#adsense

فيلم Sully: الطيار يتحدى الطيور… تعطل المحركان وهبطت الطائرة في النهر

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1594

تخيلوا معي هذا السيناريو: السيدة فيروز، نعم السيدة فيروز سفيرتنا الى النجوم ، تخيلوها في بيتها تشرب فنجان بابونج  وتدندن اغنية “طيري يا طيارة طيري” في انتظار نشرة الاخبار المسائية. فجأة تبدأ النشرة وتسمع فيروز الخبر الصاعق عن طيور النورس التي قد تهدد سلامة الطيران في لبنان. فيروز سيصدمها الخبر، ستنفعل حتما، ستطفئ التلفزيون، لأنها لن ترغب حتما بسماع الاجهزة التي تصدر أصوات نشاذ لإبعاد الطيور عن مطار بيروت والتي ارتأت الدولة زيادتها لحل الازمة!!! “وكأنو ما بيكفينا اصوات نشاذ” ستقول فيروز في قرارة نفسها. المهم، فيروزتنا ستشعل شمعة وستغني بصوتها الملائكي” دخلك يا طير الوروار،  ما ترحلك من صوب طيارتهن مشوار، ولا تسلم عالحبايب ولا تخبرني بحالهن شو صار”.

فيروز ستعتب على الطيور التي غنت لها، لأنها ادركت أن الاخبار عن حال المسافرين لن تسرها في حال راحت الطيور من صوبن مشوار، وحملتهم الى المشوار الاخير. فيروز قد تكون مثلي ومثل اقلية شبه نادرة من اللبنانيين، لا تفهم كثيرا بالسياسة، ولا تريد ان تعرف ما علاقة السياسة  ومطمر نفايات الكوستا برافا المحاذي لمطار رفيق الحريري الدولي بطيور النورس واصطدامها بمحركات الطائرات عند الاقلاع أوالهبوط، على رغم ادراكها أن كل شيء في لبنان له علاقة بالسياسة.

فيروز تعشق الفن، وبغيره لا تهتم، وانا مثلها اعشق السينما ولا اريد بغير الفن السابع ان اهتم. لن اتوقف عند اقوال السياسيين، ولا عند  تصاريح الناشطين البيئيين والاجتماعيين، ولا حتى عند نكات اللبنانيين المعتادين السخرية من كل مأساة يعيشونها و”إنو نحنا اللبنانيي ما متنا من القذائف والانفجارات ، هلأ “المويت” (Mouette  هو طائر النورس بالفرنسية)  بدو يموتنا”؟

سأتوقف عند السينما وتحديدا عند فيلم Sully الذي اخرجه كلينت استوود عام 2016  وجسّد من خلاله النجم طوم هانكس شخصية الطيار الاميركي تشيزلي سولنبيرغر الملقب بسولي.الفيلم مقتبس من وقائع حقيقية، وتحديدا الحادثة التي لحقت بطائرة الإيرباص  A320 التابعة لشركة طيران خطوط الولايات المتحدة، ودفعتها للنزول على مياه نهر هدسون الباردة بعد حوالي خمس دقائق من إقلاعها في 15 كانون الاول عام 2009.

طائرة الإيرباص كانت قد أقلعت من مطار لاغوارديا في نيويورك متجهة إلى مدينة تشارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية، ثم مباشرة إلى مطار سياتل تاكوما في ولاية واشنطن. وكان على متنها 150 راكباً من ضمنهم مطرب اوسترالي و23 مسؤولاً من بنك أميركا، اضافة الى طاقم مؤلف من 5 موظفين. لكن بعد 90 ثانية على القلاع وعلى ارتفاع 3,200 قدم ، أبلغ قائدها انه فقد السيطرة على كلا المحرّكين، بسبب… سرب من الطيور. نعم سرب من الطيور، تماما كطيور النورس المتكاثرة  قرب مطار رفيق الحريري القريب من مطمر نفايات الكوستا برافا. وفي انتظار الحلول السياسية والبيئية والكونية بازمة طيور النورس قرب مطارنا، ما يهمني انا  وجميع المسافرين أن نطمئن الى وجود طيارين كفوئين  لدينا، تماما مثل الطيار الاميركي تشيزلي سولنبيرغر الذي تابعنا قصة مغامرته الانقاذية في الصالات اللبنانية قبل اقل من عام.

الفيلم الذي استعاد من خلاله كلينت استوود تلك الكارثة جاء كلاسيكيا ومليئا بالتوتر والانفعالات واستعاد الحادث من خلال عدة وجهات نظر. ايضا ما لفت يومها في السيناريو المؤثر الذي اعده تود كومارنيكي، ارتكازا على كتاب تشيزلي سولنبيرغر، انه لم يركز على الحادث وعوامله التشويقية وحسب، ولا على التحقيقات الموتِّرة  وكيفية تعاطي الاعلام مع الحادث فقط، بل ايضا على الحالة النفسية والالم الداخلي والاضطرابات التي عانى منها سولي البطل بعين العالم والمتهم بعين القانون.

سولي كان مضطرا اولا ان يتحكم بطائرته بسرعة وان يتخذ قرارات مصيرية في اوقات حرجة جدا وأن يتسابق مع الوقت لايجاد مكان آمن للهبوط، ثم ان يواجه لاحقا ضغوطا من نوع اخر مثل الدفاع عن عمله وسمعته. كما عانى من كوابيس متكررة حول الحادث ، متخيلا في كل مرة نهاية مختلفة، احداها تحطم الطائرة في احد مباني نيويورك في مشهد يذكر بمأساة 11 ايلول.

طوم هانكس جسد دور الطيار من دون اية مبالغة او افتعال، فقد عاش الشخصية بكل اضطراباتها وقلقها ومخاوفها وانفعالاتها ورباطة جأشها بمنتهى الطبيعية والواقعية. مساعد الطيار سولي  هو من كان يقود الطائرة عند الاقلاع، وقد انتبه لوجود سرب من الطيور قادمة نحو الطائرة. وقبل أن يتمكن من التصرف كان  زجاج النافذة الامامية لمقصورة القيادة قد صبغ باللون البني الغامق وسُمعت أصواتٌ مكتومة لتلك الطيور. ثم توقف المحركان عن العمل، فاستلم سولينبرغر قيادة الطائرة وحاول مساعده تشغيل المحركات مرة أخرى وبدأ بقراءة لائحة طريقة الهبوط الاضطراري استعدادا لها. أبلغ الطيار برج المراقبة بمطار نيويورك بما جرى وطلب الهبوط الاضطراري. وقال الركاب عند سماع شهادتهم بعد ذلك، أنهم سمعوا صوت دوي قوي جدا وشاهدوا لهبا ثم انقطاعا للكهرباء وضجيجا بالمحركات واشتموا رائحة وقود.

أعطى البرج الطيار مسار العودة إلى مطار لاغوارديا ولكن سولي أعلن عدم قدرته على العودة وأشار إلى رغبته بالهبوط في مطار تيتربورو في  نيو جيرسي . لكنه ادرك ان الامر مستحيل بدوره، وأن الامل الوحيد هو الهبوط الاضطراري على نهر هدسون.

وهكذا هبطت الطائرة على مياه النهر بعد مرور 6 دقائق على إقلاعها وبسرعة 200 كلم / 125 ميل. وقد نجا يومها جميع من كان على متن الطائرة وأخلي جميع الركاب والطاقم بسلام. ووصفت صحيفة “ول ستريت جورنال “هذا الهبوط على سطح الماء وبطائرة من هذا الحجم  مع البقاء على حالها تقريباً من دون وقوع خسائر في الأرواح،  بأنه حتما واحد من أندر وأكثر التحديات الفنية فخراً في عالم الطيران”. كما اكّد أحد أعضاء المجلس الوطني لسلامة النقل (NTSB) بأن محاولة الهبوط تلك وبطائرة من هذا الحجم تعتبر من أنجح عمليات الهبوط الاضطراري على الماء في تاريخ الطيران”..

هذا تحديدا ما سيدفع كل مسافر لبناني للتمني بأن يكون الطيار شبيها بسولي او بطوم هانكس، وعلى رغم استحالة هذه الامنية، الا انها تظل اقرب للتحقق من امنية الحلول السياسية السريعة والجذرية  لمطامر النفايات في لبنان.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected] 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل