
إن ابرز تحدي يواجه العهد الجديد هو اعادة ترسيخ مفاهيم الدولة في العقول والنفوس بعد غياب المؤسسات وتغييبها سابقاً خصوصاً في ظل ازمة الثقة القائمة بين المواطن ودولته منذ عشرات السنين والتي لم تعالج من قبل العهود والحكومات المتعاقبة، بل زادتها تأزماً حتى تكرس الطلاق الكبير بين الفريقين .
العهد الجديد اذاً امام مهمة تاريخية متمثلة بمصالحة المواطن مع دولته، تلك المصالحة التي تفترض بداية العودة الى إرساء مداميك عقد اجتماعي، يقول عنه الفيلسوف الإنكليزي جون راوولز في مؤلفه الشهير “نظرية العدالة”، بانه لا يقوم الا على العدالة وإحقاق ما اسماها فضيلة العدالة الاولى للمؤسسات الاجتماعية والقوانين والمؤسسات، الواجب اعادتها الى منطق العدالة لتكون عادلة . فالعقد الاجتماعي المطلوب في ورشة نهوض العدالة في لبنان يتطلب توافر العناصر السوسيولوجية والمجتمعية التالية :
اولاً: حصانة للانسان في وطنه، فلا وجود لمجتمع عادل يستند على التضحية بافراده او باقلياته، ومن هنا لا بد من التوصل اذاً الى تفاهم حول مجموعة من المبادىء التي تحدد توزيعاً عادلاً للثروات والامتيازات كما الاعباء والالتزامات الجماعية، ومن ضمنها قوانين التمثيل الانتخابي – السياسي والطائفي والمناطقي .
ثانياً: القضاء على المزاوجة بين النفعية والعدالة، فالنفعية التي لطالما اتسم بها مجتمعنا ضحت ولا تزال تضحي بالعديد من الافراد والفئات وحريتهم وبالتعددية الثقافية والحضارية لحساب سعادة افراد او مجموعات، فالعدالة والانصاف يفترضان تحقيق العدالة للجميع من خلال الخير العام وليس الخير المجزأ الذي لا يعطي سوى عدالة مجزأة وبالتالي عدالة عليلة .
ثالثاً: فتح باب النقاش الوطني العام حول كيفية الوصول الى حالة افضل لكل فرد في وطنه، فالمواطن صانع حاضره ومستقبله وله كلمة الفصل في شكل وشروط دوره وسط المجتمع السياسي او الثقافي، فصوته هو صوت المعني الاول والاخير بتركيبة نظامه الاجتماعي كما يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان جاك روسو وبالتالي فان المساواة بين الجميع في الفرص والتعبير، هو مبدأ الحرية الاكبر الذي يساوي بين افراد ومجموعات المجتمع كافة، مضافاً اليها التكافؤ العادل في الفرص مع الاقرار بالاختلاف والتفاوت الطبيعيين، غير المفتعلين، وهما في طليعة الاسس في بناء جسور الانتماء والمواطنية المشاركة في صناعة الذات والمجتمع والوطن .
رابعاً: الدولة بحسب عالم السياسة الاميركي “وولف” – مفهوماً ودوراً – ضعفت في وجوديتها وكينونتها عبر التاريخ وقلّ الاهتمام بها بسبب اربعة توجهات فكرية صنعت العالم الحديث وهي: مدرسة الفكر الفوضوي (الفوضوية)، مدرسة الفكر المحافظ (المحافظة)، مدرسة الفكر الليبرالي (الليبرالية) والماركسية . ففي لبنان انتصرت كل من الليبرالية والفوضوية على حساب الدولة عبر تاريخه، فالاولى ابعدت الدولة عن ثقافة المواطن تحت ستار الحرية المفرطة وفصلت بين الدولة والمجتمع المدني بحقوق ملكيته الخاصة وتكافؤ الفرص الفردية لاستغلال قدرات المجتمع، والثانية قضت على فكرة الدولة كونها شراً لا بد من القضاء عليه لنصرة علاقات التراضي والتوافق والتوليفات بدلها.
فوقعت الدولة في ازمة مجتمعية وانفصمت علاقتها بالمجتمع بين من لا يرى فيها سوى دخيلاً فضولياً على سيرورة حياته وبين من يتقاسمها تحت شعار التعددية، وقد قسم عالم السياسة والاجتماع “ديفيد هيلد” بين اربع نظريات للدولة رأى من خلالها ان وحدها الدولة الفاعلة والمستقلة التي لا تكون مجرد اداة او حلبة صراع بين مكوناتها المجتمعية هي القادرة على استعادة المبادرة والعودة الى مكانتها كفاعل يستوي على الاقل في اهميته مع الفاعلين الاخرين ان لم يكن متفوقاً عليهم وقد اكد عالم الاجتماع الالماني “ماكس فيبر” هذه الخلاصة في تحليله المنظور التعددي للدولة كما في لبنان ذات التركيبة المجتمعية التعددية .
خامساً: اذا كانت العودة الى تطبيق واحترام وثيقة الوفاق الوطني في الطائف اساس العقد الاجتماعي المرتجى، فان على اللبنانيين ان يدركوا ان اي عقد اجتماعي واي تطبيق سليم ومتوازن للطائف لا يمكن ان يتم بمعزل عن تعزيز ثقافة الدولة والعودة الى الاستظلال في كنفها، بدأ من مؤسساتها وقوانينها وصولاً الى حق الخيار المعطى لكل مواطن ومكون مجتمعي ثقافي او سياسي او طائفي في اختيار من يراه الافضل والامثل للتعبير عن تطلعاته، من خلال نظام انتخابي يعيد الصوت الى من لا صوت لهم ويوازن بين التعددية وقوة الدولة، لا الاستمرار في التضحية بالدولة لحساب تعددية مفتتة ومشرذمة .