“إفتتاحية المسيرة” ــ خطة عزل العهد

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” – العدد 1569

لما لم تعد هناك إمكانية لمنع انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية، وطالما أن العماد عون صار رئيسًا في قصر بعبدا، وطالما أثبت أنه يتحرك كرئيس كامل الصلاحيات ومستوفي الشروط، ولما نجحت عملية تشكيل الحكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري، وبعدما استمر الزخم الذي أطلقه تفاهم معراب بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”، لذلك تجري محاولة محاصرة العهد وعزله من خلال المواجهة التي تخاض ضده في موضوع قانون الإنتخابات لمنعه من أن تكون له قاعدة نيابية يرتكز إليها في ممارسة صلاحياته الدستورية التي أقرها له الطائف.

لا يستطيع رئيس الجمهورية أن يلعب دور الحكم من دون الإرتكاز إلى كتلة نيابية وازنة تضاف إلى تمثيل حقيقي في الحكومة. من هذه الزاوية يمكن فهم الحرب التي تشن ضد العهد في موضوع قانون الإنتخابات. عندما أعلن الرئيس عون في مجلس الوزراء أنه يرفض إجراء الإنتخابات على أساس قانون الستين وأنه إذا خيّر بين التمديد للمجلس الحالي وبين الفراغ يختار الفراغ، خشي كثيرون من الإتجاه الذي يمكن أن تسلكه الأمور خصوصًا بعدما تريث وزير الداخلية في طرح موضوع تشكيل هيئة الإشراف على الإنتخابات وسعى البعض إلى التشكيك بموقف الرئيس معتبرًا أنه يتعارض مع صلاحياته الدستورية.

تنطلق الحملة ضد قانون الإنتخابات الجديد على أساس أنه لا يمكن احتمال وجود رئيس قوي للجمهورية يتمتع بموقع قوي في الحكومة، وبالتالي لا يمكن أن تكون له قوة إضافية في مجلس النواب. وهذه القاعدة كان معمولاً بها منذ أيام عهد الوصاية الذي منع التطبيق الصحيح للطائف.

بموجب الطائف كان يجب أن تحصل الإنتخابات النيابية في ربيع العام 1994 بعد تعيين النواب ورفع العدد من 108 إلى 128. ولكن خوفاً من أن تتمكن “القوات اللبنانية” وقتها من الإستفادة من عامل الوقت للتحضير للإنتخابات فرض النظام السوري أن تحصل الإنتخابات في ربيع العام 1992 ليأتي بمجموعات نيابية مفككة لتكون له السيطرة التامة على المجلس النيابي وليمسك بكامل المفاصل السياسية. ولذلك لم يكن مثلاً وصول الرئيس رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة مقبولاً في بداية عهد الرئيس الياس الهراوي مع بقايا مجلس 1972 بينما صار ممكناً مع مجلس 1992 الذي كانت أكثريته الساحقة “سورية”.

وعلى رغم ذلك ومع تحضير “القوات” لخوض انتخابات العام 1996 تم تدبير قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل لملاحقتها وحلها واعتقال رئيسها ومنعها من العمل السياسي. ولكن على رغم ذلك لم يستطع النظام السوري التحكم بمسار اللعبة النيابية. ففي العام 1996 دخل الرئيس رفيق الحريري إلى مجلس النواب ولكن ضمن الضوابط التي حددها له عهد الوصاية. وفي العام 2000 خاض مع وليد جنبلاط وبقبول مسيحي المعركة متحررًا من النواب الذي كانوا مفروضين عليه. وعندما كاد يربح الإنتخابات في العام 2005 بالتحالف مع جنبلاط والقوى المسيحية وبكركي ولقاء قرنة شهوان تم اغتياله في 14 شباط 2005 لقطع الطريق أمام احتمال حصول أي انقلاب في التوازنات داخل مجلس النواب. وبعدما فازت قوى 14 آذار بالأكثرية في انتخابات 2005 وانتخابات 2009 تم منعها من ممارسة حقها في أن تشكل حكومة الأكثرية.

اليوم وقبل انتخابات 2017 تبرز الأهمية التي تبنى عليها نتائج هذه الإنتخابات. فميشال عون في بعبدا وسعد الحريري في السراي وفي ظل تفاهم معراب لا يمكن القبول بأن تكون هناك أكثرية نيابية صافية تستطيع أن تؤمن القاعدة اللازمة للحكم. فالرئيس ميشال عون بعد انتخابه وقبل تشكيل هذه الحكومة أعلن أنها ليست حكومة العهد الأولى وأن هذه الحكومة هي التي ستتشكل بعد الإنتخابات النيابية ودائمًا على أساس أن هذه الإنتخابات ستكون هي القاعدة الأولى والأساسية لانطلاق عملية إصلاح النظام وتركيز سلطة الدولة والحكم والبداية الفعلية للعهد.

إذا كان مفهومًا اعتراض الحزب التقدمي الإشتراكي على قانون الإنتخابات ومطالبته بقانون يؤمن للطائفة الدرزية حقها في التمثيل الصحيح، فإن ما ليس مفهومًا هو معارضة “حزب الله” ومعه “حركة أمل” لمشروع القانون المختلط الذي نسب إلى وزير الخارجية رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل.

تنطلق معارضة الثنائية الشيعية لهذا القانون ولأي قانون آخر غيره من قاعدتين:

الأولى أن لا يسمح لتحالف “القوات” و”التيار الوطني الحر” بالحصول على أكثرية الثلث داخل مجلس النواب لأن هذا الثلث سيكون القوة التي يستند إليها العهد في الحكم وفي تثبيت قدرته على رفض ما عليه أن يرفضه لأن المشاريع التي يعترض عليها وتحال إلى مجلس النواب تحتاج إلى أكثرية الثلثين لكي تمر من دون موافقة الرئيس. بالإضافة إلى ذلك يعتبر “حزب الله” ومن معه من مجموعات متفرقة تطالب بأن تكون ممثلة أن الحصول على هذا الثلث يجعل انعقاد مجلس النواب بيد التحالف القائم بين القوتين المسيحيتين الأساسيتين، خصوصًا في موضوع تأمين النصاب لأي جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية لا يوافقن عليه ويريان أنه مفروض فرضًا ولا يمثل بيئته وليس قويًا.

القاعدة الثانية التي لا يريد “حزب الله” لها أن تكون هي أن لا يتمكن أي تحالف سياسي من تأمين أكثرية الثلثين. وهذه الخشية تنطلق من احتمال أن يتمكن “القوات” و”التيار” مع “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الإشتراكي” وبعض الحلفاء الآخرين من الحصول على هذه الأكثرية بحيث يتمكنون من عقد جلسة نيابية دستورية النصاب لانتخاب رئيس للجمهورية. وهذه الخشية تنطلق من استطلاعات رأي رجحت حصول “القوات” و”التيار” و”المستقبل” والإشتراكي على أكثر من 85 نائب في حال اعتماد قانون الستين أو المختلط، مع أن هذا المجلس النيابي الذي سيتم انتخابه في العام 2017 لن ينتخب رئيس الجمهورية بحكم انتهاء ولاية الرئيس عون في آخر تشرين الأول 2022 وبالتالي فإن المجلس الذي سينتخب في العام 2021 سيكون أمام مهمة انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ولكن على رغم ذلك فإن المعارضين يهدفون إلى منع تحقيق هذا الإحتمال الإفتراضي حتى لا يكون سابقة تمهد لتكراره في العام 2021.

ولكن إذا كان هناك تسليم بأن قانون الستين مرفوض فهل رفض أي قانون آخر يهدف إلى عزل العهد ومنعه من أن تكون له انطلاقة قوية بعد الإنتخابات؟ وهل يمكن أن يؤدي رفض مشروع قانون الوزير باسيل إلى رفض أي قانون آخر؟ وبالتالي هل يجب أن يكتفي الرافضون بالرفض أم باقتراح قانون بديل وخطة بديلة لتجنب الوصول إلى الخيار بين التمديد أوالستين وبين الفراغ؟

قال الرئيس ميشال عون: “ما تجربوني بتعرفوني”. والرئيس يواجه تحدي تطبيق الطائف من خلال الوصول إلى الغاية التي كانت من وراء الطائف وهي تحقيق التمثيل الصحيح وتمكين رئيس الجمهورية من الحكم من خلال أدوات الحكم، ومجلس النواب هو الأداة الأساسية لسلوك هذا المسار. وبالتالي فإن انتخابات 2017 يجب أن تكون الطريق لتحرير الحكم من أي وصاية ولتجنيب العهد أي محاولة لعزله وتطويقه لأنه ليس من مصلحة الجميع مواجهة الفراغ في مجلس النواب وخوض مواجهة مع العهد وأن يكونوا على خط واحد مع الرئيس كما قال رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء أول شباط قبل 13 يومًا من ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل