستاني تركّزت في أنقرة واسطنبول وجنوب – شرق البلاد. استهدفت بغالبيتها جنوداً ورجال شرطة. وأدّت الى مقتل المئات. انشغال الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية بمواجهة “إرهاب” حزب العمال ربّما أبعد نظرها عن خلايا “داعش”. ما سهّل العمل لهذا الأخير للتحضير لعمليته وتنفيذها بنجاح.
العام 2016 كان أيضاً عاماً سيئاً لتركيا على المستوى السياسي الداخلي الذي كان له تأثيره على ضبط الوضع الأمني. فالبلاد شهدت اضطراباً سياسياً وأمنيًا غير مسبوق. كانت أبرز محطاته محاولة الانقلاب الفاشلة التي استغلّها الرئيس رجب طيب أردوغان لتصفية حساباته مع خصمه فتح الله غولن. فقام بعملية تطهير واسعة أدّت الى طرد أكثر من خمسين ألف موظّف في مختلف إدارات الدولة (الأجهزة الأمنية والقضائية والعسكرية..). لا شك في ان هذه العملية أثّرت على أداء تلك الإدارات، خصوصًا في الجيش وأجهزة الأمن، وخلقت فيها ضعفاً ما. وهذا ما تجلّى في اغتيال السفير الروسي في أنقرة برصاص عنصر من الشرطة، وبالأمس في تخطّي مهاجم نادي “رينا” العديد من الحواجز الأمنية. ولا بد ان تكشف التحقيقات الخلل الأمني الذي سهّل تنفيذ العملية وفرار المنفذ.
اقتصادياً، العام 2016 كان الأسوأ على تركيا منذ سنوات وها هي عملية اسطنبول تنذر بأن العام 2017 سيكون أسوأ من سلفه اقلّه في قطاع السياحة. هذا القطاع يشكّل 5 بالمئة من الدخل القومي. ويؤمن فرصًا كثيرة للشباب التركي. وقد نجح حزب العدالة والتنمية في سياسة جذب السيّاح في السنوات الماضية. فاحتلت تركيا في العام 2015 المركز السادس عالمياً (41 مليون) على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية والأحداث الجيوسياسية الإقليمية. كل هذه الأرقام تبدّلت في العام 2016 بسبب تبدّل سياسة تركيا في سوريا وبدئها حربا ضد حزب العمال الكردستاني وتدهور علاقاتها مع روسيا (على خلفية إسقاط طائرة حربية روسية) ومع أوروبا (على خلفية أزمة النازحين). خاصة وان السيّاح الأوروبيين يشكلون 50 بالمئة من إجمالي عدد السيّاح، والروس 10 بالمئة. لذلك شهدت تركيا تدهوراً في عدد السيّاح خلال العام المنصرم بنسبة 25 بالمئة. هذا التراجع في أعداد السيّاح كان له تأثير مباشر على الحركة التجارية في “البازار الكبير” في اسطنبول الذي يقصده سنوياً حوالي مئة مليون زائر، مما أدّى الى إقفال 600 متجر مع احتمال إغلاق 1000 متجر أبوابها هذا العام 2017 بحسب “جمعية تجار البازار الكبير”. ما يعني إقفال نصف متاجر البازار البالغ عددها 3500.
الموقع الجيوسياسي لبعض الدول هو مصدر قوّة لها إذا ما عرفت التعامل معه. تركيا تتمتّع بهذا الموقع. أحسنت التعامل معه مع بداية القرن الحالي. فلمع نجمها كلاعب إقليمي واعد. ولكن طموحات أردوغان السلطوية واستعجاله الـ”عثمانية الجديدة” وضعت بلاده في وضع جيوسياسي صعب. فالتوجّه شرقاً (نحو روسيا) وإدارة الظهر غرباً (للولايات المتحدة الأميركية وأوروبا) وعدم التنسيق مع الدول العربية، له تبعاته على استقرار تركيا السياسي والأمني والاقتصادي. إرهاصاتها بدأت في العام 2016 وستُكمل في العام 2017.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]