إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1595
لا تمديد ولا ستين بل قانون جديد للإنتخابات. تكاد تكون هذه هي القاعدة التي تحكم المسار الذي يمكن أن تسلكه عملية العبور إلى الإنتخابات النيابية بعد أشهر. هذا الموقف يلتقي فيه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع رفضًا لكل محاولات فرض الإنتخابات النيابية في موعدها وعلى أساس قانون الستين ولا عودة عن هذا القرار. فقانون الستين له ظروفه وحيثياته واليوم تغيّرت هذه الظروف وتلك الحيثيات وبقي الهدف المنشود من الإنتخابات ومن القانون الذي اعتمده الرئيس شهاب وهو تحقيق التمثيل الصحيح والتوازن الداخلي السياسي والطائفي.
كيف ولد قانون الستين؟
في 22 أيلول 1958، وهو اليوم الذي انتهت فيه ولاية الرئيس شمعون، تسلم الرئيس شهاب دستوريًا ورسميًا، مهام الرئاسة، وأقسم اليمين أمام مجلس النواب، كما ينص الدستور، على المحافظة على الدستور. ومما قاله في كلمته: “في الساعة التي أقسم فيها يمين المحافظة على الدستور اللبناني وأعاهدكم وأطالبكم بعهدكم على الوفاء للدستور غير المكتوب، ميثاقنا الوطني…”
كانت هذه العبارات القليلة تحمل عناوين السياسة والبرنامج والنهج التي سوف تطبع ولاية فؤاد شهاب الرئاسية.
بعد أيام على تسلمه الرئاسة عهد الرئيس شهاب الى رشيد كرامي تأليف أول حكومة في عهده. فجاءت ثمانية تضم مع رئيسها الوزراء: فيليب تقلا، شارل حلو، محمد صفي الدين، يوسف السودا، رفيق نجا، فريد طراد، فؤاد نجار. وكان الشعار المرفوع فوقها هو شعار “لا غالب ولا مغلوب”. لكن الأوساط المسيحية والقوى السياسية التي كانت مؤيدة للرئيس شمعون خلال المحنة، اعتبرت تأليف الحكومة على هذا الشكل تكريسًا لانتصار المعارضين والثائرين. وجاء تصريح لرئيس الحكومة تحدث فيه عن “قطف ثمار الثورة”، ليزيد من غضب المعترضين، ولتنشب “ثورة مضادة” في الأحياء والمناطق المسيحية.
بعد أسبوعين من اندلاعها، عهد الرئيس شهاب الى الرئيس رشيد كرامي، تأليف حكومة رباعية تضم معه، الحاج حسين العويني وريمون إده وبيار الجميل رئيس “الكتائب”. ونجح تأليف هذه الحكومة في إخماد الثورة المضادة، نظرًا لتعادل التمثيل المسيحي والإسلامي فيها، واستطاعت إزالة المتاريس وإعادة الحياة الطبيعية الى البلد.
في تشرين الثاني 1959 كانت استقالة ريمون إده بسبب خلافاته مع المكتب الثاني مناسبة لتوسيع الحكومة الرباعية بإضافة خمسة وزراء إليها يمثلون الطوائف اللبنانية الكبرى.
استمرت هذه الحكومة في الحكم من تشرين 1959 الى أيار 1961. وقد أصدرت، بتوجيه مباشر من الرئيس شهاب، عددًا كبيرًا من المراسيم الاشتراعية التصحيحية والًصلاحية والتنظيمية، التي كلف الرئيس عددًا من الخبراء وأصحاب الخبرة في إعدادها. وكان من بين أهم القوانين التي صدرت بمراسيم اشتراعية، قانون الانتخابات النيابية الذي بات يعرف لاحقاً بقانون الستين.
فقد انتهى الرئيس شهاب، بعد مداولات واستشارات واسعة، الى اعتماد تقسيم للدوائر، على أساس القضاء أو الدائرة الانتخابية الوسطى. ذلك أن اعتماد الدائرة الفردية أو الصغيرة وفي عهد الرئيس شمعون، أدى الى نتائج سلبية، منها سقوط زعماء تقليديين كبار، ونشوب نزاعات عائلية حادة ودامية، بالإضافة الى بروز دور المال في تقرير نتائج الانتخابات. وكان الرئيس شهاب مع وضع قانون انتخابي جديد يطوّر التمثيل الشعبي من دون إغفال الواقع السياسي والطائفي، الذي سبق أو أعقب ثورة 1958، أي حين كانت أصوات الأقليات الطائفية في الدوائر الصغرى، ترجح فوز المرشح الذي لا ترغب طائفته في تمثيله لها، أو تعارض ميوله أو خطابه السياسي. لذلك قسم بيروت، مثلاً، الى ثلاث دوائر انتخابية: دائرة شرقية ينتخب أبناؤها النواب المسيحيين والأرمن، ودائرة غربية، أكثرية نوابها من المسلمين والأرثوذكس. ودائرة ثالثة مختلطة، لها ثلاثة نواب: سني وشيعي وأقليات. كما فصل المدن عن المحافظات.
بعد مرور عشرين شهرًا على انتخابه رئيسًا رأى الرئيس شهاب أن الوقت بات مناسبًا لإجراء انتخابات نيابية، تصحح التمثيل النيابي للطوائف والقوى السياسية في البلاد. والتي لم يكن – أو يعد – المجلس النيابي المنتخب عام 1957، في عهد الرئيس شمعون، يمثلها، التمثيل الصحيح أو الصادق. فعمد الى تأليف حكومة انتقالية، مهمتها الإشراف على الانتخابات النيابية، برئاسة أحمد الداعوق، وهو رئيس سابق للحكومة (1941) وهذه الحكومة ضمت شخصيات حيادية موثوقة. وجرت الانتخابات النيابية في جو من النزاهة والحياد الحكومي. وكان من الطبيعي والمنتظر، أن تغيب وجوه عديدة من نواب المجلس السابق، وأن تعود إليه وجوه سياسية تقليدية حرمت من دخوله في عهد الرئيس شمعون، وبسبب معارضتها له ولسياسته. ومن بين هؤلاء صائب سلام وكمال جنبلاط وسليمان فرنجية وصبري حماده. كما دخلت إليه وجوه جديدة، كفؤاد بطرس وكاظم الصلح وعلي بزي وموريس الجميل وجميل لحود والشيخ بيار الجميل وكان من نتائج حياد الحكم وحرية الانتخابات ونزاهتها، فوز عدد من معارضي الرئيس والحكم، كالرئيس كميل شمعون، وريمون إده، وعادل عسيران وإدوار حنين، وغيرهم ممن لم يكونوا محسوبين على العهد الجديد.
في تلك المرحلة كان في إمكان فؤاد شهاب أن يطبق هذا القانون كما كان في إمكانه أن يشكل حكومة رباعية لا تتمثل فيها جميع الطوائف من دون أن يتم التشكيك بشرعيتها أو بشرعية الإنتخابات. ولكن حتى هذا القانون لم يكن يعني أن لا إمكانية للتدخل في الإنتخابات وتحديد النتائج سلفاً. هذا ما حصل في العام 1964 مثلا عندما تم إسقاط كميل شمعون وريمون إده في انتخابات أرادها المحيطون بالرئيس شهاب مقدمة للتجديد له. وعندما رفض التجديد أوعز بانتخاب شارل حلو رئيسًا للجمهورية. بعد أقل من عام على انتخابه كان شارل حلو وراء انتخاب ريمون إده نائبًا في جبيل في انتخابات فرعية وكان أيضًا وراء انقلاب سياسي كبير في انتخابات 1968 التي أعطت الأكثرية للحلف الثلاثي ومهدت لانتخاب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية في العام 1970 ولآخر انتخابات نيابية على أساس الستين في العام 1972 حافظت على التوازنات السياسية والحزبية والطائفية.
بعد 15 عامًا من الحرب وبعد الطائف تبدلت معطيات وتوازنات سياسية وديموغرافية كثيرة. ولكن بقي المطلوب أن يتأمن التمثيل الصحيح من خلال أي انتخابات نيابية ومن خلال أي قانون جديد ستجرى على أساسه للحفاظ على الميثاق الوطني الذي أكد عليه الرئيس شهاب بعد انتخابه مباشرة. ولكن عهد الوصاية السورية سعى إلى قلب المعادلات. بعد زيادة عدد النواب إلى 128 وتوزيع عدد من المقاعد المسيحية على عدد من المناطق وبعدما كان مقررًا أن تكون الإنتخابات في ربيع العام 1992 فرض السوريون حل مجلس النواب وإجراء أنتخابات على أساس قانون هجين وذلك لهدف أساسي وهو ضرب الوجود المسيحي وخلق طبقة سياسية جديدة توالي عهد الوصاية ولا تمثل مجتمعاتها ومناطقها مسيحيًا. وهذا ما أدى إلى مقاطعة تلك الإنتخابات.
اليوم بعد 25 عامًا على انتخابات 1992 المطلوب رد الإعتبار إلى التمثيل المسيحي وإعادة التوازن إلى اللعبة السياسية والوطنية تحقيقاً لما أراده فؤاد شهاب من خلال قانون الستين ولذلك المطلوب اليوم قانون جديد يؤمن تحقيق هذا الهدف. ولذلك لم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء وتطبيق أحكام استند إليها عهد الوصاية السورية في انتخابات 1996 و2000 خصوصًا بعد التفاهم الذي حصل في معراب بين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع. هذا التفاهم لم يكن يشتمل فقط على ترشيح العماد عون إلى رئاسة الجمهورية بل على تحقيق التمثيل الحقيقي للجميع والتأسيس لمرحلة طويلة من الإستقرار. ولذلك لا عودة عن رفض الستين وعن رفض التمديد.
قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية كان الخوف من أن لا تحصل الإنتخابات قبل انتهاء ولاية مجلس النواب الممددة حتى حزيران المقبل حتى لا يتم الوقوع في الفراغ الشامل للمؤسسات بحيث نصبح بلا رئيس للجمهورية وبلا حكومة وبلا مجلس نواب. اليوم بعد انتخاب الرئيس لا يمكن فرض إجراء الإنتخابات النيابية على أساس الستين وإلغاء مفاعيل التغيير المطلوب سياسيًا وانتخابيًا. ولا خوف من الفراغ طالما أن الرئيس يبقى ممثلا للشرعية ويبقى بالتالي المجال مفتوحًا أمام إجراء انتخابات نيابية حقيقية على أساس قانون جديد للإنتخابات عندما يتم التوصل إليه وهذا ما يجب أن يضع جميع الأطراف المعنية بهذا القانون أمام استحقاق البت به لا أمام استحقاق إجراء الإنتخابات بالقانون الموجود وبالموجود. فما يريده النائب وليد جنبلاط من هذه الإنتخابات لا يختلف عما يريده “القوات” و”التيار الوطني الحر” خصوصًا بعد الكلام عن التمثيل الحقيقي للطائفة الدرزية وعن ضرورة أن ينتخب الدروز من يمثلهم وهذه القاعدة تكاد تنطبق على الجميع فلماذا إذاً المماطلة في التأجيل؟
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]