
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1593
فتحت محطة 14 آذار 2005 الباب أمام مرحلة وطنية جديدة أخرجت الجيش السوري من لبنان وأعادت جزءا من القرار السياسي للبنانيين وانعشت الحياة السياسية على رغم موجة الاغتيالات التي استهدفت كوكبة من شخصيات 14 آذار، إلا انه لا يمكن تجاهل ان المناخ السياسي تبدل إلى حد كبير بين مرحلة ما قبل الخروج السوري وما بعده.
وإذا كانت حقبة ما بعد 14 آذار 2005 تميزت بعودة الفعالية الداخلية التي كانت مصادرة في فترة الوصاية، فإن حقبة ما بعد 18 كانون الثاني 2016 أعادت الاستقرار السياسي الذي كان مغيباً ويدفع الوضع السياسي نحو المجهول.
فمحطة 18 كانون الثاني هي محطة تأسيسية أخرجت لبنان من الفراغ المتمدد إلى إعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وبالتالي ترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد ميشال عون أنقذ الجمهورية اللبنانية التي كانت بدأت تتهاوى مع الفراغ والشلل والانقسام.
فانتخاب عون في 31 تشرين الأول هو نتيجة طبيعية لترشيحه من قبل جعجع في 18 كانون الثاني 2016، كما ان كل المسار الذي أعقب انتخابه من تكليف الرئيس سعد الحريري وتشكيل الحكومة وزيارة رئيس الجمهورية للملكة العربية السعودية هو نتيجة طبيعية أيضاً لمحطة 18 كانون الثاني.
ولا شك ان التاريخ سينصف قيادة “القوات اللبنانية” من تغطيتها لاتفاق الطائف الذي تحول إلى ثابتة من ثوابت كل القوى السياسية في لبنان، وقد كرر الرئيس عون ما كان اتفق عليه مع “القوات” في “إعلان النيات” و”النقاط العشر” لجهة التمسك باتفاق الطائف، إلى تمهيدها لثورة 14 آذار التي أخرجت الجيش السوري من لبنان ونقلت الاصطفاف من فئوي إلى وطني، وصولاً إلى ترشيح جعجع لعون الذي أطلق دينامية وطنية جديدة تكللت بعودة الروح والحيوية إلى المؤسسات الدستورية.
وفي كل تلك المحطات الوطنية كان المطلوب الجرأة والاستشراف، إذ ان “الحكيم” يقود المجتمع بالاتجاه الذي يخدم مصلحة هذا المجتمع الوطنية، ولا يتأثر بالعامل الشعبوي كونه متيقناً ان قراراته ومبادراته وخطواته تخدم القضية التي يناضل في سبيلها، وأكبر دليل ان دور “القوات” كان أساسيا في المحطات الثلاث الكبرى التي غيّرت وجه لبنان.
فاتفاق الطائف نقل لبنان من الحرب إلى السلم، و14 آذار نقلت لبنان من الوصاية إلى الحرية، و”تفاهم معراب” نقل لبنان من المجهول إلى المعلوم. ولمن خانته الذاكرة كان الحديث قبل هذا التفاهم وقبل ان يتجسد بانتخاب عون ان الرئيس ميشال سليمان آخر رئيس ماروني للجمهورية، وان الفراغ سيفضي إلى سقوط اتفاق الطائف، وان الاستقرار الذي شهده لبنان في السنوات الأخيرة سيسقط بدوره.
و”العبور إلى الدولة” يكون بالحفاظ على هيكل الدولة أولا وإعادة الروح إلى المؤسسات الدستورية ثانياً، وهذا تحديداً ما شكل استراتيجية 14 آذار التي رفضت استخدام العنف وقبلت بتسويات لمصلحة مشروع الدولة، والتسوية التي أبرمها رئيس “القوات” مع الرئيس عون تعتبر أفضل تسوية منذ العام 2005، حيث انها أفضل بالتأكيد من اتفاق الدوحة، وقيمتها الأساسية انها صناعة لبنانية صافية.
وفي الموازاة الارتياح المسيحي الذي ولدته هذه التسوية التي أعادت الاعتبار للدور الوطني المسيحي، فإنها دلت على قدرة المسيحيين على توليد تسويات وطنية تعيد الاعتبار لمشروع الدولة في لبنان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
