#adsense

أول بوسة وطار الـRating وغضب أبو ملحم…

حجم الخط

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1595

“ما سمعتي أبو ملحم شو بيقول؟”، ولم يكن أبو ملحم بطل مسلسل تلفزيوني عادي على “تلفزيون لبنان والمشرق” وحسب، كان “بو ملحم”، أي الفنان الراحل أديب حداد عبر برنامجه الأسبوعي “يسعد مساكم”، بمثابة الأب الروحي لكل عائلات لبنان، به يمتثلون وعبره يوجه إلينا أهالينا النصائح والتوبيخ أيضا حين نخالف قيم  ذاك الرجل الذي سكن الذاكرة الشعبية، وتلك الشاشة التي كانت ذهبية بمسلسلاتها وبالمستوى الثقافي والفني الرائد في زمانه… أيا بنت بدك تضهر معها الليلة؟! كيف بتلبي حاجاتِك الجنسية وإنت عزبا؟! نحن الآن هنا في زمن الحرية الذهبي، وهذه عيّنة بسيطة عما تقدمه بعض شاشاتنا “الذهبية” التي تقيس الذهب بحجم الجرأة التي تجاوزت الوقاحة الى مرحلة الإسفاف، ولأجل عيون الـ Rating كل شيء يهون، وأنا ما عدت أخشى نظرات “أم ملحم” الثاقبة المؤنّبة بل أشتاقها…

كلنا عشاق حرية، كلنا أسياد الإنفتاح والتحرر والاستقلالية، كلنا نلبس الشورت والقصير الحلو المنهمر على الأجساد النحيلة المتناسقة وأحيانا لا، حسبنا أن نلحق خطوط الموضة الى آخر الخيوط، كلنا نريد التفلّت من عادات بائدة بالية تقيّد ليس حرية المرأة وحسب، إنما فكر الرجل أولا وآخرا، باختصار كلنا للتقدم والتطور والانفتاح على كل ما هو جديد وخصوصا في الإعلام… لحظة، هل القيم الإعلامية تدخل في خانة البائد والمتخلّف والعتيق؟!

تصطف عشرات الصبايا أمام المقدّم الكوميدي المهضوم، كلهن أنيقات في عز الصبا جميلات، كلهن يبغين التعرّف الى رجل للخروج معه، لكن الرجل “سي السيد” يريد امرأة واحدة وعليهن تقديم أفضل ما لديهن لإقناعه وإغوائه، ونيّال الرابحة ويا ويل ويلها من نظرات منافساتها الحسودات. قصة عرض وطلب إذن، هذا صلب موضوع البرنامج الترفيهي إياه، “جوان بتركب أحصنة يعني بتعرف ع شو عم تركب”!!! يقول مشترك لمشتركات يتنافسن عليه، يخلع الشبّ الأشبهي ثيابه على الهواء بإغواء واضح تفرضه الموسيقى، ولترى الفتيات عضلاته المفتولة، وتبدأ صرخات الإعجاب والآهات والتأوهات والتهافت لنيل رضاه “أول بوسة نوال وين كانت؟” تقهقه نوال “أخدتو ع بيت مهجور”! مغامرة كريستال وأول قبلة كانت أخطر وأمتع من تجربة زميلتها اللدود “ما كانت مع شب، أول بوسة مع ختيار”، ويعلو الصراخ والصفير “شو رأيكن يا صبايا بهالشب؟” تنظر إليه المشتركات بإعجاب فائق يقارب الهجوم عليه لتقبيله، كي لا نبالغ قولا لنهشه كما قالت إحداهن! “واووو بيعقّد ليك جسمو وعيونو وضحكتو شو حلوين” وتنهال قصائد الغزل فوق الشاب الوحيد في وسط حلبة النساء، وتتنقل أخبار القبلات والصدور العارمة والمغامرات الجنسية من صبية الى أخرى، ومن حلقة الى أخرى و”عندك موهبة خلّيعة”، وتتدفق المواهب المماثلة عبر شاشة كانت ذات عمر شاشة القضية، وصارت تتباهى بأن هذا البرنامج “القنبلة” نال أعلى أعلى نسبة مشاهدة على الإطلاق وربح “القضية” والقضية هنا هي الـ Rating، ولا نستغرب الأمر بالتأكيد، وفي حين تنهمر التعليقات السلبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي على البرنامج الذي يقول الناس إنه لا يمثل الفتاة اللبنانية بشيء، وإن نساء لبنان المتحررات المثقفات لسن أولئك اللواتي يتراقصن أمام رجل لتنال إحداهن غبرة رضاه. يجد الإعلام نفسه في مأزق ما بعده مأزق، لا طيبة “أبو ملحم” ولا لؤم “أم ملحم” ولا الآلاف مثلهما قد ينشلونه من القعر الذي انحدر إليه!

ننتقل الى شاشة أخرى، “كيف بتقدري ما تمارسي الجنس؟!” ترتبك الفنانة “شو هالسؤال هيدا” تجيب بدهشة “انت عزبا كيف بترضي رغباتك؟!” تتلعثم الفنانة المحبوبة أساسا وهي كانت تظن أن مضيفها في البرنامج المذكور الذي سجّل بدوره أيضا أعلى نسبة مشاهدة كما تدعي شاشته، إنما استضافها ليحاورها وبجرأة ليعرف أخبارها الفنية ولا بأس ببعض الأخبار الخاصة التي ترضي فضول جمهورها وللخروج من روتينية الحوار، لكن لم تكن لتعرف أن عقل المضيف في سريرها وحميميتها فقط!! أمثلة أخرى كثيرة عبر برامج فنية حوارية انتقادية أخرى تمر بنا عبر غير شاشة، تدخلنا في حال من الحوار الذاتي الصعب، هل تطوّر الإعلام الى هذه الدرجة ونحن عنه في غياب، وأصبحنا بائدين من فصيلة الديناصورات في إعلام هذا الزمن؟ أم لعل ثمة أزمة حقيقية في الإعلام اللبناني عموما؟ وما هي حدود الحرية في إعلام مماثل؟

يقال إن زمن الستينات كان عصر تلفزيون لبنان الذهبي، كانت ثمة مذيعة مصرية تدعى ليلى رستم، تقدم برنامجا سياسيا وآخر فنيا مع نجيب حنكش، سياسيو لبنان كما فنانيه يومذاك كانوا يتهافتون للقاء رستم وليس العكس، ليس لأن شاشة تلفزيون لبنان كانت الوحيدة يومذاك، ولكن أسلوب المذيعة الأنيق اللبق الجريء في زمنها، أشعل الشاشة رقيا من حضورها، إذ كانت تجعل من مضيفها قيمة إنسانية فنية أو سياسية من دون مغالاة أو محاباة، ومن دون أن تسقط من حسابها انتزاع ما تشاء من معلومات ضمن خطوط حمر لم يرسمها لها أحد إلا مهنيتها العالية، ويومذاك كان تلفزيون لبنان تلفزيون كل العرب.

ليس المطلوب العودة الى زمن الأبيض والأسود بطبيعة الحال، لكن أما عاد من مكان لما “كان” يسمى بـ “الخطوط الحمر” في الإعلام المرئي وحتى المسموع والمكتوب؟! هل من شروط التطور أن تصبح شاشات لبنان كباريه بمعناه اللاخلاقي؟ يا جماعة هل نحن الإعلاميين المتأرجحين ما بين الجيل القديم والجيل الجديد، هل نحن متخلّفون لأننا نرفض الدخول في بازار مماثل؟! أخطر ما يحصل ان المحظور يصبح مباحا عند التكرار “هناك صرخة اليوم لا فقط في لجنة الإعلام وإنما في المجتمع ولدى المرجعيات الروحية من الوضع الأخلاقي المتفلّت في بعض البرامج التلفزيونية وهذا أمر غير مقبول في لبنان ما يحاول أن يُفسد الجيل الناشئ وجيل المراهقين والعائلات، لا يجوز أن يبقى الفلتان إلى هذا الحد وعند هذا المستوى نحن نعمل على حرية التعبير ولكن هناك أخلاقيات وآداب يجب الإلتزام بها وما هو ممنوع في الدول المتطورة لا يجب أن يصبح مسموحاً في لبنان” قال بيان لجنة الإعلام والاتصالات النيابية بعد لقائها والوزير ملحم الرياشي. أكثر من ذلك أحال الوزير الرياشي ملفا إلى المجلس الوطني للإعلام بالبرامج التي تخرق حدود الأخلاق والآداب الإعلامية للنظر والبت فيها. ينجح المجلس في الإمتحان أو يسقط؟ لا نعرف حدود  وزارة الإعلام في برامج مماثلة، وليس المطلوب أساسا إيقافها إنما “ترويضها” لتصبح مقبولة بحدها الأدنى من الأخلاق، هل هذا تخلّف؟!

المفارقة، ان وفي زمن الشاشات البرّاقة الساحرة، نعود لا إراديا الى تلفزيون لبنان، تلك الشاشة المسكينة الغارقة في الماضي واللاإمكانيات المادية، لكن ليس أمتع من حضور وللمرة الألف “حول غرفتي” أو “مختار الحي” أو “المليونير المزيف” وما الى هنالك من مسلسلات حفظناها بالإعادة، عادت هي “الشاشة” على رغم كل شيء، نشرة الأخبار تقدم برصانة نادرة من دون تحيّز، لم نرَ مثلا مذيعة تشرئب بعنقها لتنفث سمومها على الخصم الذي تريده ميتا البارحة قبل اليوم، ثمة هدوء هناك صرنا ننشده كلما عبرت بنا ألوان شاشات رائعة بتقنياتها العالية لكن لا تسألوا عن القضايا، ماتت القضايا فوق تلك الشاشات ونحن المسحورون شهداء أحياء… تخبزوا بالأفراح على القيم الإعلامية؟…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل