
كتب أوتل رزق في “المسيرة” عدد 1593
صدر صيف العام 2015 كتاب “المطران يوسف رزق (1780 ـ 1860) رزق جزين… رزقة عين ورقة ولبنان” من تأليف الأب مخائيل قنبر الذي حاول من خلال أربعة فصول أن يعرض قصة عمر “رزقة عين ورقة ولبنان”، غير أن هذه الفصول لن تحكي قصة فصول أربعة تعاقب فيها الخريف والشتاء والربيع والصيف، بل ستتناول فقط سيرة حياة هذا المطران وحكاية مدرسة عين ورقة التي اخضّرت رياضها طوال الفترة التي رواها فيها “رزق جزين” من روحه وحياته ونضاله.
بعد مرور أقل من عقد من الزمن على وصول الأمير يوسف الشهابي الى حكم الإمارة اللبنانية، وتحديدًا في نيسان عام 1780 حيث كان الجو السياسي مشحوناً نتيجة زيادة الدسائس ضد الأمير، أبصر حنا رزق (المطران يوسف) النور في مسقط رأسه “عروس الشلال” بلدة جزين.
توالت الفصول بعد ذاك الربيع الباسم حاملة معها السعادة والأمل لعائلة توما وحبوس رزق، فمنّ المولى عليهما بشقيقين لحنا هما شاهين وفهد. كانت عائلة “الجزيني” تضج بالحياة والنشاط. فالوالد الشاب أورث أبناءه حب الأرض والشغف بالعلم، والتمسك بالدين والمحافظة على القيم والأخلاق النبيلة. مرت أيام الطفولة بسرعة وكان حنا رزق ينمو بالقامة والحكمة والنعمة أمام الله والناس. وفي أحد أيام العام 1797، بينما كان المطران يوحنا الحلو الغوسطاوي، أسقف عكا والذي أصبح بطريركاً فيما بعد، يجول في إقليم جزين، استرعت انتباهه نباهة الفتى حنا الذي كان بلغ 17 عامًا من العمر، فاستدعاه المطران يومها وسأله إن كان يرغب في أن يصبح كاهناً للرب. وبعد أن أجابه بالإيجاب اختبره ليتأكد من رجاحة فكره وقوة فضيلته، فألقاه إنساناً فطناً نبيهًا وورعًا، ثم دعاه للالتحاق بمدرسة عين ورقة في بلدة غوسطا الكسروانية للتحضّر للكهنوت.
في صيف العام ذاته (1797) وصل حنا رزق مع بضعة طلاب الى مدرسة عين ورقة حيث استقبلهم الأب خيرالله اسطفان الذي كان قد أقنع عمّة البطريرك يوسف بتحويل دير مار أنطونيوس ـ عين ورقة الخاص بعائلتهم الى مدرسة عمومية للطائفة المارونية. خصّ الكاهن الجليل خيرالله اسطفان الشاب رزق (المطران يوسف) بمحبة عارمة، وذلك لما رأى فيه من اندفاع وغيرة لا مثيل لهما عند غيره من الطلاب. فما من عمل كان يوكله إليه إلا وكان “الجزيني” يتميّز به ويتألق. ففي الدراسة برع في اكتساب المعارف واتقان اللغات، وفي أعمال الحقول ورعاية المواشي برز نجم الفلاح القدير والراعي الواعد. وفي اختصار، جمع حنا في شخصه، بالإضافة الى النباهة وحب العلم، الروحانية الكهنوتية المارونية الأصيلة.

بعد خمسة أعوام من التحصيل العلمي وأربعة أعوام من التدريس في مدرسة عين ورقة، عاد النشيط حنا رزق الى بلدته لينال على مذابح كنيستها درجة الكهنوت التي رقّاه إليها المطران يوحنا الحلو، وفوّض إليه بأمر البطريرك آنذاك يوسف التيّان حقوق النيابة وزيارة أبرشية صور وصيدا، فسهر على خيرها ملاحظاً شؤونها متجوّلاً في أنحائها، وقد أكسبه هذا التجوّل ميلاً غريبًا الى تعزيز الزراعة وتربية المواشي، إذ عرف مقدار أهميتها بعد تفحّص أراضي الأبرشية وتبيّن مكانها من الجودة.
بعد قرابة الثلاثة أعوام من تعيينه نائبًا عامًا على أبرشية صور وصيدا، وبعد أن عرف حاجتها الى العلم، باشر الأب حنا رزق بإنشاء مدرسة مار يوسف في جزين، والتي تُعرف الآن بالمدرسة العتيقة. عام 1810 توقف الأب حنا (المطران يوسف) عن العمل في بناء المدرسة في بلدته وعاد الى مدرسة عين ورقة بناء على طلب معلّمه الأب خيرالله اسطفان الذي كان قد رُقيّ الى درجة الأسقفية متخذاً إسم يوسف، وذلك لمعاونته في الوكالة على المدرسة. يوم الاثنين 20 تشرين الثاني عام 1822 توفي المطران يوسف اسطفان عن ثلاث وستين سنة بعد أن قام الأمير بشير الثاني بدس السم في القهوة التي قدمت إليه خلال زيارة قام بها الأخير له مع بعض المشاريخ.
بعد انتهاء مراسم دفن المطران اسطفان دُعي الخوري حنا رزق الذي كان في جزين يستكمل بناء المدرسة ويصرّف المشاكل الحقوقية بين الناس بالأهلية والعدل، دُعي لاستلام وكالة مدرسة عين ورقة بناء لوصية معلّمه، فرفض الطلب مقدمًا الكثير من الأعذار.
يوم 25 أيار عام 1823 إنتخب تلميذ مدرسة عين ورقة المطران يوسف حبيش بطريركاً للموارنة خلفاً للبطريرك يوحنا الحلو، وكان لهذا الانتخاب الأثر الكبير في قبول “الجزيني” وكالة مدرسة عين ورقة نظرًا للصداقة التي كانت تربطه بالبطريرك الجديد. ونزولاً عند طلبه عاد الخوري حنا (المطران يوسف) الى غوسطا يوم 2 آب عام 1825 بموجب مرسوم خطي صادر عن البطريرك حبيش يبيّن له فيه أنه الوحيد من أبناء الطائفة الذي يملك المؤهلات والمقدّرات الكافية لإنقاذ المدرسة من حالتها المادية المزرية، بعد أن كان رتب عليها الوكيل السابق الخوري منصور اسطفان ديوناً باهظة. شمّر الخوري “الجزيني” عن ساعديه يومها عاقدًا العزم على إنقاذ مدرسته الأم مما هي فيه، فنهض بأمورها مِقدامًا يذلّل الصعاب، دارئاً عن حوزتها، صوّاناً لأوقافها من كل اعتداء، ضاربًا دون المصلحة العمومية على كل افتراء وناظرًا إليها نظرة الوطني الغيور، فأنشأ لها أحراجًا واشترى لها عقارات بما جلت به قيمته، وفّى ديونها وأضاف الى لغاتها المعتمدة اللغتين الإيطالية واللاتينية، فزادها بذلك تقدمًا وازدهارًا مما دفع بالبطريرك حبيش الى تعيين الأب رزق رئيسًا لمدرسة عين ورقة. ويوم 3 أيار عام 1829 رقّاه الى درجة الأسقفية على قورش شرفاً، واتخذ الأب حنا من يومها إسم يوسف.
إن الإنجازات الجمّة التي حققها المطران يوسف رزق في مدرسة عين ورقة في وقت قصير وتمسكه المطلق بالولاء لفاديه المخلّص وكنيسته وبطريركه، خلق له أعداء كثر أرادوا إزاحته عن رئاسة المدرسة، فشُنت عليه الحروب وسيقت بحقه الاتهامات، خصوصًا من قبل عائلة بيت اسطفان الذين كانوا طامعين في أرزاق المدرسة باعتبارها وقفية لعائلتهم، وكذلك من قبل القاصد الرسولي لدى الطوائف الكاثوليكية في لبنان وسوريا السيد يوحنا لوزانا الذي جعل العلاقات التاريخية ـ الودية تهتز بين الكرسي الرسولي والكنيسة المارونية التي قرر رئيسها حينها البطريرك حبيش جمع كلمة بطاركة الروم الكاثوليك والأرمن والسريان، فوقعوا عريضة لقداسة البابا غريغوريوس السادس بيّنوا له فيها مساوئ قاصده لوزانا وتعديه على سلطاتهم مطالبين بتغييره.
كلف صاحب الغبطة في ذلك الوقت وكيله في روما الأب اسطفان حبيش تقديم العريضة الى الحبر الأعظم الذي غضب عند تسلمها، لكن جرأة وحكمة الأب حبيش جعلت قداسته يرتاح لصراحة الكاهن اللبناني ووعده خيرًا، فأعفى السيد لوزانا من منصبه وعيّن مكانه السيد يوحنا المعمدان أوفرني الذي لم يختلف كثيرًا بأسلوبه عن السيد لوزانا، وما لبث أن توفي في ديار بكر يوم 15 أيلول عام 1836 بداء الحمّى الوبائية.
عام 1839 بدأ المطران يوسف رزق بناء كنيسة عين ورقة الجديدة التي حملت إسم القديس أنطونيوس الكبير، فكان مطران العمل والنشاط يعمل بيديه كسائر العمال لإنجاز هذا البناء، وقد جهز لهذا المشروع الأموال اللازمة من خلال حسن تدبيره وعنايته، واستثماره الجيد للأراضي التي اشتراها للمدرسة. أتى شكلها على شكل كنيسة مار يوسف الحصن في غوسطا، فجاءت آية في الظرف والفخامة وزيّنها بالآنية والرياش والملابس الحبرية الثمينة، وأقام فيها المراسيم البيعية بجلال وخشوع حتى كانت، على الرغم من بعدها، محجًا يحج إليها المتعبّدون والمتديّنون.
بعد هذا النجاح سعى المطران رزق الى تنصيب كاتدرا العلوم الفلسفية واللاهوتية في مدرسة عين ورقة، فقدم طلبًا بذلك الى مجمع إنتشار الإيمان الذي أبدى موافقته من خلال الحكم الصادر عنه بتاريخ 20 تموز عام 1840. كانت عين ورقة خلال رئاسة المطران يوسف رزق المؤسسة العريقة التي استفادت منها الكنيسة المارونية، فأفادت النهضة العربية وقد خرّجت العديد من رجالات القرنين التاسع عشر والعشرين في الخطابة والفلسفة واللاهوت والشعر والرياضيات…
عام 1845 وقعت الفتنة الثانية بين الدروز والمسيحيين، فترك المطران رزق مدرسة عين ورقة ونزح الى جزين لمحاولة تهدئة الخواطر وتجنب الفتنة وسفك الدماء، لكن محاولته باءت بالفشل بعد أن تبيّن للجميع دور السلطنة العثمانية في تزكية نار الفتنة، فما كان أمام سيادته إلا الرضوخ لمطلب أهالي بلدته الذين هبّوا للدفاع عن أنفسهم وقراهم، لكنه أوصاهم بصيانة الأعراض وحماية العزّل. إمتطى إبن جزين ورئيس مدرسة عين ورقة فرسه وجدّ أمام أبناء بلدته قائدًا مقاومتهم الباسلة، فظفروا في قرى جزين والشوف التي فرغت من الرجال، ولما أشرفت المقاومة المسيحية في ذلك الزمان بقيادة المطران يوسف رزق على بلدة المختارة توقفت لأن العسكر التركي الذي كان مرابطاً في بيت الدين زحف لنجدة الدروز.
في 3 آب 1845 إجتمع المطارنة الموارنة في دير مار يوحنا مارون ـ الديمان لانتخاب خلف للبطريرك يوسف حبيش. كان الصراع على أشده حينها بين المطران يوسف رزق والمطران بولس مسعد، ولكن في النهاية، وكحل وسط، إنتخب المطران يوسف الخازن تلميذ وصديق “الجزيني” بطريركاً جديدًا للطائفة العتيدة. كان الأسقف الجزيني ملجأ الضعيف ووسيط الخير، وأصبح قُبلة أنظار أهل بلدته وإقليمها الذين كانوا يلجأون إليه في شدائدهم ومصاعبهم، فيدافع عنهم ويحمل قضاياهم الى المعنيين.
لم تقتصر مساعداته على هذه الأمور وحسب، بل تعدتها الى تأمين التعليم لأولاد جزين الذين تولوا مناصب مرموقة في القطاعين العام والخاص منذ أواخر القرن الـ19، وذلك عبر بنائه مدرسة جزين من ماله الخاص التي تم تشييدها عام 1854، العام الذي كاد فيه أيضًا أن يكون بطريركاً للموارنة لولا قربه من المشايخ وخصوصا آل الخازن.
بعد أن أعفى المطران رزق مدرسة عين ورقة من الديون المترتبة عليها في المرة الأولى، عاد وتجمّع له على المدرسة مبلغ 75 ألف قرش ما أدى الى وقوع خلاف جديد بينه وبين بيت اسطفان الذين شكوه الى المجمع المقدس وكانت هذه الشكوى الأخيرة التي يقدمونها ضده في زمن القاصد الرسولي بولس برونوني الذي كلف الخوري يوحنا الحبيب تلميذ المطران يوسف رزق تسوية الموضوع معه، فأقنعه بترك المبلغ المذكور للمدرسة العريقة من باب المساعدة. إثر ذلك رفع السيد برونوني لرئيس مجمع إنتشار الإيمان الكاردينال اسكندر برنابو كتابًا عدّد فيه إنجازات “الجزيني” في عين ورقة، كما بيّن ظروف الدعاوى الزائفة التي أقيمت ضد الأسقف الاستثنائي والبطريرك حبيش، فقدم الكاردينال المذكور كل ذلك لقداسة البابا بيوس التاسع طالبًا منه مكافأة الحبر اللبناني المعطاء، والصابر على الضيم الذي أصابه طيلة الفترة الماضية، فكان للكادرينال برنابو ما أراد. بعد أن هدأت عواصف معاكسيه ونيله المديح من قداسة البابا، رفع المطران يوسف رزق الى البطريرك مسعد صكاً رسميًا بجعل مدرسة مار يوسف جزين وقفاً على مثال وقف مدرسة عين ورقة، فقبل البطريرك الوقفية وسجل صكها في ديوان البطريركية منوّهًا أنها مدرسة أبرشية وليست بطريركية كعين ورقة، وبعد تقدمة الصك المذكور استأذن المطران “الجزيني” البطريرك للسماح له بالمباشرة ببناء مدرسة القديس يوسف وكنيسة على إسم الشفيع نفسه في مكان غير المكان القديم، وجعل يومها شبلي رزق إبن أخيه مناظرًا على بناء المدرسة.
عام 1862، وبعد وفاة شبلي أثناء مجازر 1860 التي حاول “رزق جزين… رزقة عين ورقة ولبنان” إبعادها عن بلدته من دون نتيجة إيجابية، سلّم صاحب السيادة إدارة أعماله في جزين لإبن أخيه الآخر يوسف صالح رزق الذي عمل بنشاط وجهد في إدارة أعمال عمه الأسقف العظيم وإنهاء بناء المدرسة والكنيسة.
تمتع المطران يوسف رزق بخصال حميدة عديدة، فكان في حياته الروحية قدوة لتلاميذه ومعارفه، يحرص على أداء فروض صلاته في أوقاتها وعلى ممارسة الإماتات. وكان ورعًا في عبادته لا يجلس في الكنيسة بل يكون فيها دائمًا منتصبًا في ركوعه، وفي حياته اليومية كان محبًا للعمل وللعلم وكثيرًا ما كان يتمثّل بهذا القول: “إن البطالة قبر الأحياء”. برع في إدارة الأعمال وتمتع بنظرة ثاقبة في الأمور الاقتصادية. أما في الشؤون الاجتماعية والسياسية، فكان شديد المقاومة لأرباب السلطة، وقد اتخذ في السياسة الخارجية مواقف متمايزة عن بقية رجال الإكليروس مما سبب له بخلاف كبير مع البطريرك بولس مسعد، خصوصًا أيام ثورة الفلاحين، لكن كل ذلك لم يمنع الحبر الجليل من المحافظة على الاحترام الذي يجب أن يبقى بين الأساقفة وبطريركهم، ولم تمنعه من طلب المسامحة والغفران معًا. فقبل انتقاله الى دار الآب والخلود زار المطران رزق بكركي رافضًا أن يترك للموارنة مثال أسقف عاش ومات غير متفق مع بطريركه، حيث جثا وقبّل يمين البطريرك مسعد وطلب بركته فتعانقا باكيين، ثم عاد الى مملكته الأرضية مدرسة عين ورقة التي كان لها الفضل الكبير بالنهضة العلمية في الشرق الأدنى خلال عهده، ليموت داخل كنيستها كما الكبار ساجدًا وهو يصلي ليلة عيد الغطاس عام 1856.

للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]