زمن الإستنسابية… ولى!

لا بدّ للمراقب في لبنان من أن يتوقّف أمام ظاهرة استتباب الأمن لا سيّما بعد إقفال ملفّ التّعطيل في البلاد عن بكرة أبيه، فبات للبنان رئيس جمهوريّة ورئيس حكومة مع حكومة متجانسة ومنتجة باتت تقرّ كلّ ما كان معطّلا طوال سنين. واليوم الكلّ يترقّب من المجلس النّيابي الحالي إقرار قانون انتخابيٍّ جديد وفق فلسفة اتّفاق الطّائف، ليضمن تمثيلاً صحيحًا لكلّ اللبنانيّين، ولينتج سلطة تشريعيّة جديدة وفاعلة وصحيحة. لكن الإشكاليّة المطروحة تبقى اليوم: “الإستنسابيّة في الأمن، حيث يُخطف مواطنون في البقاع ويطلق سراحهم بعد فترة من دون توقيف الخاطفين، بينما يُلقى القبض على إرهابيٍّ كان مزمعًا أن يقتل ما يستطيعه خدمةً لمشروعه اللا إنسانيّ قبل أن يرتكب جريمته”.

طبعًا هذا لا يعني أنّنا نعترض على أداء الأجهزة الأمنيّة الإستباقيّ الذي أدّى إلى إجهاض كلّ عمليّة إرهابيّة، لكنّنا نتأمّل من هذه الأجهزة أن تكمل واجبها، وتكافح كلّ ظواهر الخروج على القانون وتوقف كلّ من تسوّله نفسه في مخالفة أحكام قانون الدّولة اللبنانيّة. فخاطفو سعد ريشا ما زالوا يمرحون ويسرحون. وقاتلو رئيس جمهوريّة الحلم وحكومة الإنماء والإعمار تمّ تطويبهم ورفع صورهم على صفحات مواقع التّواصل الإجتماعيّ. فهل هذه الأجهزة عاجزة عن إحضار حبيب الشّرتوني قاتل البشير ومدمّر حلم الجمهوريّة القويّة؟ وهل تستطيع إحضار المتّهمين باغتيال رئيس الحكومة الشّهيد رفيق الحريري؟ وهل تتمكن أيضاً من إعادة فتح ملفّ اغتيال الرّفيق رمزي عيراني وتوقيف المخطِّط والمنفّذ على السّواء؟

بالطّبع لا. هذه الأجهزة هي الأكفأ متى قُطِعَت يد التّدخّلات السياسيّة عن عملها. هي وحدها القادرة على أن تلِج كلّ المخيّمات الخارجة على سلطة الدّولة. وحدها هذه الأجهزة القادرة على تفعيل تطبيق القانون بالتّساوي بين كلّ اللبنانيّين حيث لا يُضرب جابي الكهرباء ويُرمى في المستشفى لأشهر طوال لمجرّد أنّه أراد أن يجبي فاتورة لا تتعدّى قيمتها الخمسين ألف ليرة لبنانيّة فقط لا غير.

المطلوب الكثير الكثير لو أنّ الفعلة قليلون. لكن إرادة العمل موجودة، ووحدها هذه الإرادة ستُعيد هيبة الجمهوريّة للجمهوريّة وللدّولة؛ ووحدها ستحصّن الكيان من كلّ الإعتداءات الكيانيّة البائدة التي  لفظها التّاريخ من كلّ مراجعه.

لن يقبل أيّ لبنانيٍّ عاقلٍ مؤمنٍ بوجوديّة هذه الجمهوريّة بعد اليوم، أن يكون هنالك صيف وشتاء تحت سقفها. فما يجوز على أيِّ معتدٍ على أمن أيّ مواطن أينما كان في هذه الجمهوريّة، يجوز في كلّ زمان وفي كلّ مكان أيضًا. وأيّ جهة، سياسيّة كانت أم غير ذلك، تغطّي أيّ مخالف للقانون، تتحمّل نفس مسؤوليّة مرتكِب الجرم.

فزمن الإستنسابيّة ولّى إلى غير رجعة، وننتظر  من الدّولة وكلّ أجهزتها أن تضرب بيدٍ من فولاذٍ كلّ معتدٍ على أمن أيّ مواطن أو أيّ مخلٍّ بالنّظام والقانون. ماذا وإلا تكون مسؤوليّة بناء الدّولة على فئة واحدة، ومفاعيل تطبيق القانون في هذه الدّولة تكون فقط على هذه الفئة من النّاس، وهذا ما لن يكون في عهد الفخامة في الجمهوريّة. وكلّ من تسوّله نفسه بالتّعالي فوق القانون سيتحمّل عواقب تطبيق هذا القانون بدءًا بأقلّ فاتورة كهرباء وصولاً إلى أكبر ملفٍّ أمنيٍّ قد يتعرّض إليه أيّ مواطنٍ في الدّولة اللبنانيّة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل