#adsense

في سجنه قائد

حجم الخط

كتب جورج عبد المسيح في “المسيرة” – العدد 1594

كان وقع إعتقال سمير جعجع، كالصاعقة على فئة كبيرة من المجتمع المسيحي .

فهو القائد الذي خاض الحروب، وواجه الكبار، واستحق موقع القيادة بجهده الشخصي .

هو جزء من الأسطورة للمسيحي الملتزم، الذي يؤمن بأن الإضطهاد والصلب هو جزء من الإيمان .

هو القائد لرجال أشداء، قاتلوا الأعداء بشراسة قلَّ نظيرها .

هو المتولوجيا المسيحية، حيث يواجه القائد التنين، فيصرعه وينقذ النساء والأطفال.

هو سمير جعجع القائد، المناضل والشهيد الحي المعتقل بين أيدي جلاديه .
مرًت علي بعد اعتقاله ليال طويلة، كنت أستيقظ لأسأل نفسي، كيف ينام ؟ كيف يؤتمر؟ كيف يتصرف مع جلاديه؟ هل يواجه؟ هل يتعذب؟ ماذا يأكل؟ كيف …؟ كيف …؟ وكيف؟

كانت الأخبار الشحيحة التي تصلنا لا تروي الغليل .

مرت الأشهر، مرت السنوات حتى جاءني الجواب :
بحكم عملي في مجال الإعلام، لي أصدقاء ومعارف إعلاميون. تبين لي أن أحدهم، له علاقة وطيدة بفريق الإعتقال والحماية المسؤول عن السجن .

تحاملت على مشاعري واستعدت العلاقة الإجتماعية به .

قصدته لهدف استدراجه للإجابة على الأسئلة التي تجول في خاطري .

بعد عدة زيارات، سألته إذا كان لديه معلومات عن هذا الموضوع ؟

فأجابني حرفياً :

“كان أمام سمير جعجع، شهر واحد من تاريخ اعتقاله. فإما أن ينهار وإما أن يضعف  وإما أن يواجه. حسب علماء النفس الذين تمت استشارتهم، الإنهيار هو الإحتمال الأول والضعف هو الثاني، أما المواجهة فاحتمالاتها أقل من واحد بالمئة، لكنها واردة .
في الشهر الأول تم التعاطي معه على أساس أنه سينهار، ووضعت خطة لتحقيق هذا الإحتمال، لكنه لم يسقط .
بعد شهر تم التعاطي معه على أساس أنه سيضعف، فتم وضع خطة لتطويعه مثلاً :
تمت دراسة حاجاته الملحة، وتم حرمانه منها تدريجياً، كي يعتاد أن يطلبها مراراً، وهذه إحدى وسائل تطويعه .
منع من مقابلة زوجته وأهله .
مُرِّرت له معلومات كاذبة بهدف دفعه للإنهيار النفسي، وكان أكثر ما يؤذيه تعذيب رفاقه من الشباب المعتقلين أمامه والطلب إليهم شتمه تحت التعذيب.

لقد تم استعمال كل الوسائل لإخضاعه، أوانهياره، فاستسلامه.

لكنه صمد وواجه.

تخلى عن العديد من حاجياته، واكتفى بما يقدم له، فصنع لنفسه عالماً خاصاً .
كان يتصرف كناسك في محبسة، صقل نفسه وجسده، فأصبح تمثالاً من صخر، يتنفس، يفكر ويعيش في عالمه الخاص، كأنه يهزأ بنا” .
كان هذا الرجل يكلمني  بثقة بالنفس. زودني بمعلومات عن بعض الأحداث التي تظهر مدى صلابة الحكيم وذكائه الخارق، حيث كان يواجه وحده المؤامرات .
سألته: وما تقييم هذا المسؤول الذي أطلعك على هذه المعلومات لشخصية سمير جعجع ؟
فأجابني: “هذا المسؤول هو ضابط مسيحي و أحد المسؤولين عن السجن، وربما اختير لهذا الموقع، بسبب عدائه الشخصي نتيجة حرب الإلغاء، وقد تكلم بألم، فقال، في الأساس علاقتي بسمير جعجع معروفة بالعداء، لكن نظرتي له اليوم قد تغيّرت .

هذا الرجل يملك صفات القائد، لا يحمي رأسه. يفرض إحترامه عليك والحسرة أن المسيحيين، يفتقدون لقائد، وأن الرجل الذي تكتمل في شخصه المواصفات هو اليوم في السجن .
وأضاف: لديه كاريسما لا توجد في شخص آخر. يتم اختيار حرسه بدقة وتتم حراسته بشكل لصيق، كان الحارس يبدأ علاقته به بعدائية، لكن بعد فترة يتغير تعاطيه.
لديه سحر في شخصيته، يجبر الآخرين على احترامه، مما اضطر المسؤولين عن حراسته، أن يبدلوا حراسه كل فترة .
سألت الرجل: هل تمت مفاوضته، بشأن عقد صفقة معه لإطلاق سراحه؟ فأجاب : “قرار اعتقال سمير جعجع قرار إقليمي، اتخذه الرئيس حافظ الأسد…
حتى على الصعيد الأمني، هناك تقرير عن وضعه يرسل يومياً إلى مكتب الرئيس السوري، وأي تفاوض معه يجب أن يسبقه خضوعه وقبوله بالواقع السوري في لبنان، وهذا الأمر لم يحدث، وحسب توقعي ومعرفتي به لن يحدث، وسيطول وقت اعتقاله طويلاً”.
كان هذا الحديث في شهر تشرين الثاني من العام 1997.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل