
كتب العميد الركن (م) وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1594
وقعت تركيا خلال العقد الأخير بأزمات المنطقة: العراقية، السورية، الفلسطينية وأزماتها الداخلية التاريخية والمستجدة. معظم هذه الأزمات ناتج عن البحث عن هوية جديدة، والأزمات المستجدة في المنطقة. إنها الجغرافيا التي تتحكّم بمسار الشعوب ومستقبلها.
قبل مئة عام تقريباً، فرض أتاتورك العلمنة على تركيا، وأحدث انقلاباً جذريّاً في لغتها، من حرفٍ عربي إلى حرف لاتيني. عرض عليه بعض المسلمين العرب في حينه، إحياء الخلافة والإعتراف به كخليفة للمسلمين، فرفض واتجه إلى أوروبا، ليدخل بنيتها كجزء من ناديها السياسي، باعتبار أن 5 في المئة من جغرافيتها، الواقعة غربي بحر مرمره الفاصل بين القارتين الآسيوية والأوروبية، يشكل جزءاً من القارة الأوروبية. وهكذا نجحت تركيا، بفضل مؤسس جمهوريتها، الجنرال مصطفى كمال أتاتورك (أبو الأتراك )، الذي كان له الفضل الأول والأخير في إعادة توحيدها ومنع تفكُّكها إلى دويلات عرقية، نجحت في أن تفك ارتباطها بحمل الخلف الآسيوي الثقيل، والتركيز على الإرتباط بأوروبا؛ لتصبح عضواً عسكرياً أساسياً في حلف شمالي الأطلسي.
لم تكتف تركيا بهذا الدور العسكري والإلتصاق السياسي بأوروبا؛ إذ حاولت منذ عام 1959 ولا تزال الدخول إلى نادي “الإتحاد الأوروبي”. لكنها كانت دائماً تصطدم بدول الإتحاد، التي تضع شروطاً للراغبين في الإنتماء إلى النادي؛ شروط، لم تتمكن تركيا طيلة ستة عقود من تحقيقها للدخول إلى الإتحاد ( حقوق المرأة ، القضاء، الإعدام، الحريات العامة ،قضية الأكراد، التمييز العرقي والديني…..)، وغيرها من الأمور التي لم يتمكن المجتمع التركي، التائه بين العلمنة والأسلمة من تجاوزها.
حاول، مراراً، الشعب التركي هجر العلمانية لصالح تفعيل الدور الديني في الدولة، عبر انتخابات نيابية حرة؛ لكن الجيش، الذي يعتبر في تركيا حامياً للعلمانية، لأن مؤسس الجمهورية والذي فرض العلمانية في الدولة، أتاتورك، كان ضابطاً في الجيش وهو في نظر جميع الأتراك بطل قومي ورمز لتركيا الجديدة لايمكن تجاوزه، كان الجيش يعيد العلمنة بالقوة إلى الدولة ويسقط الأنظمة الجانحة نحو التفعيل الديني. وكانت آخر مآثر هذا الجيش، إجبار حكومة نجم الدين أربكان رئيس حزب “الرفاه ” الإسلامي، على الإستقالة عام 1998 ومعه رجب طيب أردوغان (الرئيس الحالي لتركيا ) الذي أدخل السجن في حينه، وكان عضواً في حزب “العدالة” ورئيساً لبلدية اسطنبول.
أسس أردوغان بعد الإعتقال، حزباً إسلامياً معتدلاً منبثقاً عن حزب “الرفاه”، ومن ثم حزب “الفضيلة” الذي لم يعش طويلاً؛ أطلق عليه إسم “حزب العدالة والتنمية”؛ ونجح عن طريق الإنتخابات، في الوصول إلى السلطة في شهر تشرين الثاني عام 2002. مفتتحاً مرحلة جديدة من الحكم الديني المخفف وعودة الصراع المفتوح بين النظام الجديد والمفاصل العلمانية للدولة . وبالرغم من كثافة تصاريحه حول احترام العلمنة داخل الدولة ، كان أردوغان يعمل يومياً على إضعاف دور هذه العلمنة؛ بقضم مراكز نفوذها في الإدارة والجيش والقضاء…. ما عزّز النزعة الدينية لدى الشعب التركي.
ردة الفعل الأولية لدى أردوغان على الإتحاد الأوروبي، كانت بمواقفه المتصلبة تجاهه فالإتحاد لايزال يرفض دخول تركيا إليه بسبب عدم ملئها للمقاييس المفروضة على الدول الراغبة بالدخول إلى ناديها؛ وكان أردوغان يتهمها بأنها “نادي مسيحي” يرفض تركيا لأنها دولة إسلامية. فقرر العودة إلى التاريخ، إلى “التركوفونية”؛ إلى الدول الخمس في آسيا الوسطى الناطقة باللغة التركية. حاول الدخول إلى هذه الدول عن طريق اللغة والإعلام والتاريخ…. لكنه اصطدم بحاجزين أساسيين: اختلاف اللغة التركية بين تركيا التي تكتبها بالحرف اللاتيني وبقية الدول التي تستخدم الحرف العربي. أما الحاجز الثاني فكان الهوة الواسعة والمختلفة بين الثقافة التركية التي صبغتها أوروبا بلونها المتطور، وثقافة بقية الدول الخمس التي لاتزال تعاني من ظلم الجغرافيا قابعة في مجاهل آسيا الوسطى بعيداً عن بقية الحضارات المتقدمة.
بعد فشله في آسيا الوسطى مع “التركوفونية”، استدار أردوغان باتجاه العالم العربي الإسلامي بمعظمه وباتجاه القضية الفلسطينية. حاول استغلال هذه الأخيرة مع تل أبيب عام 2009 ولم ينجح؛ فعاد وتصالح مع هذه الأخيرة. بالنسبة الى العالم العربي، حاول الدخول إليه عبر حزبه الإسلامي المعتدل، حزب “العدالة والتنمية” والذي تعتبره الدول العربية الإسلامية حزباً منبثقاً عن حزب الإخوان المسلمين، الذي يلقى رفضاً قاطعاً من جميع الدول العربية؛ ولا يزال أردوغان يتخبّط في التعامل مع هذه الدول العربية المسلمة. فأردوغان يرغب في استغلال وضع تركيا الديني وحزبه الحاكم، لتحويل تركيا إلى دولة استقطاب في منطقة الشرق الأوسط؛ لكن الدول العربية ، التي رحّبت أصلاً باستدارته نحو الشرق ، وعلى رأس المرحبين مصر والسعودية ، أخذت تتوّجس من طموحات الهيمنة لديه ، بإسم الإسلام وحزبه المرفوض أصلاً من قبل معظم أنظمة دول العالم العربي.
حاول أردوغان استغلال الربيع العربي، بتغذية الحركات الدينية للدخول بواسطتها إلى مفاصل الأنظمة. وتطورت الأحداث فوق الساحة السورية، لتجعل الإسلام المعتدل وإسلام أردوغان في حزب العدالة والتنمية، مستهدفين كغيرهم من الحركات الإسلامية المعتدلة، من قبل المنظمات الدينية المتطرفة وعلى رأسها “داعش”. وهكذا تحوّل الإنفتاح التركي على العالم الإسلامي العربي، من محاولة دخول وهيمنة عبر الأحزاب الدينية المعتدلة، إلى كابوس يهدد استقرار الساحة التركية الداخلية، المثقلة أصلاً بأزمات تاريخية لاتزال متوقدة فوق أرضها.
الأزمات الداخلية في تركيا تاريخية ومستجدة، وعلى رأسها الأزمة الكردية. فالأكراد في تركيا يشكلون لها معضلة تاريخية مزمنة ، لايمكن لتركيا تجاوزها من دون الإعتراف للأكراد بهويتهم الخاصة؛ عددهم يتراوح بين 15 و19 مليون كردي يعيشون فوق الجغرافية التركية ، محرومون من كل أنواع العدالة والمساواة والجهر بثقافتهم الخاصة منذ مئة عام. فبعد أن منحتهم عصبة الأمم، بعد الحرب العالمية الأولى، دولة واستقلالاً فوق أرضهم، هاجمهم مصطفى كمال أتاتورك وأسقط دولتهم وأصبحوا جزءاً من الدولة التركية. ولا يزالون حتى اليوم يناضلون للحصول، على الأقل، على حقوق إنسانية مشروعة داخل النظام التركي .
الأزمة السورية دفعت بتركيا للتدخُّل عسكرياً فوق الأرض السورية والعراقية لهدفين. الأول، حجز موقع متقدم لها داخل النظام السوري الذي سيخلف الأسد؛ وهي على قناعة تامة بأن نظام الأسد زائل لامحالة. الثاني، ضبط الوضع الكردي في كل من سوريا والعراق، تحت سقف يحدُّ من تأثيره في أكراد تركيا. وهكذا وجدت تركيا نفسها منغمسة في أزمات المنطقة، ذات التأثير السيء على مصالحها ودون أن تكون هي صاحبة القرار الأساسي في إدارة هذه الأزمات.
الأمر المستجدّ الذي لم تكن أنقره لتتوقعه، كان الدخول الروسي العسكري المفاجىء إلى سوريا، وإمساكه بشكل كامل بهذه الورقة؛ ما أجبر أنقره على التنسيق معه خدمة لمصالحها العديدة المشتركة سابقاً وتلك المستجدة حالياً بسبب التدخل؛ ما أدى إلى إضعاف دورها فوق الساحة السورية، لصالح حلف بات واضحاً مؤخراً بين أنقره وموسكو، على حساب جميع القوى الناشطة والمتصارعة فوق الساحة السورية. فكان لابد لبعض المعارضين للنظام ومعهم الإرهابيين، من الإنتقام من أنقره التي تتحالف مع الجيش الروسي الذي يقتل المدنيين في حلب. وهكذا نشط الإرهاب فوق الساحة التركية من مصادر عديدة: داعش، حزب العمال الكردستاني، فصائل معارضة متطرفة، إنقلابيين فاشلين في تركيا …… كلها تريد الإنتقام من تركيا لأسباب خاصة بكل من هذه المجموعات.
اليوم تشترك أنقره مع موسكو في البحث عن إيجاد حلٍّ للأزمة السورية في آستانة عاصمة كازاخستان. طبعاً نتائج آستانة لاتتعدى كونها تمهيدية لمؤتمر دولي آخر أوسع وأشمل. لكن مهما كانت النتائج في كازاخستان، فإن تركيا ستستمر ساحة جديدة واسعة مفتوحة للإرهاب العرقي والديني والتظلُّمي لفئة من المواطنين الأتراك؛ لأن تركيا لاتزال تبحث، بعد مئة عام من أتاتورك، عن هوية ضائعة بين نظامي العلمنة والدين، بين مصطفى كمال أتاتورك ورجب طيب أردوغان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]