
لو كان “الغينيس بوك” يحتوي باباً للشعوب المنتصرة والعاجزة عن الإحتفال بالنصر، لاحتكره لبنان والشعب اللبناني، ولم يكن ليحطّم أرقام لبنان في الكتاب سوى لبنان.
في العام 1989 إنتصر لبنان على “الحرب الأهلية” ولم يستطع التعايش مع السلم وشروطه مع إقرار إتفاق الطائف، في العام 2000 إنتصر لبنان على الإحتلال الإسرائيلي ولم يتنعّم بالتحرير، في العام 2005 إنتصر لبنان على الإحتلال السوري وتحرّر من عهد الوصاية ولم يهنأ بال اللبنانيين مع استعادة حريّتهم ولا استطاعوا إستعادة الدولة ولا الدخول في منظومة الدول المستقلّة…
لو نشر “الفيسبوك” إحصاءات عن الشعوب الأكثر إستخداماً لموقعه، سياسياً (وربما إجتماعياً)، قد يحوز اللبنانيون على الصدارة، لا نضع الأمر في خانة العيب، بل نشير إليه للدلالة على أن اللبنانيين لا تنقصهم الثقافة السياسية أو الوطنية وهم من دافعوا عن وطنهم ودفعوا أثماناً باهظة للحفاظ عليه في وجه جميع الأزمات ووصلوا إلى الإنتصار ولكنهم عجزوا عن تجاوز عتبته والولوج إلى الإحتفال بالنصر وإستغلال مفاعيله، لماذا؟
بمعزل عن التمثيل الطائفي، لقد عانى لبنان من غياب التمثيل السياسي الحقيقي للمكوّن المسيحي، صحيح أنه تمّ إحترام مبدأ المناصفة في تركيبة الحكم من خلال المساواة بين المسيحيين والمسلمين ولكن ذلك لم يكن كافياً لتجاوز الخلل السياسي في التوازن الذي أراده إتفاق الطائف في نصّه وأعرافه وروحيته، وهذا الخلل أدّى إلى عزوف المسيحيين عن الإنخراط في الدولة ما أسفر عن إختلال في تركيبة الدولة وهذا يتحمّل مسؤوليته الذين تولّوا التمثيل المسيحي منذ إنتخابات العام 1992 خلال مرحلة “الطائف السوري”، بعد سجن ونفي طوعي وإختياري للقادة المسيحيين وإنكفاء أنصارهم عن الإنخراط في دولة لا تشبههم…
على الضفة المقابلة طائفياً ووطنياً نجح النظام السوري في إحكام قبضته على شبه الدولة اللبنانية من خلال توزيع أدوار ومغانم السلطة لمن ارتضى تنفيذ أحكام “الطائف السوري” وفقاً للتوازن الطائفي من خلال أشخاص اكتفوا ببناء زعامتهم على رؤوس المحاسيب غير آبهين بالغالبية العظمى من جميع الطوائف التي لم تزدها الإنتصارات المتتالية سوى إنكسارات متراكمة لحساب من أمعن في إستغلال مرافق الدولة، ودخلنا في إنقسام الشعب اللبناني إلى قسمين كل منهما متوازن طائفياً، الغالبون ارتهنوا للمصالح الشخصية والأحرار الخائبون الغائبون أسياد المصلحة الوطنية…
إنّ كل ما سبق وقائع دامغة، كان لها أداة واحدة لإستمرارها وتشريعها، قانون الإنتخابات النيابية المفصّل على قياسات، الجميع يعرفها، وقد كانت الغلبة فيه للباطل فيما أصحاب الحق إنكفأوا فاقدين كل أمل في إمكانية التغيير الديمقراطي في وطن التحق وِزْراً وزوراً بالأنظمة الشمولية ولا يملك من الديمقراطية سوى الواجهة، لذا لا يصحّ القول والإدعاء بأن المطالبة بقانون إنتخاب عادل قدر الإمكان هو مطلب للمسيحيين وإن كان مسيحياً، فالهدف هو إعطاء الشعب اللبناني المعتكف عن دولته ووطنه، فرصة للتغيير وإنتخاب ممثليهم بإرادتهم وقدرتهم، كما هي فرصة للنواب الحاليين لتثبيت زعامتهم وجدارتهم في مناصبهم ودحض كل ما يقال عن الأحجام وصحة التمثيل أو عدمه، ومحاربة تطوير قانون الإنتخاب ليس سوى دليلاً على عدم الثقة بالنفس وبالشعب الذي سيتوجه إلى صناديق الإقتراع مخيّراً لا مسيّراً من خلال قانون لن يشكّل إنقلاباً حقيقياً ومفاجئاً، بل بداية لمسار طويل من الديمقراطية على طريق إستعادة الدولة وإنتصار الربيع اللبناني بما يليق بالإحتفال بالنصر هذه المرة.
حان الوقت للإعتراف بأن اللبنانيين ليسوا بخير وبالتالي لبنان يعاني وهو لا يستطيع الإستمرار، مع فقدان مقومات الصمود، لو افترضنا حسن النوايا، فالوضع السائد لم ينجح في إيفاء اللبنانيين حقوقهم المادية والمعنوية والسياسية والمعيشية وفشل في رفع منسوب الكرامة والمواطنة، ثقوا بالشعب، لا أحد ينكر أن جميع القوى في لبنان هي قوى فعلية وفاعلة، أعطوا الشعب ما يستحق من الثقة، وكفى التلطي خلف ذرائع واهية والدفع بالعصبية الطائفية والمذهبية للتهويل على الرأي العام.
