#dfp #adsense

الجهاد في لبنان بعد الانتفاضة السورية

حجم الخط

لبنان والانتفاضات العربية في عين العاصفة – تعريب صوفي شماس – الجزء الأول:

على الرغم من أن لبنان لم يشهد انتفاضة مماثلة للانتفاضات التي شهدتها دول عربية أخرى، غير أن الدولة الهشة رزحت تحت ضغط الأحداث التي وقعت في البلدان المجاورة. فأكثر من مليون لاجئ، أي ما يعادل ربع سكان لبنان، انتقلوا من سوريا إلى لبنان، وتواجه جهاديون سنة وشيعة من “حزب الله” في معارك دامية، وتعرض كل من الاقتصاد والتوازن الطائفي الدقيق في البلاد للتهديد. في المقابل شهد لبنان ارتفاعاً في القومية المسيحية، واحتكاكاً مع إسرائيل بشأن الحدود البحرية والنفط والغاز المُكتشفان حديثاً في البحر الأبيض المتوسط. فيما يلي نظرة شاملة على الوضع الحالي في لبنان، وتقييم مفصل للمصاعب التي تواجهها البلاد حالياً.

الجهاد في لبنان بعد الانتفاضة السورية

خلق صعود الجهاد العالمي السني في سوريا، وتدفق أكثر من مليون لاجئ إلى لبنان، وقرار “حزب الله” تقديم مساعدة عسكرية فعالة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ببطء ولكن بشكل تدريجي مشاكل أمنية في لبنان. أما التأثير الأكبر المباشر للحرب السورية فهو أنها عرضت سلامة الأراضي اللبنانية للخطر، وأعادت إشعال التوترات الطائفية، ولأول مرة في تاريخ البلاد، حولت لبنان إلى ساحة متاحة للعمل من أجل “الجهاد العالمي”.

المجموعات الجهادية في لبنان

على غرار معظم البلدان العربية الأخرى، بدأت تظهر أولى بوادر التورط في الجهاد العالمي لدى اللبنانيين بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان في العام 1989. فقد عاد الآلاف من “الأفغان العرب” إلى بلدانهم الأصلية وهم عاطلون عن العمل، ومتطرفون، بعد أن تلقوا تدريباً جيداً في معسكرات تنظيم “القاعدة”. خلال التسعينيات، أسس العديد من العائدين منظمات جهادية خاصة بهم أو انضموا إلى منظمات جهادية ناشئة. واستحوذت هذه المجموعات على “شبكة الخريجين الأفغانية” للحصول على التمويل والأسلحة من أسامة بن لادن ومتبرعين دوليين آخرين.

في لبنان، كانت أبرز هذه الجماعات “عصبة الأنصار” و”جند الشام”. أطلقت عصبة الأنصار في التسعينيات حملة عنف من مخيم عين الحلوة الفلسطيني، تخللتها تفجيرات في ملاه ليلية، ومسارح ومحلات بيع خمور، ومؤسسات حكومية، وفي العديد من السفارات الأجنبية، وأي شيء تعتبره “غير إسلامي”.

ضمت موجة ثانية من الجهاد جيلاً جديداً من اللبنانيين إلى القضية عندما غزت الولايات المتحدة العراق في آذار 2003، إذ بدأت “عصبة الأنصار” و”جند الشام” بإرسال عناصر شابة عن طريق سوريا، بموافقة الأسد، للقتال الى جانب أبو مصعب الزرقاوي في تنظيم القاعدة في العراق. قبل الحرب في سوريا، أنشأ الزرقاوي شبكة عميقة وواسعة من الاتصالات في جميع أنحاء بلاد الشام، تخللتها زيارات متكررة إلى مخيم عين الحلوة طيلة العام 2002. بعد مقتل الزرقاوي في العام 2006 ونجاح الصحوة العشائرية السنية ضد تنظيم “القاعدة” في العراق، عاد عدد كبير من هؤلاء المقاتلين إلى لبنان لمواصلة السعي لتحقيق الأهداف المرسومة قبل رحيلهم، ومنها تقويض أمن لبنان ومهاجمة أهداف غربية، والتحرش بإسرائيل.

كان شاكر العبسي أحد أبرز العائدين، حيث جند أكثر من 130 رجلاً لتأسيس جماعة “فتح الإسلام”. في العام 2006، تمركزت “فتح الإسلام” بشكل دائم في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين، قرب طرابلس في شمال لبنان، وحاولت فرض نمط عيش إسلامي متزمت على سكان المخيم، عبر الترغيب والترهيب، وإصدار الفتاوى، إلى إنشاء مجلس شورى محلي. مع ذلك، انتهت مؤامرة “فتح الإسلام” لخلق تمرد جهادي صريح وجيب إسلامي متشدد في طرابلس إلى نهايته بعد معركة دامت 105 يوماً مع الجيش اللبناني في صيف العام 2007، أجبرت أغلبية أعضائه على الاختباء تحت الأرض.

في العام 2010، ظهرت مجموعة جديدة تدعى “كتائب عبد الله عزام” وجندت بفعالية عناصر من “فتح الإسلام”، و”جند الشام” و”عصبة الأنصار”. يُعتقد أن “كتائب عبدالله عزام” هي الفرع الرسمي لتنظيم “القاعدة” في لبنان، حتى ولو لم يعترف بها تنظيم “القاعدة” علناً، إذ أعلن قائدها المؤسس، صالح القرعاوي، وهو سعودي الجنسية، أن “كتائب عبدالله عزام” أُنشئت بناء على أمر من الزرقاوي من أجل إنشاء خلايا إرهابية في جميع أنحاء بلاد الشام. قاتل القرعاوي إلى جانب الزرقاوي في الفلوجة في العام 2004، وعمل كمساعد لوسيط رئيس تنظيم “القاعدة” في إيران. على مدى السنوات القليلة الماضية، نفذت وحدات “كتائب عبدالله عزام” عمليات في غزة، والخليج، وشبه جزيرة سيناء، ولبنان. على الرغم من أن هيكليتها السرية تجمع جماعات جهادية سابقة في لبنان، فإن شبكة “كتائب عبدالله عزام” فريدة ومميزة لأن انتشارها الجغرافي لا يقتصر على لبنان فقط، بل يتعداه إلى مساحات جغرافية شاسعة.

في حين نشطت “كتائب عبدالله عزام” عشية الانتفاضة السورية، شكّل الجهاد في لبنان حالة إزعاج أكثر منها مشكلة، إذ نادراً ما شُنت هجمات متواصلة أو على نطاق واسع. فقد تكيّفت الدولة اللبنانية مع الحرب التي كانت تدور في البلاد المجاورة، لكن التدخل العلني لـ”حزب الله” في الصراع إلى جانب نظام الأسد خلال معركة القصير في أواخر أيار 2013 عجّل في نمو العنف الجهادي السني داخل لبنان كردة فعل، وعرّض البلاد لخطر زعزعة الاستقرار في السنوات التالية.

الدعاية والفعل: تحليل أنشطة الحركات الجهادية في لبنان

شهدت الساحة اللبنانية أربعة لاعبين أساسيين شكلوا الواجهة الدعائية للحركات الجهادية في لبنان: الشيخ أحمد الأسير، “كتائب عبدالله عزام”، “جبهة النصرة” و”الدولة الإسلامية”.

الشيخ أحمد الأسير

عُرف الشيخ أحمد الأسير بانتقاداته النارية واللاذعة لتورط “حزب الله” في سوريا وللنفوذ الإيراني في لبنان. مع بداية الأزمة السورية، أسس قاعدة دعم صغيرة في صيدا، حيث بدأ بإلقاء خطاباته من مسجد بلال بن رباح. على الرغم من أنه أشتهر بسبب آرائه المناهضة لـ”حزب الله”، يمكن القول إن شعبيته كانت نتيجة الفراغ السياسي الذي تركه الزعيم السني سعد الحريري بعد خسارته موقع رئاسة الوزراء في العام 2011 ومغادرته البلاد. أصبح الأسير صوت المحرومين السنّة الذين تشكلت غالبيتهم من لبنانيين من أصل فلسطيني وسوري ابتعدوا عن تيار “المستقبل”. على الرغم من أن الأسير ظهر في البداية كرجل دين شعبوي، أصبحت لغته ونبرته الخطابية أكثر تشدداً كلما تفاقم الصراع السوري وكلما زاد “حزب الله” وإيران من تدخلهما هناك.

في أوائل العام 2012، ظهر الأسير على الساحة العامة عندما بدأ بنشر لقطات فيديو من خطب حماسية، انتقد فيها “حزب الله” وتنامي النفوذ الإيراني في لبنان. في آذار، احتل الأسير عناوين الصحف، عندما قاد مظاهرة مناهضة للأسد في ساحة الشهداء في بيروت، يرافقه المطرب السابق فضل شاكر. أرسل الأسير رسالة مصالحة، دعا فيها إلى وضع استراتيجية دفاعية وطنية من شأنها أن تعزز قدرة الدولة على تحقيق التوازن في وجه تأثير “حزب الله” المتزايد، وأطلق دعوة مفتوحة إلى جميع اللبنانيين، بغض النظر عن طائفتهم، للانضمام إليه في المظاهرة. حتى هذه النقطة، كان خطاب الأسير سياسياً بحتاً وخالياً من العنف، حيث شدد على ضرورة الوحدة الوطنية لمواجهة قرار “حزب الله” بالتدخل في سوريا وتزايد النفوذ الإيراني في لبنان.

في آب 2012، أصبح خطاب الأسير أكثر عقائدية وتشدداً، حيث أشارت تقارير إلى أنه بدأ عملية تشكيل “كتائب المقاومة” في صيدا بهدف ردع العناصر الموالية لـ”حزب الله”. في تشرين الثاني 2012، قُتل العديد من أتباعه في اشتباك مسلح مع مناصرين لـ”حزب الله” في مخيم عين الحلوة الفلسطيني. بدأ اشتباك تشرين الثاني بعدما رفض موالون لـ”حزب الله” مهلة أعطاها الأسير لإزالة ملصقات “حزب الله” من الأحياء السنية في صيدا. أمعن “حزب الله” في تأجيج الصراع الطائفي بعد أن استفزته انتقادات الأسير المباشرة للسيد حسن نصرالله قبل عدة أشهر. وبما أن “حزب الله” كان يسرّع وتيرة عملياته العسكرية في غرب سوريا، كان من الضروري أن يبرّر مشاركته المتزايدة، والإصرار على عدم نزع السلاح.

بعد هذا الاشتباك، أعلن الأسير أنه “لدينا حساب دموي مع “حزب الله” لا يمكن تسويته إلا بالدم”. وأكد أنه لم يعلن الحرب على كل الشيعة، ولكن فقط على “حزب الله” بسبب دعمه للأسد، وخاطب أتباعه قائلا: “أدعوكم إلى حمل السلاح. ولكن لا تستعجلوا أو تنجروا إلى القتال.” عزز بيان الأسير الشكوك السابقة حول صورته غير العنفية وغير الطائفية، وأبرز صعوده الحاجة إلى قوة استقرار لتحقيق التوازن مع التطرف السني. عندها، أظهر “حزب الله” نفسه، من خلال التعاون مع الجيش اللبناني،  كعنصر لا غنى عنه في الاستقرار الوطني اللبناني وفي خط الدفاع الأكثر فعالية ضد التطرف السني.

في نيسان 2013، أصدر الأسير فتوى أعلن بموجبها أنه من الواجب على جميع المسلمين الدفاع عن أهل السنة في سوريا وحمل السلاح ضد الأسد و”حزب الله”، وخصوصاً في معركة القصير وحمص، كما شجع أنصاره على تشكيل ألوية مسلحة في لبنان لمهاجمة مخابئ حزب الله في صيدا وضواحي عبرا. في أيار من العام نفسه، ظهر في أشرطة فيديو برفقة مسلحين آخرين يقومون بدوريات ويشاركون في القتال في سوريا. وعلى الأرجح، جاء قرار الذهاب شخصياً إلى سوريا من الرغبة والحاجة إلى دعم فتواه، إذ كان يحتاج إلى اكتساب شرعية “مجاهد” حقيقي للحفاظ على ولاء أتباعه، ولكن أيضا لتوسيع وعسكرة وجوده في صيدا.

تحددت الفترة الفاصلة الثانية في قصة الأسير في حزيران 2013، عندما أرسل إنذاراً إلى “حزب الله” لسحب وحداته من ضاحية عبرا في صيدا حيث مسجد بلال بن رباح. دعا الأسير أنصاره علناً إلى مهاجمة مواقع الجيش اللبناني وطلب من العناصر السنية الفرار من الجيش. ثم نشر أكثر من مئة عنصر في جميع أنحاء المدينة وبدأوا بإطلاق النار على مباني “حزب الله”. بعد بضعة أيام، أطلقت مجموعة من الموالين له النار على نقطة تفتيش للجيش في عبرا مما أسفر عن مقتل جنديين من الجيش اللبناني وأدى إلى سلسلة من المعارك الطاحنة.

انهارت خطوط دفاع الأسير بسرعة تحت ضغط الانتشار السريع لدبابات ومدفعية الجيش ووحدات المشاة في صيدا، في حين تلكأ فلسطينيو مخيم عين الحلوة في مساعدته، الأمر الذي دفعه أخيراً إلى الهرب والاختباء مع معظم مؤيديه، حيث بات من الأسهل له إطلاق مواقف لاذعة وأكثر راديكالية ينتقد فيها “حزب الله” والحكومة اللبنانية بعد أن أصبح مختفيا عن الأنظار.

تأثير الأسير على المقاتلين اللبنانيين لا يرقى اليه الشك. فقد كان أحد أوائل المقاتلين اللبنانيين الذين انتقدوا علنا “حزب الله” وأنشطته في سوريا، وتمتعت خطبه برمزية وإيديولوجية لافتة حولت مسألة انتقاد “حزب الله” من المحرمات إلى مفهوم شائع. كما أن انتقاداته تسارعت وتوسعت لتشمل الحكومة اللبنانية والجيش، وخلقت سابقة أيديولوجية كبيرة للجماعات الجهادية الأخرى التي ظهرت كتداعيات للحرب السورية. فقد أصبح الأسير رمزا للمظالم السنية التي تترجم إلى أعمال عنف من أجل أن يتم سماعها.

(يتبع)

written by Maximilian Felsch and Martin Wählisch

المصدر:
jihadology.net, فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل