#adsense

ترامب في مواجهة عصر “الخراب”… إنها أميركا new look

حجم الخط

كتب العميد الركن (م) وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1595

أخيراً ترامب في البيت الأبيض. الرجل الذي شكلت مواقفه المتناقضة، سواء خلال حملته الإنتخابية أو بعد فوزه، المادة الإعلامية الأولى في العالم؛ ها هو اليوم يجلس على عرش “روما” الجديدة. إنه “القيصر” الجديد، لأمبراطورية تجاوزت حدود الجغرافيا الكونية لتلامس الكواكب والنجوم. كيف سيواجه ترامب مفاصل هذه الأمبراطورية؟

 قيل إن خطاب ترامب الشعبوي أثناء حملته الرئاسية، لا يصلح للحكم وسيتوقف على أبواب فوزه في الإنتخابات. لكن الوقائع أثبتت أن الرجل لم يكن شعبوياً بقدر ما كان مؤمناً بما يقول. وفي اليوم الأول من حفل تنصيبه، أكد للعالم حقيقة إيمانه بما سبق وأعلن. ففي أول خطاب له كمسؤول أثناء حفل التنصيب، توجه إلى الشعب الأميركي بنفس روحية الطامح إلى الفوز في الإنتخابات؛ وعندما دخل إلى البيت الأبيض، تعمّد أن يكون إلغاء “أوباما كير”، أول توقيع له كرئيس لأميركا، وافياً بذلك بالوعد الذي قطعه على نفسه، قبل أشهر، أمام الشعب الأميركي. إنها أميركا الجديدة مع ترامب الذي يعد باستعادة عظمتها.

كيف تبدو معالم السياسة المرتقبة في البيت الأبيض؟

في الداخل، يبدو أن ترامب مصمّمٌ على أن يعيد لأميركا عظمتها المسلوبة بسبب ضعف حكامها السابقين. فالمصانع الأميركية المنتشرة حول العالم سوف يعيدها إلى الأرض الأميركية. هذه المصانع التي أقفلت في أميركا منذ عقود وسافرت لتستقر في تايوان والصين وفييتنام وتايلاند وماليزيا… بحثاً عن الربح السريع، تسببت بأزمات إجتماعية كبرى لدى الشعب الأميركي الذي بات عاطلاً عن العمل. وها هي مواقف الرئيس الجديد، تشي بأنه عازم على إعادة الدور لأميركا، خصوصاً أن حزبه الجمهوري مسيطر على مجلسي النواب والشيوخ للعامين المقبلين على الأقل.

في التعامل مع الحلفاء، وعلى رأسهم الإتحاد الأوروبي واليابان، يبدو أن ترامب مصمم على أن يلزم هذه الدول بتحمل مسؤولياتها الدفاعية والأمنية في العالم، والتخفيف عن الكاهل الأميركي. فموازنة الدفاع الأميركية، توازي أضعاف أضعاف موازنات الدفاع في هذه البلدان مجتمعة. فبدل أن تحوِّل قسماً من موازناتها لتعزيز دفاعاتها، تستثمر هذه الأموال لتعزيز ازدهارها الإقتصادي متكلة بقسم كبير من أمنها الدفاعي على أميركا؛ فتعيش شعوب تلك البلدان ببحبوحة على “حساب” الشعب الأميركي.

بعد الحرب العالمية الثانية، حددت الأمم المتحدة لكل من ألمانيا واليابان سقفاً لجيشهما وقدراتهما الدفاعية. اغتنمت الدولتان الفرصة وركزتا على الإستثمار في الإقتصاد فازدهرتا. بينما تولت أميركا الدفاع عن أوروبا إنطلاقاً من ألمانيا، بتركيز 200 ألف جندي في أوروبا خلال فترة الحرب الباردة (تدنى العدد اليوم إلى 90 ألفاً)؛ كما تولت الدفاع عن اليابان وكوريا الجنوبية بمرابضة 40 ألف جندي أميركي في كل من هاتين الدولتين منذ سبعة عقود لا يزالون حتى اليوم يرابضون فوق أرض الدولتين. بالإضافة إلى هذه التكاليف الباهظة لهذا الحجم من الجيوش خارج الأرض الأميركية، تتحمل أميركا العبء المالي الأكبر (نحو 70 في المئة) من موازنة الأمم المتحدة المالية والوحدات العسكرية العاملة تحت رايتها (65 ألف جندي أممي). لذا سيضغط ترامب على دول الإتحاد والدول الحليفة، لتخفيف الإتكال على أميركا برفع موازناتها الدفاعية، والمساهمة بمبالغ أكبر في موازنة الأمم المتحدة…

قبل أكثر من ثلاثة عقود، كنت أتابع دورة الأركان في “مدرسة الحرب العليا” في باريس. كان وسط أوروبا المسرح الأساسي لتمارين القتال للجيش الفرنسي ضد الجيش الأحمر. كانت عقيدة الجيش الفرنسي القيام بقتال تأخيري أمام الجيش الروسي الزاحف من الشرق؛ وعندما يصل الجيش الأحمر إلى الحدود الفرنسية الشرقية على نهر الرين؛ ينتهي التمرين ليعلن المدرب “هنا يتولى الشقيق الأكبر الأميركي مسؤولية القتال”؛ أو بالإعلان عن استخدام السلاح النووي؛ ما يؤكد أن أمن الدفاع الأوروبي تتولاه أميركا من خزينتها الخاصة.

الإشارات الإيجابية “الترامبية” باتجاه بوتين، قد تؤسس لانفتاح وعلاقات أفضل بين البلدين لسببين: الأول على الصعيد الأقرب الأوروبي والشرق أوسطي؛ والثاني على الصعيد الصيني الشرق آسيوي. فعلى الصعيد الأوروبي، يبدو أن ترامب راغب في تخفيف التشنُّج بين روسيا وأوروبا (الحلف الأطلسي)؛ واستيعاب روسيا إلى جانب الكتلة الأوروبية؛ كما يبدو أنه عازم على إراحتها في منطقة الشرق الأوسط، من دون أن يكون ذلك على حساب حلفاء أميركا التاريخيين؛ والإعتراف لها بدورها في سوريا، من دون أن تكون مواقفه، حتى الآن، واضحة من نظام الأسد، الذي يسكنه عيبٌ أساسي، ألا وهو تحالفه مع إيران. أما على الصعيد الصيني، فترامب بحاجة إلى التعاون مع روسيا لإشغال الصين من الغرب والشمال؛ هذه الصين التي وصلت خلال العقدين الماضيين إلى تسمية “مصنع العالم”، قبل أن تخسر مؤخراً قسماً من هذه المعامل لصالح الدول الأكثر فقراً: فييتنام، الهند، تايلاند وماليزيا… وغيرها من الدول الأكثر حرماناً في العالم. لذلك يرى ترامب أنه بحاجة إلى روسيا، صاحبة المصلحة نفسها في وضع حدٍّ للنهضة الصينية، وتمدد اقتصاد بكين حول العالم.

مع الصين، الأمر أكثر جدية ووضوحاً للمعالجة. حتى أن سلفه باراك أوباما، كان قد دعا إلى اهتمام أميركا بشرقي آسيا (ويقصد بذلك الصين)، خوفاً من الدينامية الصينية التي دأبت، طيلة ثلاثة عقود، على قضم قسم كبير من مصالح العالم الغربي، خصوصاً أميركا، في تمددها حول العالم، عندما أخذت صناعاتها الخفيفة والمتوسطة تجتاح الأسواق العالمية ومن ضمنها السوق الأميركية. فانتقلت الشركات الأميركية من ديترويت وميشيغن وأطلنطا… وغيرها من مدن أميركا، إلى المدن الصينية باحثة عن يد عاملة رخيصة، ليلامس النمو السنوي في الصين أحياناً عتبة ال 10 في المئة بعيداً عن نسب النمو شبه “المجلّدة” في العالم الغربي. ما تسبب ببطالة وصلت إلى حافة الخطر المجتمعي فوق الأرض الأميركية وهذا ما ساعد في وصول ترامب إلى البيت الأبيض. لذا يمكن القول إن أم معارك ترامب قد تكون في مواجهته للصين، التي تنتج صناعات مشكوكٌ بصلاحيتها التقنية وحتى الصحية، لمحاصرة بكين والحدِّ من اجتياح قسم كبير من صناعتها للأسواق الأميركية.

أما مع الهند، فالمعلومات تؤكد بأن ترامب سوف يعزز دورها في آسيا لاستكمال تطويق الصين بواسطة المردة الثلاث: روسيا الهند واليابان. فالسياسة الأميركية التاريخية تجاه مثلث الهند روسيا والصين، تستمر كما هي وتتلخص بالتحالف مع الأضعفين من هذه القوى الثلاث ضد الثالث الأقوى أو الواعد بالقوة، لتطويقه وإقامة توازن بين هذه القوى الثلاث. لكن المفارقة في سياسة ترامب، واختلافها عن أسلافه، أنه يجاهر ويبادر وينفذ؛ وهذا ما يضعه اليوم مع الهند وروسيا واليابان في خندق واحد ضد الصين. ولتعزيز هذا الطوق سوف يطلب من طوكيو تعزيز قدراتها الدفاعية ضد الصين لتخفيف العبء عن الجيش الأميركي المرابض في اليابان وشبه الجزيرة الكورية منذ الحرب العالمية الثانية. فيكون بذلك أصاب عصفورين بحجر واحد: إشراك اليابان بصورة أكبر في المجهود الحربي الدفاعي (كما يفعل مع الإتحاد الأوروبي)، ومساهمتها في عملية تطويق الصين.

بالعودة إلى الشرق الأوسط، يبدو أن سياسة ترامب هادفة إلى الحدِّ من التمدُّد الإيراني في المنطقة وإعادتها إلى حجمها الطبيعي وحدودها الفارسية؛ ليعيد إلى دول الشرق الأوسط، الحليفة التاريخية لأميركا، استقرارها. هذه السياسة الأميركية، بدأت مفاعيلها مباشرة بعد فوزه في الإنتخابات قبل ثلاثة أشهر، وقبل تسلمه الإدارة في واشنطن. ف”التكويعة” الروسية قبل ثلاثة أشهر في الأزمة السورية، وفي تراجع الثقة بين موسكو وطهران، يؤكدان أن واشنطن وموسكو تقفان في الجانب الواحد من التمدد العسكري، غير الطبيعي، لإيران فوق ساحات الشرق الأوسط. فإعلان وقف إطلاق النار في سوريا، وصياغة اللقاء في آستانة، لدليلان على أن نظرة الثنائي ترامب – بوتين للأحداث في الشرق الأوسط قد تتقارب كثيراً في المستقبل المنظور.

وأخيراً، يبقى الإرهاب العدو المباشر والأخطر للأسرة الدولية. فمحاربة هذا الإرهاب سوف تتأثر بالعقل “الترامبي” المبادر دائماً والمستند إلى جماعة من الصقور المحيطة ب “قيصر” واشنطن، والتي لم تشهد مثلها سابقاً هذه العاصمة. لذلك فالجيش الأميركي مقبل على تبديل عقيدته القتالية، بالإنتقال إلى المبادرة والملاحقة والتدخل والضغط على الحلفاء والأصدقاء لبذل جهد أكبر في ملاحقة الإرهابيين وتجفيف مصادر تمويلهم. لا يمكن لأحد توقُّع ما قد يقدم عليه الجيش الأميركي في هذا المجال، تجاه الخطر اللامحدود لهذه الآفة، بسبب سرية الأعمال العسكرية للجيوش؛ إنما ما ما يمكن توقعه، هو تطوير العمل العسكري للجيش الأميركي لقيادة الحرب، بشكل أفعل، على الإرهاب حول العالم.

مع ترامب سوف نشهد على عالم جديد. عالم تتحصن فيه الساحة الداخلية الأميركية تحت عنوان أميركا أولاً. عالم تتكثف فيه  المواجهات الدبلوماسية الأكثر سخونة. عالم معقّد تلوح في أفقه معالم أقطاب رديفة تساعد القطب الأول (أميركا) في إدارته.

لم يتوجه ترامب إلى الشعب الأميركي، مفتتحاً عهد حكمه كالذين سبقوه من الرؤساء الأميركيين؛ إنما توجه إليه بافتتاح حقبة تاريخية جديدة، تبدأ عام 2017 تمثل، برأيه، نهاية تاريخ وبداية آخر؛ كمحطة جديدة حاسمة في تاريخ أميركا، يقال بعدها: ما قبل ترامب وما بعده، أو ما قبل 2017 وما بعده. وضع ترامب نفسه في مصاف عظماء رجال أميركا التاريخيين قبل أن يحقق أي إنجاز؛ ويعتبر ذلك تحدّيًا كبيرًا في عالم السياسة، ورهاناً خطرًا على الصعيد السياسي الشخصي.  لذلك فالأشهر القليلة المقبلة سوف تضعه أمام الإمتحان الصعب بين النجاح الباهر والفشل الذريع.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل