قانون الإنتخاب والهدف الحقيقيّ

يتكثّف البحث في الآونة الأخيرة عن قانون انتخابيّ وفق المعايير الميثاقيّة التي نصّ عليها اتّفاق الطّائف، وبمراعاة هواجس جميع الفئات في المجتمع الموزاييكيّ اللبنانيّ، ومن دون إلحاق الغبن بأيّ طرفٍ. لكن وسط هذا الصّراع تبقى الإشكاليّة المطروحة مرتبطة فقط بالسّؤال التّالي: “لماذ يُرفض أيّ قانون مطروح؟ ولماذا يُبحث دائمًا عن عراقيل تعيق ولادة القانون المنتظر”؟

لم يعد البحث بعد تقديم القانون المختلط، في ماهيّة هذا القانون، وفيما إذا كان يؤمّن العدالة لكلّ اللبنانيّين. فلمّا وُضع هذا القانون بقي مطروحًا على بساط البحث وإمكانيّة التّعديل فيه ما زالت قائمة. إلا أنّ هذا الرّفض ليس مبنيًّا على أسس قانونيّة تقنيّة إنّما على خلفيّات سياسيّة. لكن العودة إلى الوراء باتت مرفوضة. و  كما واجه كلّ الشّرفاء الفراغ في رئاسة الجمهوريّة الذي كان ذو خلفيّة تفريغ الدّولة، وذلك من خلال الوصول إلى انتخاب رئيس الجمهوريّة، لن نسمح بالفراغ  في السّلطة التّشريعيّة. فالقانون سيقرّ شاء من  شاء وأبى من أبى.

إلا أنّ السؤال المشروع اليوم والواضح الأهداف لماذا هذا الرّفض القاطع؟ فهل من يرفض القانون المختلط المقدّم من قبل “القوّات اللبنانيّة” يطرح بدائل؟ أم أنّ الرّفض هو للرّفض، وذلك لمجرّد أنّ هذا القانون يعيد الأحجام الحقيقيّة لمن كان طوال ربع قرن يتبجّح بحجم حصّله نتيجة انقضاضه على غيره. هذا الزمن ولّى إلى غير رجعة، وما لم تقبله “القوّات اللبنانيّة” على نفسها لن تقبله على غيرها.

المنطق السّليم يقول بأنّ الرّافضين وجب عليهم أن يطرحوا البديل، وإذا لم يقدموا على ذلك، فلنعد إلى القوانين المطروحة سابقًا على بساط البحث. فهل يقبلون بالدّائرة الفرديّة، أو بالقانون الأورثوذوكسيّ أو حتّى بشكل جديد ومعدّل لقانون السّتين؟ طبعًا لن يقبلوا بكلّ هذه. والسّبب الرّئيسيّ هنا يكمن في إرادتهم التي باتت واضحة وضوح الشّمس. فعندما أيقنوا أنّهم لن يستطيعوا كبح عجلة رئاسة الجمهوريّة من خلال الحكومة، ها هم اليوم يجرّبون سياسة التّعطيل في موضعٍ آخر. فما تعطيل قانون الإنتخابات إلا إمعانًا منهم بتعطيل دور رئيس الجمهوريّة.

فمن عطّل في الماضي انتخاب الرّئيس أكثر من سنتين ونيّف، يتابع سياسته بانتظار متغيّرٍ ما إقليميًّا ودوليًّا. وهذا ما لم يعد خافيًا على أحد. فـ”حزب الله” الضّليع والغارق بمستنقعات المنطقة، لن يقبل أن يعود إلى لبنان من بوّابة قانون انتخابيّ ينزع عنه كلّ من حاول التحدّث باسمهم طوال ربع القرن المنصرم. وليس من مصلحته أن يكون في لبنان رئيسًا قويًّا يطبّق قرار عودة اللاجئين والنّازحين السّوريين، إمّا إلى بلادهم، وإمّا إلى مخيّمات خاصّة بهم.

لهذه الأسباب يُرفض القانون المطروح اليوم وسيرفض أيّ قانون آخر لأنّ الهدف هو نفسه، التّعطيل ثمّ التّعطيل. فإمّا أن يستنسخوا مجلسًا نيابيًّا على غرار المجالس السّابقة، وإمّا أن يستمرّوا في التّعطيل ليرموا بعدها بلاءهم على غيرهم بعرقلة العهد. لذلك، سيبحثون دومًا عن عراقيل لأنّ الهدف بات واضحًا للعيان. وما يطالبون به، أي لبنان دائرة واحدة على أساس القانون النّسبي، إنّما يخرج عن إطار اتّفاق الطّائف فيما لوطُبّق بوجود السلاح المتفلّت والسلاح غير الشّرعي بيدهم داخل وخارج لبنان.

فلو لوّحوا من اليوم وإلى أبد الآبدين، ولو نعوا هذا الإتّفاق ملايين المرّات، فلن نسمح بذلك قبل أن ننتج بواسطته سلطة تشريعيّة متوازنة، تكون عندها السّلطة المخوّلة للبحث في تعديلات على هذا الإتّفاق أو حتّى تغييره بالكامل. فمن أبرز مفاعيل 18 كانون الثّاني 2016 في معراب، إسقاط الإنقلاب على الطّائف والعودة إلى كنف ميثاقيّة المناصفة للوصول إلى إنتاج سلطة تشريعيّة متوازنة ومقبولة من الجميع.

وكلّ ما هو مطروح من حوارات للحوار، أو من حوارات مع سلاح موجّه إلى المتحَاوَرِ معه مرفوض رفضًا قاطعًا. فالبحث الوحيد المقبول اليوم هو في إيجاد القانون الإنتخابيّ الأمثل. وما الفراغ في السّلطة التّشريعيّة الذي لوّح به فخامة رئيس الجمهوريّة إلا دواءًا للدّاء الذي يرمونه علينا. والايام قادمة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل