#adsense

المحررون من المعتقلات السورية ينتظرون: أين التعويضات وأين القانون؟

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1596

العام 2001 وبسهولة كرجة المياه في السواقي، أُقر قانون  تعويضات في مجلس النواب للمعتقلين المحررين من السجون الإسرائيلية، منذ العام 2008  تقدم النائب إيلي كيروز باقتراح قانون تعويضات للمعتقلين المحررين من المعتقلات السورية، وحتى اللحظة لم يجد مشروع القانون الذي وافق عليه لاحقا نواب “التيار الوطني الحر”، منفذا للتحرر من لجنة  الإدارة والعدل والخروج الى الحرية، عل من اعتُقل وتعرّض لأقسى أنواع التعذيب على الاطلاق هناك، لا يعاقب في الحرية المفترضة، إذ يخرج المحررون من وحشية نظام الأسد ليؤسروا في تلكؤ مجلس النواب وليتحول هؤلاء المحررون الى لقمة سائغة للعوز حينا والإهمال في كل الأحيان.

ماذا تفعلون بهؤلاء الأبطال؟!

لعل البطولة استنسابية أيضا، لعل للظلم طعم بسمنة وآخر بزيت، ثمة ما هو احتلال وقمع هناك هو حرية واستقلال هنا، لم يشهد التاريخ الحديث على وحشية مماثلة، معتقل يطعم، وبالقمع طبعا، الأسرى الجرذان الميتة والحيّة أيضا، معتقلون صاروا حيوانات بشرية تأكل البراز أحيانا لأن السجّان يستمتع ويتلذذ ويسكر على انين الانسانية فيهم، اقرأوا كتاب  المعتقل المحرر علي أبو الدهن “عائد من جهنم” لتتعرفوا الى المزيد من أخبارهم، اسمعوا شهادات المحررين منهم، هؤلاء الشهداء الأحياء الحقيقيين لتعرفوا، إذا ما تمكنتم من سماع المزيد، لتعرفوا كيف يتحول البشر وحوشا ضارية كوحوش ذاك النظام المجرم، والأقسى بعد، كيف يحوّل البشر الى حيوانات تعيش بما تبقى لها من غريزة البقاء ليسكر النظام على بقايا تلك الهياكل المرمية جرذانا، في ظلام زنزانات لم يدخلها قبس ضوء وهواء منذ أعوام.

نعتذر من قسوة التعبير، لكن القسوة ليست عمليا في التوصيف إنما في واقع الحال، وما يعاني منه هؤلاء القلة المحررون من ذاك الجهنم. يوم حُرر من كان يسمى بعميد الأسرى سمير القنطار من السجون الإسرائيلية، خرج مكتنزا بأفضل صحة، كانت تزوره المنظمات الإنسانية وتشرف على وضعه في السجن كما سواه من الأسرى اللبنانيين لديها، والأكثر من ذلك خرج وبحوزته شهادة الدكتوراه بعدما سمح له جيش الاحتلال الإسرائيلي بأن يكمل اختصاصه وهو في السجن! يخرج، إذا حصل وخرج أحدهم، معتقلونا من المقابر السورية أشباه بشر، هي التي كانت مصنفة ذات احتلال بغيض بالدولة الشقيقة، يخرجون عديمي الصحة، مضطربي العقل والتوازن، لا يملكون سوى ما تبقّى من حواسهم، حتى الكرامة التي كانت تعبق في داخلهم تستشهد في تلك المقابر حيث دفنوا أحياء لأعوام وأعوام، يخرجون معدمين الى العدم حسبهم وأهاليهم أو من تبقى منهم، حسبهم الرب الذي يتكفّل بهم، حسبهم وقدر ظالم ودولة لا تكترث بهم، لا تبالي بمعاناتهم ولا بمصيرهم، ولا تعترف حتى بتصنيفهم “أسرى محررون” كي لا تضطر الى الاعتراف لاحقا بحقوقهم وبواجباتها تجاههم، يخرجون الى الحرية فيدخلون أسرا من نوع آخر، الحرمان اللامبالاة الموت البطيء في العوز غالبا، وفي النكران في كل الأوقات.

“نحنا جمعية المعتقلين اللبنانيين بالسجون السورية، اعتقلونا  بأرض الوطن وأخدونا على  السجون السورية المنتشرة على جميع أراضيها تعسّفاً وبغير حق، كنّا بالآلاف وتحرّر منّا قسم وبقي قسم آخر كبير مجهول مكان اعتقاله خصوصا بعد هالحرب والفوضى بسوريا، ما بدنا شي من الدولة اللبنانية إلا تعويضات تأمّن مستقبلنا، تحررنا بأيام الاحتلال السوري وما حدن تجرأ وتطلع فينا كنا منبوذين من المجتمع. ليش؟ نحنا أبطال واعتقلنا لأننا أبطال ومناضلين، وقت تم جلاء الاحتلال السوري حاولنا نتحرك عبر مجلس النواب وطالبنا بتعويضات مماثلة لتعويضات المحررين من السجون الإسرائيلية وتقدم النائب إيلي كيروز باقتراح قانون ولليوم ما توافق عليه. ليش؟” يصرخ الدكتور جوزف هليط الأسير السابق في معتقلات آل الأسد “الكرام”.

قبل الدخول بتفاصيل مشروع التعويضات الذي تقدم به  أولا النائب إيلي كيروز عن “القوات اللبنانية”، يذكر ان أربع دفعات من المعتقلين اللبنانيين من السجون السورية، حرروا منذ العام 1988 وصولا الى العام 2000، وبلغ عددهم  بالإجمال 273 محررا، وهذه الدفعات مسجّلة وموثّقة.

العام  2001 صدر مرسوم يحمل الرقم 364 يستفيد بموجبه المعتقل المحرر من السجون والمعتقلات الإسرائيلية من تعويضات مادية تعينه على العيش في كرامة ومن دون عوز. “القوات اللبنانية” ممثلة بالنائب إيلي كيروز تقدّمت باقتراح قانون بذات المعنى لتقديم تعويضات مادية ومعنوية للبنانيين المحررين من السجون السورية بتاريخ  8/3/2008 ، وبعد نحو عام عاد النائب أنطوان زهرا وطرح المشروع من جديد، ومن ثم  عاد وتقدم النائب آنذاك ميشال عون بقانون معجّل مكرّر للتعويضات إياها، ووصل اقتراح القانون الى لجنة الإدارة والعدل التي أصدرت توصية إضافية  لتحديد من هو الأسير المحرّر من السجون السورية، وشرحها النائب إبراهيم كنعان آنذاك بأن “الأسير أو المعتقل السياسي وجريمته هي جريمة رأي ومن اعتقل بغير جرمٍ شائن (قضائي) وذلك تحدّده مديرية المخابرات أو أوراقه الثبوتية المعطاة له عند تحريره من السجون السورية”.

وبدأت رحلة القانون المقترح المفترض مع الجوارير وغبار التأجيل المتعمّد والعنكبوت الذي بدأ يحيك قصوره  العامرة فوق حبر القرار الذي بقي حتى اللحظة حبرا على ورق، لماذا ومن الذي اعترض بداية ولأي سبب يُسلب المحررون حقهم الطبيعي من دولتهم؟.

لم يعترض نواب “حزب الله” على الاقتراح لكنهم لم يؤيدوه ولن يفعلوا، هذه العقبة الأولى. الرئيس فؤاد السنيورة رفضه يومذاك معتبرا ان هذه التعويضات ستكبّد خزينة الدولة ما يفوق طاقتها! الرئيس نجيب ميقاتي اقترح بدل التعويضات تأمين بعض الحاجيات للمحررين كمن يتصدّق عليهم!! وهكذا قبع اقتراح القانون في الانتظار وكذلك المحررون “ما بكذب عليكي إنو  نحنا كتير متشائمين، من يوم تحررنا لليوم مات 25  شب من رفاقنا وغالبيتهم لأن ما قدروا أمنوا الطبابة اللازمة لأمراضهم، شي بيحزّن وأمر مؤسف مؤسف للغاية” يقول الدكتور هليط الذي كان اعتقل العام 1992 وأخلي سبيله العام 2000. 8  سنين وشهر وخمسة أيام اعتقلت ولولا عناية أهلي بي ما قدرت أكملت علمي وتخرجت طبيب صحة عامة لكن مئات المحررين غيري عم يعيشوا بالعوز وما حدن ملتفت عليهن”.  ما يحزن هؤلاء ليس أنهم اعتقلوا لأسباب سياسية وبتهمة الانتماء تحديدا الى “القوات اللبنانية”، بل يعتبرونها تهمة شرف تعلّق على مسيرتهم النضالية الشاقة، لكن يغضبهم أسلوب التعاطي معهم في مجلس النواب تحديدا الذي يتعمد إغفال هذه التعويضات. “طريقة التعاطي بالملف إفرادية وليست جماعية كما يجب ان تكون، النائب كيروز و”القوات اللبنانية” فعلت المستحيل لتمرير القانون وما قدروا حتى اللحظة، الجمرة ما بتحرق إلا مطرحها ولازم نرد الاعتبار لهالأشخاص لـ بعدن عم يعانوا كتير صعوبات بحياتهم، لازم نرد الاعتبار للمعتقلين المحررين ليس بالاستقبالات والتكريم والخطابات، تكريمن بيكون إنو نحفظ كرامتن” يقول هليط.

كيف تحفظ كرامة معتقل محرر؟ لماذا تعويضات المحررين من السجون الإسرائيلية وجدت الطريق الآمن المعبّد لها في مجلس النواب لتكون نافذة في خلال شهور قليلة، في حين قانون التعويضات للمحررين من السجون السورية ينتظر منذ أعوام؟ أليس شبابنا لبنانيين أيضا؟ هل تصنيف المعتقل في إسرائيل هو غيره في سوريا؟ “لـ بدنا اياه أولا اقرار قانون التعويضات وتانيًا اعتبارنا من المعوقين أو الشهداء الأحياء لأن إصابتنا تفوق أحيانا الإصابة الجسدية، إصاباتنا معنوية نفسية ما حدن بيعرف شو صار معنا ولا بيقدر يتخايل المصايب لـ لحقتنا وشو عم بيصير بهالمحررين، أخبار موجعة مذلّة مهينة لكرامتهم، كل المطلوب الاعتراف بوجودنا واحترامنا بحياتنا وليس بعد موتنا”، أهذا مطلب مستحيل من محرر عاش حتى العظم معاناة الاعتقال وشرب كأس الموت وهو شبه حي في السجون الرهيبة؟.

حتى اللحظة اقتراح القانون ما زال أسيرا، يقبع هناك في لجنة الإدارة والعدل، في انتظار درسه وإقراره بعدما كان المحررون إياهم وجهوا رسالة مفصلة لرئيس البلاد يشرحون فيها مسار القانون ويطالبونه التدخل لإحقاق الحق، وأحالهم الرئيس الى المستشار العسكري والأمني العميد بولس مطر لدراسة القضية.

هذه بلاد استثنائية لا شك، إذ هنا وهنا فقط  تمارس العنصرية على المعتقلين، هنا وهنا فقط  يقسم المجتمع السياسي “الفاضل” بالتأكيد، المعتقلين المحررين الى قسمين، معتقل محرر بطل وآخر منبوذ، معتقل محرر له الحق بالكرامة والتعويضات وآخر يحال الى نهاياته السوداء البطيئة، هنا وهنا فقط الأبطال في لبنان الى النسيان والجحود وما عاد يهمنا ان نسأل عن الآخرين، لو كانت هذه البلاد بلادا، لفتح الإعلام  هواءه لهؤلاء، لخصص لهم يومًا تلفزيونيًا طويلاً في السنة يخبر عن معاناتهم ويفتح لهم صندوق دعم،  لكانوا نالوا الدعم الشعبي من الفئات كافة، لو كانت هذه البلاد غير ما هي عليه، لتبوأ المعتقلون المحررون اعلى المناصب وصاروا نوابا عن الأمة على الأقل لأنهم أبناء المعاناة والنضال، شهود وشهدا أحياء لأجل الحرية… فقط لو كانت هذه البلاد بلادا حرة بالفعل وليس افتراضيا، لكان صار المعتقلون المحررون من سوريا تحديدا، شرف الأمة ودرسا من دروس تاريخ  مجيد في كتاب، بالتأكيد لن يدرّس يوما لأنها جمهورية متخصصة في الهروب الى الأمام…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل