
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1595
بعد أخذ ورد لسنوات، واعتراضات وتظاهرات قادها فريقا المالكين والمستأجرين رفضا للقانون، وبعد قرار المجلس الدستوري إبطال إحدى مواده، أقرّ مجلس النواب في جلسته التشريعية في 18 كانون الثاني الحالي قانون الايجارات معدلاً مع إضافة فقرة تتعلق بإنشاء حساب لمساعدة المستأجرين. وقد تعهد الرئيس سعد الحريري بانشاء الصندوق خلال 4 أشهر. لكن المسألة لا تقتصر على الحيثيات القانونية أو على التعديلات المالية فحسب، بل أيضا على بلوغ الغاية من القوانين وهي إنصاف الناس وتأمين وتصويب سير حياتهم، وهو ما لا يبدو أن الطرفين المعنيين بالقانون يطمئنان له، نظرا لطول مدة فراغ التشريع ما أنشأ حالات متراكمة بالغة التعقيد تتخطى القوانين لتطال الشعور الشخصي والعواطف والذكريات.
على مدى سنتين درست لجنة الإدارة والعدل تعديلات قانون الإيجارات الجديد بعد إقراره في العام 2014، ليبصر التعديل المطروح على القانون النور، وبعد نقاشات في التفاصيل أعيد بحث 58 مادة، الى أن تمّ التوصّل إلى صيغة قانونية اقترحها وزير العدل سليم جريصاتي وتم السير بها من قبل النواب بعدما أصرّ الرئيس نبيه بري على إنجاز القانون وعدم المماطلة به مرة جديدة، نظرا إلى ما تخلقه المماطلة من تعقيدات.
وكان لافتاً في بداية طرح اقتراح القانون الرامي الى تعديل قانون الايجارات، أن عددا من النواب طالبوا بإعادة بحثه كاملا لإنصاف المستأجرين القدامى بالاضافة الى عامل النزوح الذي يساهم في مراعاة المستأجرين في مساكنهم لأنه إذا تم إخلاء أي مستأجر اليوم نتيجة هذا القانون فلن يتمكن حتى من استئجار غرفة واحدة.
لكن في النهاية أجمع النواب على تعديل القانون بحيث عُلّق تطبيق مواده المتصلة بصندوق المساعدات وتقديماته والمراجعات القضائية في الأساس والتنفيذ أو الأحكام التي صدرت والتي تحدّد بدل الإيجار أو الإخلاء الى حين دخوله حيّز التنفيذ، خلافًا لأي نصّ آخر، أي حتى ينشأ صندوق المساعدات، أو ما تمت تسميته بالحساب في الفقرة التي تتعلق بإنشاء صندوق داعم للمستأجرين يفتح في وزارة المال، ويتمّ تأمين أمواله من الدولة والهبات والرسوم العقارية أو إصدار طوابع لهذه الغاية. وسيعمل بهذا القانون بعد نشره في الجريدة الرسمية وخلال 4 أشهر.
وقد اعتُبِر إقرار التعديلات وخصوصا ترميم المواد التي أبطلها المجلس الدستوري بأنه يعيد ثقة المستثمرين بالدولة ومؤسساتها، كما ويعيد الثقة بخدمة الإيجار وهي جزء من الخدمات المقدّمة لقطاع السكن في لبنان بعدما تراجعت في فترة غياب القانون.
هل هذه الصيغة نهائية؟
مصادر نيابية اعتبرت أن ما تم إُقراره في الجلسة التشريعية “لا يُقدّم الحلّ الكامل لأزمة المستأجرين، إلّا أنه يحسّن ما كان سائدًا، ويُلزم الدولة بإنشاء الصندوق – الحساب لإنصاف المغبونين. وكانت لجنة الادارة والعدل النيابية إستندت في صياغة مشروع قانون الايجارات، على القانون القديم الذي كان قائماً، وخرجت بعد 39 اجتماعاً بصيغة نهائية رفعتها الى المجلس النيابي. وقد أقر المجلس في جلسته التشريعية القانون كما ورد من اللجنة.
أما النقاط التي ارتكز عليها قانون الايجارات الجديد فهي:
- -معالجة عقود ايجار الاماكن السكنية المعقودة قبل تاريخ 23/7/1992، وترك عقود ايجار الاماكن غير السكنية المعقودة قبل 23/7/1992 الى قانون خاص بها.
- -تمديد عقود إيجار الأماكن السكنية لمدة 9 سنوات لا يحق للمالك خلالها استرداد المأجور إلّا بموافقة المستأجر، باستثناء حالتَي الضرورة العائلية والهدم التي تفرض على المالك دفع تعويض للمستأجر.
- -تحديد بدل المثل لكل مأجور رضاء، وفي حال تعذر ذلك، تحديده قضاء وفق آلية وضعت لهذه الغاية، على أن يمثل هذا البدل نسبة 5 في المئة من القيمة البيعية للمأجور في ما لو كان خالياً.
- -يدفع المستأجر الفارق ما بين بدل المثل والبدل الحالي تدريجاً وعلى مدى ست سنوات.
- -يُنشأ صندوق مموّل من خزينة الدولة لمساعدة المستأجرين من ذوي الدخل المحدود، بحيث يغطي كامل الزيادة المترتبة عن المستأجر الذي لا يزيد دخله العائلي الشهري عن ضعفَي الحد الادنى الرسمي للاجور، أما الذي يزيد دخله العائلي الشهري عن ضعفي الحد الادنى الرسمي ولا يتجاوز ثلاثة اضعاف هذا الحد، فيغطي الصندوق الفارق، اذا وجد، بين 30 في المئة من معدل الدخل العائلي الشهري وقيمة البدل الجديد.
- -تنظر في الطلبات المقدّمة الى الصندوق لجان كل منها مؤلف من قاض عامل او متقاعد رئيساً ومن اربعة أعضاء يمثلون المالكين والمستأجرين ووزارة المالية ووزارة الشؤون الاجتماعية، ويكون لهذه اللجان الصفة القضائية.
- -إمكانية استفادة المستأجر الذي لا يتجاوز دخله العائلي ثلاثة أضعاف الحدّ الادنى الرسمي للأجور من التمديد 3 سنوات إضافية بعد السنوات الـ9 الممددة.
- -حدّد التعويض الذي يدفع للمستأجر في حالة الضرورة العائلية بما يوازي بدل ايجار 4 سنوات محتسبة على أساس بدل إيجار المثل، وفي حالة الإسترداد للهدم حُدِّد التعويض ببدل إيجار 6 سنوات على أساس بدل إيجار المثل. ويكون التعويض تناقصياً مع مرور السنوات التمديدية الـ9، أما في باقي حالات الاسترداد، فيتفق الفريقان على قيمة التعويض.
- -إذا رغب المستأجر الذي تتوفر فيه شروط الإستفادة من الصندوق بترك المأجور يمكن أن يحصل على مساهمة مالية من الصندوق – الحساب تدفع له اقساطاً شهرية، مساوية للفارق الذي كان على الصندوق أن يدفعه عنه للمالك في ما لو استمرّ في إشغال المأجور.
- -إعفاء معاملات الاخلاء وما يتفرع عنها من أيّ رسم نسبي ومن رسم الطابع عن كل إجراءات كتابة العدل المتعلقة بالتخمينات وبإبلاغها وبالإنذارات كما بالعرض وبالإيداع.
- -في حال وفاة المستأجر او تركه المأجور، تم حصر حق من يحل محله بزوجه او المستفيد قانوناً قبل تاريخ 23/7/1992، وبانسبائه الذين دخلوا معه الى المأجور عند بدء تنفيذ الإجارة، وكانوا لا يزالون مستمرّين في إشغاله من دون انقطاع.
- -لا يستفيد من مساعدات الصندوق المستأجر الذي استأجر شققاً كانت تُعتبر فخمة، والمستأجر غير اللبناني. ويُخفض التعويض المستحق للمستأجر لشقق كانت تُعتبر فخمة الى النصف.
- -بقيت الاحكام الأخرى التي ترعى علاقة المستأجر بالمالك كما هي عليه في القانون الحالي.
أما بالنسبة للاماكن غير السكنية فتُزاد بدلات الايجار سنوياً بنسبة تعادل معدل التضخم السنوي وفقاً للمؤشر الرسمي عن السنة السابقة، على أن تتجاوز هذه الزيادة نسبة 5 في المئة. إضافة إلى بعض التعديلات الطفيفة في ما خصّ عقود إيجار الأماكن غير السكنية. تمديد فترة الفراغ القانوني من 31/12/ 2012 حتى 28/12/2014.

في انتظار الحساب
ثمّة من يسأل كيف تتم آلية التطبيق؟
يجيب قانونيون أن القانون ينصّ أساسا على إجراء تخمين لكل شقة مستأجرة قبل 23/7/ 1992، رضائي او قانوني، لتحديد بدل الايجار الحالي للشقة فيما لو كانت خالية ومعروضة للايجار. ونتيجة التخمين، يتم احتساب الايجار بنسبة 15 في المئة في السنة الاولى من قيمة التخمين، بدءاً من بدء سريان القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
ويعطون مثالا على ذلك، مستأجراً يدفع حالياً 200 دولار سنويا بدل الايجار. ووفق القانون الجديد جرى تخمين قيمة الايجار الفعلي الحالي فتبيّن أنه يبلغ 6000 دولار. في هذه الحالة يصبح الايجار الجديد 900 دولار في السنة الاولى، 1800 دولار في السنة الثانية، 2700 دولار في السنة الثالثة، 3600 دولار في السنة الرابعة، 4800 دولار في السنة الخامسة، 6000 دولار في السنة السادسة. ويصبح بذلك مساوياً لقيمة الايجار الفعلي. ويستمر على هذه الحال في السنوات السابعة والثامنة والتاسعة، اي 6000 دولار سنوياً. وبعد ذلك يحق للمالك استرداد الشقة من دون ايّ تعويض. وتخضع لأحكام هذا القانون جميع عقود إيجار العقارات المبنية المعقودة قبل تاريخ 23 تموز 1992.
وعملياً، مدّد القانون الجديد للمستأجر القديم 6 سنوات، وبعد ذلك عليه أن يدفع بدل الايجار الفعلي، بما يعني انه لا يملك امتياز البقاء في شقة، إذ في مقدوره تركها لاستئجار ايّ شقة أخرى بقيمة الإيجار التي بات يدفعها. أما المادة التي أبطلها المجلس الدستوري وأعيد تعديلها فيقول عنها رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية النائب روبير غانم لـ “المسيرة”: “عندما أُبطلت اللجنة التي تفصل في النزاعات بين المالك والمستأجر حول بدل المثل وتقرر من يحق له الاستفادة من صندوق الدعم، أصبَح هناك ثغرة في القانون مرتبطة بهذه اللجنة وبالصندوق، لذلك قامت لجنة الادارة والعدل بترميم المواد التي ابطلها المجلس الدستوري وتوسّعت بالتعديلات”.
أما عن عدالة القانون اليوم بعد التعديلات الأخيرة وما إذا كانت سترضي المالكين والمستأجرين بعد تجارب سابقة كان يعترض فيها الطرفان متذرعين بالغبن، يقول غانم “بعد غياب التشريع لعقود وبعد نشوء أوضاع لا يمكن تخطيها أو تعديلها أصبح القانون أشبه بتسوية حاولنا قدر الإمكان أن ترضي الجميع وأن تنصف المالك والمستأجر في آن، وهذا ما حصل” متوقعا أن ينال القانون رضى الجميع خصوصا مع التعديلات الأخيرة التي أخذت في الإعتبار تصحيح بعض الثغرات بما يجعل القانون في الصيغة الفضلى.
ويلفت غانم إلى أن “القانون يطبق في المحاكم منذ العام 2014 ، الأمر الذي أنشأ حقوقاً مكتسبة، ونحن في لجنة الإدارة أخذنا بالإعتبار قرار المجلس الدستوري وقمنا بتعديلات جذرية على القانون، لأنه لا يمكن ترك الأمر معلقا”.
ولكن السؤال ما الذي يضمن إنشاء الحساب خلال فترة أقصاها 4 أشهر؟ يجيب المعنيون أن “الضمانة هي النص القانوني الملزم للحكومة بإنشاء هذا الحساب بمهلةٍ أقصاها 4 أشهر. ويلفتون إلى أنه في السابق لم تكن هناك مهلة، أما اليوم فالقانون يلزم بهذه المهلة”.
وعن الفرق بين الصندوق والحساب الذي سيكون في وزارة المال، يقول غانم: “لا فرق عمليا بين التسميتين، لكن فضّلنا استبدال كلمة صندوق في القانون بكلمة حساب لأن الصناديق تتطلب هيكلية وإدارة وما إلى ذلك وهو ما لا حاجة لنا به لأن المقصود في الأساس وجود حساب لدعم المستأجرين”. ويضيف “أن الحساب ستتكفل الدولة بتغذيته عبر وسائل عدّة بينها مثلا رسوم عقارية أو إصدار طوابع أو ما إلى ذلك”. وأشار إلى أنه سيتم بحث مسألة الإيجار التملكي لأبنية محددة لحظها القانون، وذلك لمساعدة المستأجرين على تملك مأجورهم مستقبلا.
مالكون ومستأجرون… وقانون
نقابة مالكي العقارات والأبنية المؤجرة أصدرت بيانا هنأت فيه المالكين والمستأجرين واصفة إقرار تعديلات لجنة الإدارة والعدل في الجلسة التشريعية بأنه لحظة تاريخية لاستعادة التوازن في العلاقة بين الطّرفين. وطالبت الرئيس سعد الحريري بالمبادرة إلى إنشاء الحساب لدعم ذوي الدخل المحدود من المستأجرين كي يتقاضى المالكون حقوقهم في الأقسام السكنية التي يحتاج فيها المستأجرون إلى الدعم المادي. واعتبرت النقابة أن إقرار التعديلات ليس انتصارا لفئة على أخرى كما كان يحصل في السابق، “عندما غلّبت مصلحة المستأجرين ضدّ المالكين عبر حرمانهم من تقاضي بدلات إيجار عادلة وفرضت عليهم تعويضات بغير حق”.
ويشدد المالكون على المطالبة ببحث اقتراح قانون لإنصافهم بما خص الأقسام التجارية ورفع الظلم عنهم، معتبرين أنّ “حالهم اليوم هي كحال المالكين في الأقسام السكنية وفق القوانين الاستثنائية المتعاقبة التي ظلمت المالكين”، ويطالبون بإنصاف “هذه الفئة من المالكين من أصحاب الأقسام التجارية تحقيقًا للعدالة”. وفيما اعتبروا أن التعديلات مقبولة وإن جاءت في غالبيتها لمصلحة المستأجرين ومنتقصة من حقوق المالكين، اعتبر المستأجرون بدورهم أن حقوقهم لم يحفظها القانون كاملة “وإن كان ما تم إقراره أفضل الممكن وأفضل من القوانين السابقة المجحفة”.
في المقابل، تَجمّع المستأجرون القدامى في ساحة ساسين احتجاجاً على قانون الإيجارات الجديد الذي اعتبروه ظالما وسوف يشرّد عائلات لبنانية فقيرة. لكن مصدر اطمئنان المستأجرين في جانب آخر يعود لدى معظمهم إلى أن الوضع القانوني للعقارات التي يُشغلونها بات معقدا بعدما غيّرت الفترة الزمنية الطويلة الفاصلة بين بداية إشغالهم المأجور وصدور القانون الحالي وتعديلاته، العديد من الوقائع. فهناك العديد من المالكين هم ورثة غير محصوري الإرث، وهناك عقارات مؤجّرة عليها الكثير من المخالفات القانونية وهو ما يجعل عملية المفاوضة مع المستأجرين غير معقدة.
لكن ما يعتبره المستأجرون القدامى حقا لهم ولا يدخل في الإطار القانوني، هو تلك العلاقة العاطفية التي نشأت بين القاطنين الحاليين والأبنية والأحياء التي ولدوا وترعرعوا فيها وراكموا حكايات وذكريات على مدى عقود، معتبرين أن أي قانون مهما أنصفهم ماليا لن يستطيع إنصافهم لناحية البقاء ملتصقين بذلك الماضي والحنين المتصاعد إليه. وإن كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أن ذلك لا يدخل في التشريع ولا يمكن أن يحفظه قانون.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]