
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1594
لم يعتد الرأي العام اللبناني على فريق سياسي يعلن ما يضمر، ويتكلم بوضوح بعيدا عن اللف والدوران، وسياسته دائماً فوق الطاولة لا تحتها، ويلتزم بأقواله ومواقفه، وممارسته لا تتناقض مع خطه بل تتكامل وتتطابق مع ثوابته، وبالتالي لا يلام الرأي العام إذ شكك بأمر ما بفعل تجربته مع القسم الأكبر من الطبقة السياسية.
وأي مراجعة لتاريخ “القوات” تقدم أوضح صورة على وضوح السياسة القواتية إن في تحالفاتها او في مواقفها، وما ينطبق على الماضي ينسحب على الحاضر والمستقبل. ولعل مناسبة هذا الكلام ما أثير ويثار حول العلاقة بين “القوات اللبنانية” و”حزب الله”.
ويخطئ كل من يظن ان “القوات” تتجنب إثارة قضايا وملفات من هذا القبيل، فلو أرادت، على سبيل المثال، الدخول في حوار مع الحزب لما ترددت لحظة واحدة في إعلان ذلك، بل كانت عرضت الأسباب الموجبة التي دفعتها إلى قرار من هذا النوع، حيث لا يوجد ما يبرر عدم إعلانها للحقيقة.
وعلاقة قيادة “القوات” بقواعدها وجمهورها تجعلها واثقة من ان اي خطوة ستقدم عليها ستكون كل القاعدة القواتية معنية بها ومدافعة بشراسة عنها، وبالتالي كل الكلام عن حوارات ثنائية ولقاءات بعيدة عن الإعلام لا أساس لها من الصحة، حيث ان “القوات” تملك كامل الجرأة لتسمية الأمور بأسمائها.
ولكن حقيقة الوضع ان العلاقة مع “حزب الله” لم تتجاوز الرسائل الإيجابية في الإعلام، ولن تتجاوز حدود التعاون داخل مجلسي الوزراء والنواب، أو التقاطع على قانون انتخاب على غرار التقاطع على انتخاب الرئيس ميشال عون، وهذا الأمر بحد ذاته جيد كونه يؤدي إلى مزيد من التبريد السياسي والاستقرار السياسي الذي يساهم في تحصين الوضع الداخلي وتحقيق الإنجاز تلو الإنجاز.
فالمطلوب في هذه المرحلة الحفاظ على الاستقرار والانتقال من التعطيل إلى التفعيل والابتعاد قدر الإمكان عن العناوين الانقسامية طالما ان حلّها يبقى مستحيلا، وعندما يحين أوان بحثها جديا يكون لكل حادث حديث، ولكن لا يجوز تعليق حياة الناس على قضايا غير قابلة للحل، ما يقتضي تنظيم الخلاف بانتظار الظروف المناسبة.
ومن هنا لا حاجة لحوار ثنائي بين “القوات” و”حزب الله” لأنهما، كما قال الدكتور سمير جعجع، ليسا في وارد التسلية، حيث ان “القوات” لا يمكن ان تدخل إلى اي حوار إلا وفق قاعدتين أساسيتين: التثبت من جدية الحزب في الدخول في عمق الأزمة اللبنانية المتصل بمشروع الدولة في لبنان الذي يشكل وحده المشترك بين كل اللبنانيين وخشبة الخلاص من الصراع القائم، والقاعدة الثانية تتمثل بوضع سقف زمني محدد، لانه لا يجوز ان يتحول الحوار إلى حوار للحوار من دون طائل.
فالظروف لحوار من هذا النوع غير موجودة، وما ينطبق على المسيحيين والشيعة لا ينسحب على السنة والشيعة، حيث ان الحوار بين “المستقبل” والحزب قد يكون له مبرراته من زاوية منع انتقال الفتنة السنية-الشيعية إلى لبنان وتبريد المناخات داخل الشارعين السني والشيعي، فيما لا توتر من هذا القبيل بين المسيحيين والشيعة يستدعي حوارا لإبعاد شبح الفتنة او الصراع الطائفي.
ويبقى ان الرسائل الإيجابية بين “حزب الله” و”القوات” أدت إلى ترييح الأجواء السياسية، خصوصا انها تزامنت مع انطلاقة واعدة للعهد الجديد، ولكن إذا كان الحزب ليس في وارد التخلي عن مشروعه الإقليمي، فإن “القوات” ليست بدورها في وارد التخلي عن مشروعها اللبناني المرتكز على دولة سيدة على أرضها، وفي الانتظار لا بأس من استقرار يساهم في دفع مشروع الدولة قدما من خلال تعزيز الدور المؤسساتي وتحصين الدستور واتفاق الطائف، وتكفي المقارنة بين ما كان عليه البلد قبل انتخاب الرئيس عون واليوم للتثبت من ان خيار الدولة حقق أهدافا مهمة.
فالتعاون مع كل الأطراف هو أمر مطلوب، كما ان التقاطع على ملفات محددة يشكل حاجة بدوره، وبالتالي سيتم الاكتفاء في هذه المرحلة بهذا القدر بانتظار ان تكون استوت ظروف التسوية في المنطقة، وعندذاك لكل حادث حديث.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
