#adsense

وينك رشاد؟ ما رح فيك تلحقني … خلص

حجم الخط

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1594

“ابق في البيت رشاد انا طالع يا بني ع الجبهة الدير عم تتهاجم بدنا ندافع بأرواحنا عن الأرض وكرامتنا وناسنا خلّيك مع اخوتك وامك وانتبه علين”، وصفق ابو رشاد الباب خلفه وطار مع رجال الضيعة يصدّ العدوان، وما ان ابتلعه الظلام حتى تسلل رشاد من البيت، لم يحتمل البقاء في الانتظار، جنون الارض عصف به، ندهته تلك الندّاهة الساحرة حين تقرع في قلب مقاتل بالفطرة نداء الشرف، وما أن حطت قدمه أرض النضال حتى ارتفع مبتسما الى فوق “ما تلحقني خيي ما رح تقدر”وصار أول شهيد تقرع له أجراس الدير…

ما اسمك يا شب؟ رشاد هاني شيت ديراني مواليد 1960 في دير الاحمر. انت ديراني اذن، انت مناضل بالفطرة اذن، أنت فلاح ابن فلاحين اذن واذن واذن، وهذه ليست حكايتك لوحدها، لا يمكن الفصل بينك ودير الاحمر، بينك واحمر الشهادة، بينك واولئك الناس الاشداء حين يعقدون الكوفية البيضاء الى رؤوسهم، يحملون المعول في يد والبارودة في اخرى، معول ليزرع الارض من عرق التعب مواسم، وبارودة لتزرع الكرامة في ارض الوطن عنفوانا. هناك في تلك الجرود الصعبة المكللة غالبا بالثلج، عاش رشاد مع عائلته في منزل جده لابيه، هو البكر رفيقه أخوه الاصغر زياد وأختاه، وذاك الطبع الشجاع المتمرّد الذي لا يهاب شيئا الثائر على الغريب، المتعلّق بارضه حتى آخر حبة تراب. “كنا معلقين كتير ببعضنا ويعلمني التايكواندو قال حتى اقدر دافع عن نفسي وقت اللزوم” يقول اخوه زياد.

حزيران العام 1967  كبر رشاد فجأة، توقف عن اللعب والضجيج مع أخيه بسب ضجيج الطيران الذي كان بدأ يحوم فوق الدير ومنطقة البقاع كغراب ينذر بشؤوم ما يخيم على المكان، كان يسأل الكثير من الاسئلة التي تفوق عمره ويستفسر عن كل تحرّك مشبوه.

العام 1969 بدأ يسمع أحاديث مختلفة تدور في ليوان البيت وبين رجال الضيعة، كان بدأ يسمع عما يفعله المسلحون الفلسطينيون والاغراب بلبنان، وبدأ وعيه الوطني يتفجّر فيه كلاما واداء.

العام  1973  اندلعت الحرب بين المسلحين الفلسطينيين والجيش اللبناني وسقط ثلاثة شهداء للجيش من شباب الدير، احدهم كان نكّل به المسلحون وعذبوه قبل استشهاده، غضب رشاد بشكل كبير وقرر ان يتصرّف، ان يشن حربه الانتقامية الشخصية على هؤلاء الغرباء المجرمين، وقرر بمساندة اخيه زياد ان يفعلا شيئا ما يعبّر عن  سخطه الشديد وما عساه يفعل طفل في مواجهة جيش؟ ذهب واخوه الى قن الدجاج واخذا كل البيض وباعوه في الدكان وبثمنه اشتريا دفترا بحجم كبير واقلام تلوين ورسموا على الاوراق كافة اعلاما لبنانية وفي اليوم التالي وزعوها في المدرسة على التلامذة، وعقد رشاد صفقة مع التلاميذ بان يستبدلوا اللعب بفرصة الساعة العاشرة بالاعتصام  في الملعب وانشاد النشيد الوطني اللبناني ورفع الاعلام اياها، وهذا ما حصل، وتنادى المعلمون والراهبات جميعا حين سمعوا النشيد وبتأثر بالغ اعلن الجميع عن القيام بتظاهرة حاشدة تنطلق من ساحة البلدة والكنيسة لتشمل كل ساحات الضيعة، وبمشاركة الاهالي ومسؤولي الضيعة انطلقت التظاهرة مطالبة برحيل الغرباء عن لبنان وبمساندة الجيش اللبناني. كان قلب رشاد يرقص فرحا، نجح الرجل الصغير بان يكون في الموقع الذي يحب، مناضلا وان كان لا يحمل بندقية بعد. حمل علم بلاده بح صوته من الصراخ لاجله قبل ان يلفه العلم بضجيج الكرامة.

اندلعت الحرب العام 1975، جنّ لبنان بالغرباء والاحتلال والحرب الضارية بين اهل البلد، صارت الارض متاريس والشباب صور منشورة على حيطان المدينة والضيعة، كان رشاد في طرابلس بمدرسة “الكرمليت” يتلقى دروسه، وكان نوّار شهر العذراء مريم، عرف ان الحرب اندلعت وان دير الاحمر تحت الخطر الشديد، فقطع يومه الدراسي وقرر العودة الى الضيعة وما كان معه مال، وقف على الطريق وتسلّق شاحنة وجلس في صندوقها من دون معرفة السائق، ولما وصل الضيعة فوجىء اهله به، حاول والده اقناعه عبثا بالعودة، لكنه كان اتخذ قراره النهائي بالبقاء الى جانب اهله في الدير للدفاع عنهم وعنها.

…وجاء ليل 30 حزيران الاسود، حوصرت دير الاحمر بالمسلحين الفلسطينيين والسوريين والمرتزقة، أغراب ينعقون موتا بأرض الوطن، بارض الدير المقدسة، دافعت سيدة بشوات عن الناس ودافع الناس عن ارضهم، وسقط ملحم مبارك اول شهداء الضيعة على تخومها مضرجا بكل ذاك المجد حين تلحق بيسوع اول الثوار اكبر الشهداء، لم يحتمل البقاء من دون مقاومة، فطلب رشاد من والده السماح له النزول الى كسروان للالتحاق بدورة تدريب على السلاح مع شباب الكتائب، رفض والده خوفا عليه، لكن ونزولا عند الحاحه الشديد تولى  تدريبه واخيه على كيفية استعمال السلاح هو المتقاعد أساسا من الشرطة، وبعدما كان أهالي الدير نصبوا المتاريس عند حدود الضيعة ومداخلها.

كيف تصف دفاع اهل دير الاحمر عن أرضهم؟ تكتب بعضا من كلمات تبدو تافهة حين تروي قصة حقيقية مؤلمة مفرحة تشبه الملحمة، باسنانهم دافع اهل الدير عن ترابهم، بارواحهم برجالهم بنسائهم بشبابهم، وقفوا واحدا ضد أغراب وحوش ما اردوا الا ان يزرعوا الموت علهم يحصدون الذل وما تمكنوا، زرعوا الاستشهاد وحصدت الدير مواسم العز والتاريخ يشهد ورشاد يشهد.

كان ليل بارد يغزوه الضباب، 13- 14 كانون الثاني العام 76،  شن الفلسطينيون وسوريون ومرتزقة هجوما بريا على الدير  بتغطية من قصف مدفعي عنيف، هبّ الرجال بكل ما أوتوا من قوة للدفاع عن ارضهم وبما توافر لهم من اسلحة فردية واسلحة صيد وما شابه، تاركين النساء والاطفال في منازلهم، خرج ابو رشاد الى الحرب، العائلة بحماية رشاد، انتظر الشاب ان يغيب والده في ضباب المكان، وضجيج الحرب يدوي بعنف في مفاصله، ما تحمل البقاء والقرية تتهاوى تحت وقع الضربات، فذهب الى ابن عمه وبعض الشباب ورسموا خطة عسكرية تقضي بان يتوزعوا على جبهاتهم وان يساندوا الرجال لناحية تأمين الذخيرة والماء والغذاء للمقاتلين، وفيما كان رشاد ورفيقاه طوني وسمير في طريقهم الى الجبهة اقترح طوني ان يطمئن اولا على اخته التي يقاتل زوجها في بيروت مع الكتائب، فسقطت قذيفة بينهم، زحفوا الى ان تمكنوا من الوصول الى بيت ممرضة كان قريبا، حاولت الممرضة انقاذهم، لكن رشاد كان نزف الكثير من دمائه وما صمد البطل، ارتفع شهيدا قبل ان يكمل مهمته…

كنتَ في الخامسة عشرة ربيعا اما كان لك الانتظار بعد قليلا قبل ان تهرول في طريق الخطر؟ يبتسم “مستحيل، ولدت لاستشهد، مذ تعرّفت الى الحياة وفي دمي ثورة الارض، كنت احب ان يستمهلني يسوع قليلا لأزود اكثر عن ارضي لكنه اخبرني لاحقا انه يريدني مقاتل حب عنده فوق، ومن هنا مع رفاقي الشهداء ما زلت اراقب اهلي والشباب المناضلين ولبنان وقلبي مفعم بالفخر بهم ولاجلهم” أخبرته ما فعل اخوه قبل ان يعلم باستشهاده، ابتسم “اخبرني من قبلك بزمان”…

كان اخوه زياد في مدرسته معهد الرسل في جونيه حين استشهد رشاد “ليلتها حلمت برشاد انو كنا سوا بروما وطلع يشوف البابا وشوي قال راح يلاقي مار بطرس وضيّعتو واذ بي بساحة كنيسة سيدة البرج بالضيعة وشفت رشاد بلش يرتفع عن الارض ركضت صوبو تـ القطو ورَجعو ع الارض وصرت اصرخ  رشاد رشاد، فجاوبني وهو عم يضحك “مار رح فيك تلحّقني خلص” وطلع بسرعة السهم واختفى وصحيت من الحلم مرعوب” يقول اخوه زياد الذي علم لاحقا ان رشاد ارتفع شهيدا فوق دمائه على تراب دير الاحمر “بفتخر بشهادة خيي، رشاد مفخرة بيتنا واحلا حكاية منخبرها لولادنا واجيالنا، عنا بالعيلة اربع شهدا غير رشاد  منشوف حالنا فيهم،وانا شخصيا رفضت السفر العام 1979 بناء على الحاح بيي  حتى ابقى بالدير وبلبنان وندافع عن ارضنا كرمال يللي راحوا ويللي بقيوا وناضلوا ودفعوا بدم قلبن ت تبقى هالبلد” يقول زياد.

خلصت الحكاية رشاد؟ ابدا، هذه حكاية لا تعرف النهايات، هناك عند زيح الضوء في الافق سترين وجهي، سترين الاف الوجوه لرفاقي الشهداء، ذهبت اليهم باكرا واصبحت الان اكثر شبابا في شهادتي، اذكروني دائما بالبسمة، بدمعة الرجاء وشو بدكن بالزعل، نحن رحيق هذه الارض، دماؤنا صنعت العسل وها انتم تنعمون بشهد الكرامة، بخاطرك، سلمي ع دير الاحمر وعلى خيي زياد وعلى كل حبة تراب من هالارض…انا رشاد هاني شيت ديراني لو عدت الى الدير لاستشهدت الاف المرات بعد لاجلها…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل