لبنان بين التّدخلات الإقليميّة والإستحقاقات المصيريّة

لقد حرفت الأحداث الأخيرة في سوريا وجهة المفاوضات التي من المفترض أن تكون بين الفلسطنيين والعرب من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، لتصبح اليوم بين العرب أنفسهم. فهل ستبقى الهدنة إلى ما لا نهاية أم أنّ مسار التّفاوض سيعود ليتجدّد بعد العمليات الأخيرة على إسرائيل؟ وهل نجح الغرب بنقل الصّراع إلى فارسي – عربي عوض أن يكون عربياً – إسرائيلياً؟ وهل يسير لبنان على الخطّ الصحيح بحسب موقعه الجيوبوليتيكي وعمقه الإستراتيجيّ؟

لقد صرّح الرّئيس السّوري متهكّمًا متسائلاً عن الطّرف الآخر في المفاوضات المزمع قيامها في الآستانة لثقته المطلقة بأنّه لم يترك طرفًا آخر للتّفاوض معه. فالمعارضة تصدّعت نتيجة مواجهتها للقوى العالميّة – الإقليميّة وليس المحليّة فحسب.

ومن الجيّد أنّ النّظام قد استثنى تنظيميّ “داعش” و”النّصرة” من التّفاوض، لكن في هذه المسألة علامة استفهام كبيرة جدًّا، فهل هذا الإستثناء ناتج عن تحكّم النّظام بشريان حياة هذين التّنظيمين الرّئيسين؟ وبمجرّد تسكير طرق الإمدادات عليهما، فهما سيلفظان حتمًا أنفاسهما الأخيرة. ومسيرة التّحرير ستستمرّ في سوريا لتأمين المنطقة الآمنة بين لبنان ودمشق، حيث ما زال منبع المياه الوحيد الذي يروي العاصمة تحت سيطرة المعارضة. من هنا، سيعمل النّظام على فكّ هذا الإحتلال لسببين رئيسين:

– الأوّل حيويّ لأنّ العاصمة تشرب من هذا النّبع.

– والثاني استراتيجي، حيث يعتبر هذا الممرّ الوحيد الذي يقطع الطّريق بين امتداد “حزب الله” في لبنان والنّظام في الشّام.

 من المتوقّع أن تكون معركة الحزب الآتية في سوريا لتحرير منابع مياه العاصمة السّوريّة. لكن الإشكاليّة المطروحة هنا، هل ستكون معركة الحزب الأخيرة ليعود بعدها إلى لبنان؟

بعد إقرار روسيا وإيران وتركيا ورئيس النظام السوري بشار الأسد بضرورة إجراء مفاوضات السلام السورية الجديدة للوصول إلى حلّ سياسي ترعاه روسيا وتركيا، إضافة إلى تطبيق القرار 2254 الذي تمّ بالإجماع، وذلك بتاريخ 18 كانون الأول 2015 والذي يقضي بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا، لم نشهد حتّى السّاعة وقف إطلاق نار في سوريا بل كان يتمّ إسقاطه دائمًا تحت ذرائع متعدّدة، كما حصل اليوم.

أمّا بعد، فبتحوّل الصّراع اليوم إلى عربي – عربي بدعم فارسيّ، لم تعد إسرائيل الشيطان الأكبر في المنطقة بل تحوّلت إلى الوضع المهادن حيث تستطلع طائراتها وتقصف من الأجواء السّوريّة من شاءت وما شاءت من دون أن تتعرّض لرصاصة مقاومة واحدة.

إيران تحاول أن تقطف ثمار معركة حلب بوصولها إلى المتوسّط لتتحكّم فيما بعد بما قد ينتج في مرحلة السلام من خطّ أنابيب للبترول والغاز السّوريين اللذين سيستخرجان لا محالة من البحر. بذلك، تصبح إيران في موضع المفاوض القويّ وتفرض نفسها على السّاحة الإقليميّة والدّوليّة.

أمّا إسرائيل، فبتلهّي العرب عنها، وبغياب أيّ دورٍ أساسيّ لدولة عربيّة تحاربها، ماضية قدمًا بسياستها التّوسّعيّة، لا سيّما وأنّ كلّ القوى الدّوليّة الموجودة في ساحة الصّراع السوريّة اليوم، بما فيها إيران وفصائلها، لا تواجهها ولو برصاصة واحدة.

فالغرب نجح بحرف الصّراع إلى عربيّ – فارسيّ- عربيّ، وأبعد شبح المقاومة عن حليفته الإستراتيجيّة في المنطقة منذ صدور القرار 1701. لكن وسط كلّ هذه المعمعة، يبقى قرار لبنان الإستراتيجي بتقوية علاقاته العربيّة وبعودته إلى حاضنته التّاريخيّة، القرار الأمثل الذي يتجسّد بزيارة فخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة، العماد ميشال عون إلى المملكة العربيّة السّعوديّة. ولمتابعة تحقيق مسار الدّولة يجب إنتاج سلطة تشريعيّة تمثيليّة حقيقيّة تنبثق من روحيّة اتّفاق الطّائف، لا سيّما ما ورد في المادّة 24 من الباب الثاني من مقدّمته حول توزيع النّواب، بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، نسبياً بين طوائف كل من الفئتين، ونسبياً بين المناطق. وانطلاقًا من فلسفة هذه المادّة من الدّستور نصل حتمًا إلى ضرورة إيجاد قانون انتخابيّ مختلط بين الأكثري ليضمن التّمثيل الصّحيح للمناطق، والنّسبي ليضمن التّمثيل الصحيح للطّوائف. وهكذا يحافظ لبنان على مساره الطّبيعيّ، وتسود دولة العدل والقانون والمؤسّسات التي يصبو إليها كلّ مواطنيه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل