ستين وستين مكرّر

 

 

في العلم القانوني، يتميّز القانون الموضوع قيد التطبيق بمعيار أساسي هو مبدأ الثبات.

وهذا الثبات يعني أنّ القانون لا يُقرّ لحاجة آنية وإن أملته ظروف أو عوامل طارئة، بل هو نصّ شامل أو محدّد، عام أو نسبي حسب المقتضى. ومن أبرز القوانين التي يجب أن تتّسم بالثبات حفاظاً على الاستقرار التشريعي هو قانون انتخاب اعضاء مجلس النواب. هذا المجلس الذي يمثل المواطنين ضمن الصلاحيات الموكلة اليه.

أما البحث في قانون الانتخاب قبيل الاستحقاق الانتخابي بأشهر معدودة فيأتي كحالة استثنائية تُمليها معطيات متشابكة وربما مصالح متشاركة أوصلت البلاد الى الخيار الخطير بين تمديد ثالث مرفوض أو إجراء الانتخابات على أساس القانون المرعي الإجراء أي القانون 25 الصادر في العام 2008 والذي يستنسخ أحكام قانون الانتخاب الصادر في العام 1960.

وضعنا اليوم يعني أوّل ما يعني تسابقاً مع الوقت الداهم وتزاحماً بين الاجندات المتضاربة، هي عينها التي اتفقت على موضوعات مهمة كالرئاسة والحكومة والبيان الوزاري.

ومسألة قانون الانتخاب يمكن توصيفها بالأدقّ والأهمّ لأنّ الموضوع لا يتعلّق بموازين قوى متغيّرة بل بنصّ ملزم ثابت لن يكون من السهل تعديله أو تبديله في المستقبل، وما يدفع الأمور نحو خرق جدّي ومنتج هو بكلّ بساطة انتخاب الرئيس الجديد ومقدرته على مقاربة الوقائع من زاوية القادر على إحداث الخرق نحو الاصلاح السياسي الذي يمرّ حكماً بقانون الانتخاب أولاً فهو قادر على تجميد الأمور حتى تحلّ العقد وتنزل السقوف ويصل الأمر بأولياء الامر الى الاتفاق على إعادة تكوين السلطة من خلال قبول الشراكة الفعلية غير الإسمية بين المكوّنات اللبنانية.

وتأكيداً لذلك نشير الى أنّ قانون الستين الصادر بعيد نزاعات داخلية شكّلت صورة تجريبية مصغرة عما عاد وحدث عام 1975، ظلّ ساري المفعول حتى 1992 ليعود ويبعث من جديد من العام 2008 وحتى تاريخه رغم التبدّل الديموغرافي الكبير والتغيّر الجذري في المواقف والمواقع والتشابك المتجدّد بين الأجندات الإقليمية والدولية. ما يعني والحالة هذه أنّ القانون كنص يستمرّ إن لم تستطع إرادات معيّنة تبديله أو إلغاءه.

نعم مرجو من الانتخابات النيابية أن تحمل معها ملامح تجديد للدم والوجوه مرفقة ببرامج ومشاريع تحديثيّة، ولكن كلّ الآمال ستذهب سدى إن وصلنا الى اجترار النتائج، ولو غيّرنا القانون بمعنى أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة مجالاً جديداً لانبعاث الطبقة السياسية عينها مع بعض الروتوش الذي لا يقدّم ولا يؤخّر.

نعم، مرفوض عودة الستين بعد ما يقارب الستين عاماً ولكن مرفوض أيضاً وأكثر أن نُكرّر روحية الستين ولو من خلال قانون جديد لا يعطي للحياة البرلمانية والسياسية اللبنانية ما تحتاجه من وهج وعلم وإنتاجية، بعدما وصلت أمورنا الى تردٍّ مؤسّساتي وسياسي ما بعده تردٍّ. والعبرة في الانتقال الى قانون يوازن بين المناطق والمكوّنات ويفتح كوّة في غمار التبعية والاستزلام والركود.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل