قضاء دير الأحمر… حلمٌ يتحقّق بـ”همّة رجال الدير”

يدور البحث في الأروقة السياسية عن صِيَغ لقوانين الإنتخاب تؤمّن صحّة التمثيل وتعيد للصوت المسيحي إعتباره خصوصاً في المناطق المختلطة والتي يهبط نوابها بـ”الباراشوت”، ومن بينهم النائب الماروني في بعلبك.

بَين الدستور والقوانين من جهة والواقع على الأرض من جهة أخرى فرق شاسع، فقد نصَّ “اتفاق الطائف” على إجراء الإنتخابات النيابية على أساس المحافظة بعد تعديل التقسيمات الإدارية، وبالتالي سعت كلّ منطقة لأن تكون محافظة بحدّ ذاتها، علماً أنّ المحافظات اللبنانية التقليدية هي 5 (بيروت، البقاع، الشمال، جبل لبنان، والجنوب)، لكن تمّ إقرار 3 محافظات بعد “الطائف” هي: النبطية، عكّار، وبعلبك- الهرمل، وقد سلكت المراسيم التنظيمية للمحافظات الثلاث طريق التنفيذ وعُيِّن محافظ لكلّ منها.

“المقعد لنا”

يعود الحديث عن إعادة النظر في التقسيمات الإدارية مع إقتراب الإنتخابات النيابية، وكثُر الكلام عن عودة قانون “الستين” مع إدخال بعض التعديلات التجميليّة عليه، على غرار نقل المقعد الماروني من طرابلس الى البترون وهذا أمر منطقيّ، والمقعد الماروني من بعلبك الى بشرّي.

لم يهضم أهالي دير الأحمر والبلدات المارونية المجاورة إمكانية خسارة مقعدهم، فهم وإن كانوا يعلمون أنّ القانون الحالي يمنعهم من إختيار نائبهم بفضل “البلوك” الشيعي المهيمن، لكنّهم يعتبرون أنهم دفعوا دماً للبقاء في أرضهم.

فهم تربطهم علاقاتٌ عائلية مع بشرّي، ويشكّلون إمتداداً جغرافياً للعرين الماروني التاريخي من العاقورة مروراً بتنورين وصولاً الى بشريّ وإهدن، ويعتبرون أنّهم يحمون ظهر هذا العرين، وقد قاتلوا من أجل الدفاع عن لبنان الـ10452 كلم مربع، وقدّموا الشهداء في أحزاب المقاومة اللبنانيّة عموماً و”القوات اللبنانية” خصوصاً عندما حاول الفلسطيني جعل لبنان البلد البديل وعندما فرض السوري سيطرته على لبنان.

غياب التأثير

يطالب أهالي دير الأحمر الذين عوقبوا طوال فترة الوجود السوري بقانون انتخاب يؤمّن صحّة التمثيل، وتتحدّث فاعليات المنطقة عن صيَغ عدّة أهمّها النسبيّة أو حتى النظر في التقسيمات الإدارية وإعلان دير الأحمر قضاءً. فالدير يقع ضمن قضاء بعلبك الذي يشمل 8 نوّاب موزَعين على الشكل الآتي: ماروني- كاثوليكي- 2 سنّة- 4 شيعة، وقدّ ضُمّ قضاء الهرمل بنائبَيه الشيعيّين اليه وفق قانون “الستين” إرضاءً للرئيس الراحل صبري حمادة آنذاك ولكي يتمكّن النهجُ الشهابي من دعم أحد أبرز أركانه، وبالتالي بات الصوت الشيعي غالباً بعد الحرب الأهلية التي أحدثت تغيّرات ديموغرافيّة نتيجة الهجرة المسيحية، إضافة الى نموّ الديموغرافيا الشيعية وإنحسارها ضمن إطار حركة “أمل” و”حزب الله” ما جعل الصوتَ المسيحي بلا تأثير يُذكر.

سلسلة بلدات

بعيداً من الصيَغ الإنتخابية المطروحة، يكمن الحلّ الأبرز وفق كثيرين بإعلان دير الأحمر قضاءً ضمن محافظة بعلبك- الهرمل، ويرفض الأهالي وصفَ هذا المطلب بالتقسيم بل إنّه عملٌ إداري.

فمن جهة يؤمّن صحة التمثيل الماروني ومن جهة أخرى يُسهّل معاملاتهم الإدارية، علماً أنّ منطقة الدير متكاملة جغرافياً ويبلغ عدد سكّانها نحو 34 ألف نسمة، فيما هناك 16 ألف ناخب ماروني ضمن قرى الإتحاد، عدا السكّان الموارنة والناخبين في القرى المجاورة.

ترتكز فكرة إعلان دير الأحمر قضاء الى معطيات جغرافية وسكّانية، حيث يتشكّل في المنطقة إتحاد بلديات يضمّ 9 بلديات، هي: دير الأحمر- شليفا- عيناتا- برقا- القدام- نبحا- بشوات- الزرازير وبتدعي. فيما هناك قرى بلا بلدية، وأبرزها: مزرعة بيت مطر- مزرعة بيت داغر- مزرعة بو صليبي- المشيرفة- البليقة- المشيتية- صفرا- عيون أرغش- الحرفوش- اليمونة- مرح بيت أبي يونس- قرنة بيت حبشي- ربيعة- ومرسل.

هذه البلدات تتألف من غالبية مارونية وإذا أرادوا توسيع القضاء ليضمّ مقعداً مارونياً وآخر شيعياً يمكن ضمّ بلدات شيعية في الدير مثل قليلة- بيت متلج- ريحا- الكنيسة- رام- الجوبانية- دار الواسعة- فلاوى- وبوداي، وبالتالي يصبح هناك نحو 40 ألف ماروني و20 ألف شيعي.

موقف الكنيسة

تَدعم الكنيسة المارونية موقف أبنائها في إيجاد إطار يعملون من ضمنه ويحمي وجودَهم من الذوبان في المحيط الأكبر، مع تأكيدها على العيش المشترك. وفي هذا الإطار، يؤكّد راعي أبرشيّة بعلبك- دير الأحمر المارونيّة المطران حنّا رحمة لـ”الجمهوريّة” أنّ “مطلب إعلان الدير قضاء أمرٌ حيوي”، معلناً أنّه يرفض رفضاً قاطعاً كلّ الصيَغ التي تتحدّث عن نقل المقعد الماروني من المنطقة الى بشرّي.

ويقول: “نقبل بهذا الأمر بشرط واحد، هو أن تشقّ الدولة نفقاً من دير الأحمر الى بشرّي ليتسنّى لنا العبور اليها، ففي الشتاء ونظراً لإنقطاع طريق عيناتا- الأرز بالثلوج يكلّفنا المشوار الى بشري نحو 6 ساعات”.

ويشدّد رحمة على أنّ “بعلبك- الهرمل أُعلنت محافظة، وبالتالي يحقّ لنا أن نطالب بإعلان دير الأحمر قضاء، فنحن نريد أن ننتخب ممثّلنا في مجلس النوّاب بحرّية، لكنّ هذا الأمر لا يعني أننا نريد التقسيم في المنطقة، فهناك قرى مارونية كثيرة في بعلبك لا نستطيع ضمّها الى الدير بسبب البعد الجغرافي، كما أننا لا نمانع بضمّ قرى شيعية الى القضاء الجديد إن حصل وليصبح هناك نائبان أحدهم ماروني وآخر شيعي”، مؤكّداً “أننا مع التعايش في المنطقة مع إخواننا المسلمين، لكننا نرفض أن يأخذ أحدٌ حقّنا”.

التحضيرات اللوجستية

قد لا يحصل إعلان دير الأحمر قضاء بهذه السرعة لأنه قد يواجه رفضاً سياسياً من مرجعيات شيعيّة على سبيل المثال أو قد تتفهّم تلك المرجعيات مطالب جيرانها، لكنّ بلديات الدير تعمل على أساس المطالبة بهذا الأمر، وتضع الأسس للقضاء، إذ تضمّ المنطقة قلم نفوس، مركز أمن عام، مركز دفاع مدني، مخفراً للدرك، ومراكز ومؤسسات عدّة.

وفي السياق، يؤكّد رئيس اتحاد بلديّات دير الأحمر جان فخري لـ”الجمهوريّة”، أنّ “الإتحاد والفعاليات والبلديات يحضّرون كلّ ما يلزم للمضي في إنشاء قضاء، والأمر يحتاج الى تحضيرات لوجستية وإنشاء عدد من المؤسسات وهذه الأمور ندرسها بعناية، ونحن نطالب بهذا الموضوع وفكرة القضاء تتبلور رويداً رويداً”.

ويشير الى أنّ “ما يؤخّر هذا الأمر هو أنّ أسس محافظة بعلبك- الهرمل لا تزال توضع وهي محافظة جديدة العهد، وهناك أمور ندرسها مثل امتداد القضاء، وهل سيكون مارونياً صرفاً أو مختلطاً خصوصاً أنّ هناك بلداتٍ مختلطة”.

“القوات” والأهالي

مرّ على دير الاحمر نوابٌ كثر قبل اتفاق “الطائف” أبرزهم مرشد حبشي من ثمّ طارق حبشي، وبما أنّ اللعبة السياسية والانتخابية كانت مفتوحة حينها، فإنّ صبري حمادة كان دائماً يشاور أهالي الدير في اسم المرشح الماروني على لائحته. أما بعد “الطائف” فقد أصبحت المحادل تأتي بالنواب، وانتخب كلّ من ربيعة كيروز في دورتَي 1992 و1996 من ثمّ نادر سكر في دورتَي 2000 و2005، وأخيراً اميل رحمة في انتخابات 2009.

تدعم “القوات اللبنانية” التي تُعتبر القوة الممثلة للدير مشروع إنشاء القضاء، ويؤكد مسؤولها في المنطقة مسعود رحمة لـ”الجمهورية” أنّ “الحزب هو من أشد الساعين الى هذا المشروع، وقد كان هناك طلب في العهد السابق بتقسيم محافظة بعلبك- الهرمل الى 5 أقضية لأنّ مساحتها شاسعة ولتسهيل أمور الناس، وحالياً سنحرّك الطلب في العهد الجديد مجدداً، لأنه أصبح هناك رئيس للجمهورية و”القوات” عادت الى السلطة”.

ويعلن رحمة أنّ “نقلَ المقعد الماروني الى بشري غير وارد إطلاقاً حتى عند الدكتور سمير جعجع الذي نتواصل معه وهو المرجعية الوحيدة التي تتابع شؤون المنطقة لأنّ نائبنا لا يمثّلنا، وللأسف ونتيجة القانون الحالي، إنّ مَن يفوز بالنيابة لا يمثلنا فيما يريد أهالي الدير انتخابَ مَن يمثلهم، والدليل أنّ النائب رحمة نال نحو 200 صوت من أصوات أهالي الدير وفُرض نائباً علينا”.

ويشدّد رحمة على “أهمية إعلان القضاء لأنه يثبّت الناس في أرضهم ويخلق فرص عمل نتيجة وجود مؤسسات”، نافياً السعي الى التقسيم “لأننا لا نطالب بكانتون مسيحي، وإذا شاءت التقسيمات أن تمتد نحو القاع ورأس بعلبك، فيشكل بالتالي قضاء من 4 نواب هم: ماروني، كاثوليكي، سنّي، شيعي فنحن نرحّب بالأمر”، مؤكّداً أنّ “العلاقة مع الشيعة أخوية وهناك اتصال دائم معهم، واذا ذهبت قوى الأمر الواقع، فهم لا يمانعون إنشاءَ القضاء ومنحَنا حقوقنا”.

لا يُنكر أحد وجود دوافع سياسية وراء مطلب القضاء، لكنّ هدف الإنماء لا يغيب عن بال الأهالي، خصوصاً أنهم عوقبوا طوال فترة الإحتلال السوري، وحان الوقت ليُرفع الحرمان عنهم وعن كلّ لبنان مع العهد الجديد، ويبقى أمل أهالي الدير قائماً طالما أنّهم موحّدون أولاً حول هذا المطلب، ورجاله يسعون له بهمّة وعزم، والكنيسة تقف معهم، فيما “القوّات” ممثلهم الأساس تدعمهم في مطلبهم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل