.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1593
تترافق بداية العام مع تزاحم التوقعات وكثرة المنجمين… ولو كذبوا. يساعد على ذلك التوق الدائم لدى الناس لمعرفة ما ينتظرهم في الآتي من الأيام. في هذه المحطة تنتظر أيضا استحقاقات من نوع آخر تترقب التطورات المنتظرة في شأنها على مدى أشهر العام المتوالية. فالإقتصاد اللبناني الذي عاش أسوأ أيامه في العام الماضي، التقط أنفاسه قبل نهاية العام مع عودة عجلة الدولة إلى العمل، وشحذ بعض الروح عله يستعيد في العام 2017 ما فاته في السنوات الماضية من نمو. فهل سيتمكن حقا من تحقيق ما ينتظره الناس والقطاعات؟ وما هي الإستحقاقات الداهمة وأين تكمن معابر النفاذ إلى بقعة الضوء، بعدما طالت معارج النفق العميق؟
يدأب المسؤولون اللبنانيون منذ انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة، على القول إن أمام العهد الجديد تحديات واستحقاقات عديدة لا بد من العمل عليها لإعادة تشغيل محركات الإقتصاد ودفع عجلة النمو. ويشددون على أن من الأولويات التي على الحكومة العمل عليها، إقرار الموازنة بعد 11 عاما من الصرف على أساس القاعدة الإثني عشرية، باعتبار أن لا اقتصاد سليماً ودولة ثابتة الركائز من دون قانون موازنة يحدد مسارات العمل وخطوط التحرك المقبلة.
ويركز المسؤولون عينهم، لا سيما الإقتصاديون منهم، على ضرورة تهيئة المناخات المناسبة لتشجيع واستقطاب الإستثمارات، وعلى ضبط الإنفاق الجاري الريعي غير المنتج، وعلى الحد من البطالة عبر توليد فرص العمل والشراكة بين القطاعين العام والخاص، آملين في أن تتحقق بدايات هذا المسار خلال العام 2017.
بين الإرث والتطلعات
يعاني الإقتصاد اللبناني من تعقيدات أبرزها مشكلة المالية العامة إذ من المتوقّع أن يصل الدين العام الى 79.5 مليار دولار وبنسبة 145 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام الحالي، نتيجة توقف عجلة الاقتصاد والهدر والفساد. وبذلك يحتل لبنان المرتبة الثالثة عالمياً والأولى عربياً على صعيد نسبة الدين العام الى مجمل الناتج المحلّي بين 19 دولة، وفق تقرير نشرته صحيفة الإندبندنت. أما الإستحقاقات التي سيواجهها لبنان في العام 2017، ومنها أقساط وفوائد الدين العام، فهي تبلغ أو تتجاوز الـ7 مليارات دولار وسوف تناهز الـ8 مليارات دولار في العام 2018. أي ما نسبته نحو 20 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي على عامين مُتتاليين، وهذا المبلغ لا يمكن تأمينه إلا عبر الاستدانة.
وبنظر الإقتصاديين، فإن العام 2017 سيكون عاما ماليا بامتياز حيث أن هناك العديد من الإصدارات لسندات الخزينة ستصل إلى نهايتها، وبالتالي يتوجب على الدولة اللبنانية دفع الفائدة على هذه المبالغ إضافة إلى رأس المال الأصلي. ومن هذه الإصدارات هناك خمسة بالدولار الأميركي بقيمة 3.06 مليارات دولار. وإذا ما تم احتساب فوائد هذه الديون إضافة إلى فوائد الإصدارات الأخرى بالدولار الأميركي الواجب دفعها في العام 2017، يتبيّن أنّ مجموع الإستحقاقات من رأس مال وفوائد هو 4.62 مليارات دولار أميركي. إضافة إلى استحقاقات مماثلة بالليرة اللبنانية.
ومن الملاحظ أن العهد المنطلق حديثاً يحمل إرثاً اقتصادياً ثقيلاً، ممتدا على مدى السنوات الخمس الماضية، باعتبار أن لبنان سجل خلال تلك السنوات أرقاماً سلبية قياسية في كل المجالات فوصل النمو إلى الصفر. وهذا ما ستُكِب الحكومة على معالجته وإيجاد المخارج السريعة له، على الرغم من وصفها بأنها حكومة إنتخابات. إذ ليس من السهل مالياً اقتراض 20 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي لعامين مُتتاليين من دون تداعيات على أسعار الفائدة أو على قيمة الليرة. فمؤشر البنك الدولي لأداء الأعمال لعام 2017، صنّف لبنان في المرتبة 126 بين 190 بلداً، أي أن 66 بالمئة من بلدان العالم لديها بيئة أعمال أفضل من لبنان. وهذا ما يفسّر تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 14 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي في الـ2008، إلى ما دون الـ 4 في المئة في العام 2016.
يا أبيض يا أسود
يجد معظم الإقتصاديين أن انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وعودة انتظام عجلة الدولة وانطلاق العمل مع بداية العام الجديد، أكسب بيئة الأعمال ما تحتاجه من بصيص نور لاستعادة الأمل بانطلاق موعود. ويعتبرون أن عامل الثقة هو العنصر الأبرز في عملية التجاوب الإقتصادي، وعودة المؤسسات سبب كاف لمنح هذه الثقة، آملين في أن تظهر بوادر التحسن الفعلي في الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة. في المقابل يرى آخرون أن تحسن المؤشرات الإقتصادية فور انتخاب رئيس وتشكيل حكومة، غير كاف لإشاعة الثقة إذا لم يترافق مع قرارات إجرائية منتظرة. وبرأيهم، فالإقتصاد الذي يعاني منذ العام 2011، لن يتعافى في أشهر، وأن العام الحالي لن يكون في أحسن الأحوال إلا مرحلة تمهيدية لتحقيق النمو مع بداية العام التالي.
يتابع هؤلاء، أن تحسين الإقتصاد يتطلّب إستقراراً سياسياً طويلاً، وإتخاذ قرارات حكومية إقتصادية جريئة، تضع قطار محاربة الفساد على السكّة وتمهّد لإصلاح مالي وإقتصادي ناجع، يريح المستثمرين ويُدب الحركة في القطاعات الإقتصادية ويعزّز النمو. فنتيجة تردي الوضع السياسي شهد العام 2016 تراجعا ملحوظا في الإستهلاك ما أثر على الإستثمار وعلى الحركة ككل، معددين مجموعة من العناصر المؤثرة ومنها:
الأزمة السورية وما لها من تداعيات سلبية على المستويات كافة، آملين أن يشكل إتفاق وقف النار بداية إيجابية يبنى عليها ما يشكل عاملا مهما مساعدا في الداخل اللبناني.
علاقات لبنان بدول الخليج، التي تأثرت سلبًا في الماضي والتي يؤمل أن تستعيد ودها، خصوصا مع زيارة الرئيس عون إلى السعودية ثم قطر كأول زيارة له إلى الخارج، مع ما في ذلك من دلالات.
إستعادة ثقة المستثمرين بالإقتصاد بعدما ضربها الوضع السياسي المتأزم الذي عاشه لبنان في الأشهر العشرة الأولى من العام 2016، وأخذت الشركات بصرف العمال ما قلل من قدرة المواطن الشرائية، وبالتالي تراجعا في الإستهلاك.
تراجع الصادرات الصناعية والزراعية، والنجاح المحدود جداً للتصدير عبر الجو والبحر قد تكون عواقبه وخيمة على القطاعات الإنتاجية، إذا لم يتم ابتكار الحلول الناجعة له خلال العام 2017.
ولأن الإرتباط عضوي بين الإقتصاد والسياسة يصعب التكهن بما ستؤول اليه الاوضاع الاقتصادية في العام 2017، إلا أن عددا من السيناريوهات المفترضة قد يؤدي، إذا تم، الى نسب نمو متفاوتة بحسب ما يمكن أن يحصل من مستجدات أو يتخذ من خطوات. ومنها النجاح بداية في إقرار قانون إنتخابي عصري، وإجراء الإنتخابات النيابية، ما يؤكد فعلا أن الدولة استعادت عافيتها وأن المؤسسات وضعت من جديد على السكة الصحيحة.
في هذه الحال هناك احتمال مرتفع ان يتم اقرار القوانين لصالح الإقتصاد وعلى رأسها قانون الشراكة بين القطاع الخاص والعام، ومراسيم النفط. وهذا إضافة إلى إعادة تفعيل العلاقات بين لبنان ودول الخليج، يمكن أن يرفع النمو الإقتصادي الى 6 في المئة. أما إذا لم يتم إقرار قانون إنتخابي وبالتالي إجراء الإنتخابات النيابية على أساس قانون الستين فسيكون ذلك سيئاً على الإقتصاد لأن الثقة بالمؤسسات الدستورية ستتراجع.
ولا يغفل المعنيون عن أن صمام أمان أخيراً يبقى وهو مصرف لبنان الذي أثبت أنه بفضل هندساته المالية قادر على استيعاب صدمات مالية مثل استحقاقات العام 2017. وكذلك احتمال انعقاد مؤتمر باريس 4 لمساعدة لبنان على سد استحقاقاته المالية الذي تحدث عنه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، علما أن الإتكال على هذا العامل غير مجد عمليا كون باريس ستكون منشغلة خلال العام الحالي بانتخاباتها الرئاسية علاوة على الهمّ الأمني المخيّم على أوروبا بأسرها.
عودة الثقة والاستثمارات
ثمّة من الخبراء الإقتصاديين من يعتبر أن لبنان على موعد حتمي مع استثمارات عربية وغربية جديدة، لأن العالمين السياسي والاقتصادي سيتعاطيان مع العهد الجديد انطلاقاً من أن رئيس الجمهورية مصمم على إنجاح عهده وعلى محاربة الفساد، وهو استحدث وزارة دولة لمكافحة هذه الآفة التي أكثر ما تعيق النمو الإقتصادي. يساعد في ذلك أن العهد الجديد سيكون محط ثقة الدول العربية والغربية على حد سواء، ما يشجع الإستثمارات ووفادة الرساميل.
ويشير العارفون إلى أن أول الغيث في العام 2017 ربما يكون استثمارات تناهز الـ 3 مليارات دولار، وهي شبه مضمونة لأن الودائع في المصارف اللبنانية التي تبلغ 150 مليار دولار لن تكون بمنأى عن حركة الاستثمارات المرتقبة. وبالتالي فإن استعداد كل القوى السياسية للتعاون، ودخولها في حكومة وحدة وطنية، وغياب أجواء التشنج حتى بين المتباعدين سياسيا، سيساهم الى حد بعيد في إشاعة الاجواء الايجابية وإراحة المستثمرين العرب والاجانب الذين ينتظرون أولى خطوات الحكومة لانطلاقهم نحو لبنان، وما الحركة السياحية الوافدة في فترة الأعياد والتي سجلت علامة فارقة مقارنة مع ما كانت عليه في السنوات الماضية، إلا خير دليل على انطلاق بوادر التطور الإيجابي في حركتي الثقة والإقتصاد.
وعليه ينتظر الإقتصاديون أن يسجل مستوى البطالة انخفاضاً خلال العام الحالي، نتيجة عودة المستثمرين الى لبنان وبالتالي عودة الدورة الاقتصادية والمالية الى طبيعتها، مشيرين من جهة ثانية الى أن الحكومة مطالبة بوضع خطة جدّية لإدارة عملية توظيف النازحين السوريين العشوائية وحماية العامل اللبناني الذي بات ضحية أمرين: ضيق مجالات العمل من جهة والمزاحمة الشرسة للعمالة السورية من جهة ثانية.
ويرى الإقتصاديون أن النمو الاقتصادي سيتجاوز الـ2,5 في المئة في الـ 2017 مقارنة مع أقل من 1 في المئة في العام الماضي، وسيُسجَّل تحسن على صعيد نشاطات القطاعات الاقتصادية كالسياحة والاستثمار العقاري والاستهلاك، وسيشهد إقتصاد العام 2017 عاملاً أساسياً يكمن في المؤشرات الإقتصادية الأكثر إيجابية. ويشيرون إلى أن الإيجابية الأولى للانفراج السياسي ظهرت في ارتفاع حجم التداول في بورصة بيروت وتحسّن سعر سهم سوليدير بما يفوق الـ30 في المئة، كذلك ارتياح سوق القطع، وأجواء المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الاقتصادية، الذين علقوا الآمال الكبيرة على ما بعد الاستحقاق الرئاسي والنجاح في تشكيل الحكومة.
لكن يرى البعض أن الفترة القصيرة للحكومة الحالية والمحددة بحصول الإنتخابات النيابية تحد من قدرتها على إحداث نقلة نوعية كبيرة في الإقتصاد. أولا لأن انهماكها في الإنتخابات قد يحوّل اهتمامها وتركيزها على القضايا الإقتصادية كأولوية، وثانيا لأن تحقيق النمو الإقتصادي بعد الجمود الطويل الأمد الذي أصاب الإقتصاد اللبناني، يتطلب فترة طويلة مماثلة لاستعادة العافية الكافية للقول إن الإقتصاد عاد فعلا إلى سابق ازدهاره. فخلال هذه المدة القصيرة من عمر الحكومة قد تستطيع فقط وضع الخطوط الأولية أو الرؤية الماكروإقتصادية لمواجهة التحديات القائمة، وربما يعتبر هذا الأمر مهما بعد ما كان وصل إليه الوضع من سوء.
يبقى السؤال بعد الرقم الكبير المسجل في زيادة الإنفاق، عن القدرة على إقرار سلسلة الرتب والرواتب التي عادت المطالبة بإقرارها بالتزامن مع إقرار الموازنة العامة المتضمنة هذا البند لناحية إرتفاع الإنفاق وسبل تغطيته.
ويتفق معظم الإقتصاديين على ألا حلول كثيرة أمام الدولة، وبالتالي فإنّ الحنكة تبقى في اختيار الحلّ الأقل كلفة والأقلّ ضرراً. وفي كل الأحوال يُمكننا القول إنّ رفع الضرائب قد يكون بين الحلول الواردة على رغم عدم شعبيته فترفع الضريبة على القيمة المُضافة إلى 15 في المئة. غير أن استحقاق الإنتخابات النيابية قد يجعل المسؤولين يتجنبونه قبل حصولها. وفي هذا السياق كانت لافتة النظرة التشاؤمية لوكالة “فيتش” للتصنيفات الائتمانية التي اعتبرت أن الوضع الصعب للمالية العامة، سيحد على الأرجح من الميّزات الاقتصادية للتطورات السياسية الإيجابية. لكن على الرغم من ذلك يدعو المتفائلون إلى انتظار عام أفضل طبعا مما مضى وبداية إشراقة لازدهار أفل نجمه لسنوات.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]