خاص “المسيرة” – واشنطن: ترامب أطلق ثورة في واشنطن فهل تجاريه “المؤسسة” أم تعرقله؟

خاص “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1595

مع أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس اليمين الدستورية في الحفل التاريخي الذي دأب الكونغرس الأميركي على تنظيمه منذ أن تولى أول رئيس أميركي شؤون البلاد، دخلت الولايات المتحدة عصراً جديداً، جسده خطاب ترامب ذاته، وهو الذي واصل منذ إعلان ترشيحه وطوال حملته الانتخابية وحتى بعد فوزه في الرئاسة وصولاً إلى يوم التنصيب على صياغة خط تغييري – ثوري إذا جاز التعبير يريد أن يطبقه في خلال فترة توليه رئاسة البيت الأبيض. فهل سينجح ترامب في تحقيق ما تعهّد به في حملاته الانتخابية وفي خطاب التنصيب؟

الرئيس الذي انتزع ترشيحه للرئاسة رغماً عن إرادة الحزب الذي عاد إليه حديثاً، وتمرّد في كثير من الأحيان على توجهات المؤسسة الحزبية، ها هو اليوم أصبح رئيساَ رسمياً لدولة كبرى وهو الذي وضع عنواناً كبيراً لحملته الانتخابية: “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” يريد أن يباشر عمله بسرعة.

إذا نجح في فترة الاختبار الرئاسي الذي تمتد عادة لمئة يوم، وهي الفترة التي تشكل امتحاناً لأي رئيس جديد يدخل البيت الأبيض، قديحدث ترامب ثورة في الولايات المتحدة مع بدء تطبيق مواقفه وسياساته التي حملته إلى الرئاسة، وقد تدخل أميركا معه عهداً جديداً على المستويين الداخلي والدولي. وهو فيما إذا نجح في فترة الاختبار، سيُحضّر نفسه منذ الآن للترشح مرة ثانية إلى الرئاسة في العام 2020 وهو أظهر نيته الصريحة في ذلك عندما بدأ فريقه تسريب شعار حملته الرئاسة الثانية الذي سيكون تحت عنوان: “حافظوا على أميركا عظيمة.”

تبقى الإشارة إلى أن تحدّي نجاح ترامب لا يتوقف فقط على مدى التزامه تطبيق السياسات التي وضعها في خطاب التنصيب، بل على قدرته في التنفيذ، فهل تساعده المؤسسة التي عادة تشكل الخلفية الحقيقية لصانعي السياسة في واشنطن، أم تتمرّد عليه وتعرقل مسيرته؟ هل هذه المؤسسة، التي حمل عليهابعنف في خطاب التنصيب، ستجاريه في عمله، وهي المدركة أنها ستبقى أقوى من الأشخاص ومن أهوائهم مهما كبروا في الشأن العام وأصبحوا رؤساء، طالما أنها تعرف سلفاً أن أي رئيس لن يستطيع الحكم من دونها؟ ولعلّ ما يطمئن المؤسسة في قرارة نفسها هو أن أغلب وزراء حكومة ترامب ذاته هم أعضاء أصيلين فيها من رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الكبرى، وكبار القادة العسكريين.

يوم التنصيب

إذاً فقد أدى دونالد ترامب في العشرين من كانون الثاني ليصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة خلفا لباراك أوباما حيث ما كاد ينهي قسم اليمين أمام رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، حتى أطلق العنان لخطاب تنصيبه الذي أراده خطاباً شعبوياً وقومياً.

ورسم ترامب صورة قاتمة لبلد قال إنه تضرر بشدة جراء توقف مصانع عن العمل وازدياد معدل الجريمة والعصابات والمخدرات وألقى باللوم بشكل غير مباشر على أسلافه في البيت الأبيض بسبب سياسات بنيت على حساب الأسر المطحونة.وقال ترامب مخاطبا حشدا كبيرا من أعضاء الكونغرس والمسؤولين والدبلوماسيين وأنصاره”بدءا من هذا اليوم سيكون الشعار الوحيد.. أميركا أولا.” واتهم ترامب في خطابه القصير مؤسسة الحكم في واشنطن بحماية نفسها والتخلي عن المواطنين العاديين الذين يعانون من الفقر والجريمة. وكرر في خطابه شعارات خطابات الحملة الانتخابية التي دفعته لتحقيق انتصار غير متوقع في الثامن من تشرين الثاني على الديمقراطية هيلاري كلينتون التي حضرت مراسم تنصيبه برفقة زوجها الرئيس السابق بيل كلبنتون. وأشار ترامب إلى احتمال تشديد النهج ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وقال سنعزز التحالفات القديمة ونشكل تحالفات جديدة وسنوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي سوف نستأصله تماما من على وجه الأرض.”

حظوظ ترامب في النجاح؟

تتناقض الرؤية القاتمة التي كثيرا ما يرسمها ترامب لأميركا مع الإحصاءات التي تظهر تراجع مستويات البطالة والجريمة على المستوى الوطني على الرغممن أنه نال كثيرا من الأصوات في مناطق تضرر قطاع الصناعات التحويلية فيها بشدة.

ولم يحدث منذ أربعين عاما ان تولى رئيس أميركي السلطة بينما شعبيته في هذا المستوى المنخفض.الا ان ايفانكا ترامب دعت معارضي الرئيس المنتخب الى “إعطاء فرصة” لوالدها مع اعترافها بأنها تنصحه في بعض الأحيان بالكف عن كتابة تغريدات على تويتر. وأظهرت دراسة لمركز بيو للأبحاث نشرت الخميس 15 كانون الثاني الحالي ان 86 في المئة من الاميركيين يرون ان البلاد تشهد انقساما اكبر من الماضي. وكانت هذه النسبة تبلغ 46 في المئة عند تولي اوباما الرئاسة.

وأظهر استطلاع أجرته شبكة “إيه.بي.سي” نيوز بالتعاون مع صحيفة “واشنطن بوست” أن أربعين في المئة من الأميركيين ينظرون إلى ترامب بإيجابية وهو أدنى مستوى من التأييد لرئيس جديد منذ الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر عام 1977. وكانت هذه نسبة التأييد نفسها لكيفية تعامله مع الفترة الانتقالية.

وفي حين أن الجمهوريين الذين واجهوا طوال السنوات الثماني كل سياسات الرئيس السابق باراك أوباما، رحبوا بوصول ترامب وبعودتهم المظفرة إلى البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه، إلا أن الكثير من المراقبين يجمعون على أن الترقب سيكون سيّد الموقف لمعرفة مدى الانسجام بين الرئيس وإدارته أولاً، ومن ثم الكونغرس ثانياً، حتى يظهر المسار الذي ستسلكه الولايات المتحدة في عهد الجمهوريين.

ومع ذلك فقد منحت أولويات أعمال ترامب وبرنامجه، الجمهوريين الأمل في أنه نظرا لسيطرتهم أيضا على الكونغرس الأميركي فيمكنهم سريعا إلغاء وتبديل قانون الرعاية الصحية الذي تبناه أوباما وإقرار إصلاحات ضريبية واسعة وإلغاء كثير من اللوائح التنظيمية الاتحادية التي يرون أنها تخنق الاقتصاد الأميركي. وقالت كيليان كونواي كبيرة مستشاري ترامب إنه “سيجري صدمة كهربائية للنظام على الفور تقريبا”.

سياسات ترامب

نشر البيت الأبيض على موقعه الإلكتروني وثيقة تحدد الإطار العام لسياسة الدفاع التي سيعتمدها ترامب الذي يريد “إعادة بناء الجيش الأميركي”. وأشارت الادارة الأميركية الى انه “لا يمكننا ان نترك بلدانا أخرى تتجاوز قدراتنا العسكرية”. ويريد ترامب أيضا زيادة القدرات الدفاعية الصاروخية الأميركية في مواجهة التهديدات البالستية الكورية الشمالية والإيرانية. وقد وعد الرئيس الجديد أيضا بعمليات قاسية مع حلفاء الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية و”المجموعات الإسلامية الإرهابية والراديكالية” الأخرى.

وجاء في البيان أيضاً أن إدارة ترامب ستجعل من هزيمة “جماعات الإرهاب الإسلامي المتطرف” الهدف الأول لسياستها الخارجية.

وفي البيان الذي عنوانه “أولويات السياسة الخارجية لأميركا” قالت إدارة الرئيس الجمهوري “هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية وجماعات الإرهاب الإسلامي المتطرف ستكون أولويتنا العليا.”

وقالت الإدارة الأميركية الجديدة إنه من أجل “هزيمة وتدمير” تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المماثلة فإنها “ستنتهج عمليات عسكرية نشطة مشتركة وضمن تحالف عندما يكون ذلك ضروريا” لقطع التمويل عن الجماعات الإرهابية وتوسيع تبادل معلومات المخابرات واستخدام “الهجمات الإلكترونية” لعرقلة الدعاية ومساعي التجنيد. ولم يقدم البيان أي إشارة بشأن كيف ستختلف سياسات ترامب عن سياسات سلفه الديمقراطي باراك أوباما.

وردد خطاب ترامب والبيان انتقاداته أثناء حملته الانتخابية لكل من أوباما وهيلاري كلينتون منافسته الديمقراطية في انتخابات الرئاسة لعدم استخدامهما عبارة “الإرهاب الإسلامي المتطرف” لوصف الدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات الإسلامية المتشددة.

وبدا أن بيان البيت الأبيض يدعو أيضا إلى علاقات أفضل مع روسيا وهو شيء قال ترامب إنه سيسعى إليه. وقال البيان “نحن دائما سعداء عندما يصبح أعداؤنا القدامى أصدقاء وعندما يصبح أصدقاؤنا القدامى حلفاء.”

ورفض ترامب انتقادات بأنه حريص جدا على أن يجعل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حليفا. وجدد البيان تعهد ترامب أثناء حملته الانتخابية بالانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي للتجارة الحرة مع آسيا التي تزعمها أوباما لكنه لم يتمكن من تمريرها في الكونغرس. وقال ترامب دون أن يذكر تفاصيل إن الاتفاقيات التجارية الدولية أضرت بالعمال الأميركيين.

وقال البيان “سيعمل الرئيس ترامب على ضمان أن سياسات التجارة في عهده ستنفذ بوساطة الشعب ولصالحه وستضع أميركا أولا.” وفي بيان منفصل على الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض قالت إدارة ترامب إنها تعتزم تطوير منظومة “متطورة جدا” للدفاع الصاروخي للحماية من الهجمات من إيران وكوريا الشمالية. ولم يوضح هل سيختلف هذا النظام عن أنظمة قيد التطوير حاليا ولم يحدد تكلفته ولم يذكر كيف سيجري تمويله.

معارضة ترامب في الكونغرس والشارع

كان لافتاً مقاطعة أكثر من ستين عضوا ديمقراطيا من الكونغرس مراسم التنصيب احتجاجا على ترامب على الرغم من حضور منافسته السابقة هيلاري كلينتون المراسم كونها زوجة لرئيس أسبق. ويبحث الديمقراطيون عن توازن سياسي بعد الهزيمة غير المتوقعة لكلينتون ويخططون للتصدي له في كل مناسبة. وهم يعارضون بشدة خطاب ترامب المناهض للهجرة.

وبعيدا عن مبنى الكونغرس، حاول معارضو ترامب منذ الصباح الباكر إقفال مداخل الكونغرس الخارجية التي خصصت لدخول المحتفلين بيوم التنصيب، فيما احتج نشطاء ملثمون في الشوارع وحطموا زجاج فرع لمطاعم مكدونالدز بالمطارق ومقهى لستاربكس على مقربة من البيت الأبيض.وحملوا أعلام ولافتات الفوضويين السوداء كتب عليها “انضموا للمقاومة.. تصدوا الآن.”

وأظهرت صور التقطت من الجو لأنصار ترامب المحتشدين في المتنزه إقبالا أقل بكثير عند منتصف النهار مقارنة مع صور مماثلة لتنصيب باراك أوباما في ولايته الأولى في عام 2009. ودارت مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين في واشنطن على هامش حفل التنصيب مما ادى الى توقيف 95 شخصا بحسب شرطة العاصمة الفدرالية.وألقى ما بين 400 و500 متظاهر مقذوفات على عناصر شرطة مكافحة الشغب على مقربة من البيت الابيض. وقلب المتظاهرون حاويات القمامة على الرصيف قبل ان يقوموا بإحراقها.

ردّ البيت الأبيض

إلا أن البيت الأبيض تعهد بمحاربة وسائل الإعلام “بكل ما يملك من قوة” بسبب ما اعتبره هجمات ظالمة ضد الرئيس مما يعكس توجها قد يدفع بالعلاقة المتوترة بالفعل بين الجانبين إلى مستوى جديد من العداء.

وبعد يوم من أول زيارة قام بها ترامب لمقر المخابرات الأميركية واتهامه لوسائل الإعلام بالتقليل من حجم الحشود التي حضرت حفل تنصيبه ندّد كبير موظفي البيت راينس بريبوس بهذه التقارير ووصفها بأنها هجمات. وقال: “إن الأمر يتخطى مسألة حجم الحشود، بل في محاولة المعارضين نزع الشرعية عن الرئيس في اليوم الأول”. وأكدّ أن إدارة ترامب لن تجلس مكتوفة الأيدي وتقبل ذلك، بل سترد بشكل واضح.

وكرر كبير موظفي البيت الأبيض اتهامه للإعلام بالتلاعب بصور متنزه ناشيونال مول المقابل لمبنى الكونغرس لإظهار حشود أقل أثناء حفل التنصيب.

كنيسة الرؤساء

وفي يوم التنصيب التاريخي، اتبع ترامب نفس التقليد البروتوكولي كأسلافه. وبعد ليلة أمضاها في “بلير هاوس” المقر المخصص لكبار الضيوف مقابل البيت الابيض، توجه الجمهوري وزوجته ميلانيا الى كنيسة القديس يوحنا قرب البيت الابيض وحضرا قداسا قبل ان يستقبلهما الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما وزوجته ميشيل لتناول الشاي ثم توجهوا جميعا الى الكابيتول.

وعلى الرغم من أن الدستور الأميركي يضمن الحرية الدينية للجميع ويحظر تأسيس أي دين وطني للدولة. غير أن فصل الدين عن الدولة لا يمنع القادة الوطنيين من الصلاة في الأماكن العامة. وقام كل رئيس من الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على حكم البلاد منذ عهد جيمس ماديسون، الرئيس الرابع للولايات المتحدة، على حضورالقداس في صباح يوم التنصيب. وقد تمّ تدشين الكنيسة، التي صمّمها مهندس مبنى الكابيتول بنيامين لاتروب، في العام 1816، السنة ما قبل الأخيرة من رئاسة ماديسون.

قد يكون الموقع المناسب أحد الأسباب التي جعلت الكنيسة، المعلم التاريخي الوطني، تكتسب لقبها، لكن الرئيس جورج اتش دبليو بوش وعددًا من الرؤساء الآخرين كانوا يصلّون بانتظام في كنيسة سانت جون على مدى قرنين من الزمن.أما ليندون جونسون فقد حضر فيها قداسًا تأبينيًا طلب إقامته بعد يوم من اغتيال الرئيس جون كنيدي في تشرين الثاني 1963.

صمّم لاتروب كنيسة سانت جون على شكل صليب يوناني مع سقف دائري وقبة صغيرة. لا يزال هذا الجزء محفوظًا، لكن تصميم لاتروب أُجريت عليه تغييرات بعد وقت قصير بإضافة صحن الكنيسة ورواق الأعمدة وبرج الجرس. لا يفصل الكنيسة عن حديقة البيت الأبيض سوى متنزه لافاييت البالغة مساحته 2,8 هكتار وشارع بنسلفانيا. ويرتفع نصب واشنطن شامخًا وراء القصر الرئاسي.

كنيسة سانت جون، التي تتسع لـ 600 شخص في داخلها وعلى شرفتها، هي أبرشية نشطة، وليست متحفًا، ويبلغ عدد الأعضاء المسجلين في قوائم الأبرشية 1200 شخص.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل