
في كل مرَة أستمع الى عظة للمطران الياس عودة، أتوقَع حدثاً. فكأن عظته عقل صيغ بالكلمات. هو ينفرد عن الأشباه، إذ يطوف متعملقاً ينثر من قلبه وعقله خلاصات. في ذاته بعض من تفوق، ولا عجب، فإذا تكلم أحسسنا أن سلكاً من اللآلئ انتثر. على يديه أترف الفكر وارتاح الحس بالآخر وتكاثفت الوطنية فرجحت في الكفة. في كل وقفة عنده قول مبين، حتى غدا شأنه شأن المنارات التي تضيء أفقاً ولا احتراق، وقدره قدر الرواد الذين عدهم عد الأصابع وفاعليتهم فاعليَة أمم.
يا سيَدنا الياس، أنت العروف بأزمنة الجحود والصدأ، تلك التي تمادت الى غير حد، وزاغ معها خط التوازن، فغدت المقاييس مقلوبة والمفاهيم ممسوخة. في عصر الغروب والغربة، علمتنا أن نثق دائماً بالشمس لأنها تعود باستمرار. علمتنا أن الحياة محفوفة بالأخطار ليس بسبب من يفعل الشر، بل بسبب الذين يرونه ولا يحركون ساكناً. علمتنا أن الكلمة حكمة، وأن الفهم قدرة، وأن المواطن القيم كالماس لا يُصنع بل يُبحث عنه.
لقد استوقفني في عظاتك ذلك الصوت الداعي الى سيادة القانون في كل حي وضاحية.
فسيادة القانون كما تراها، ونراها معك، غير قابلة للقسمة وغير قابلة للتصرف، ولذلك لا يمكن القبول بتنازلها عن جزء من سلطتها لأي فئة أو جهة. فأي قيمة بعد لقانون لا يتساوى أمامه الجميع، ولا تنسحب على الكل في ظله معادلة الحقوق والواجبات؟ لماذا تزدهر مواسم الإتجاهات الفوضوية وحالات الخروج على الدولة؟ لماذا العمل على تزييف مفهوم الديمقراطية وتضييعه؟ ما الذي يعرقل أن يكون في الوطن حرية وعدالة وسلام واستقرار؟ لمَن يدين بالولاء أولئك المسكونون بثقافة الموت، وكأنهم يرفضون أن يعلموا أن الحياة وإن لم تكن موضّبة في علبة مزينة، هي مع ذلك هدية؟
لكنَ الصوت، على جهارته، تصمّ في وجهه الآذان، لكأنّ أحادية التلقَي جعلت المسامع لا تعتاد غير نفس، فاحتكرتها مكبرات الصوت التي تستمد طاقاتها من أمكنة بعيدة.
من هنا، كان من الواجب، بحسبك يا سيدنا الياس، عدم القبول بأن يكون الإذعان هو القاعدة، أي رفض الواقع المفروض في ظل السكين الملامس للرقاب. فلا بد إذاً من تمرّد واعٍ، عنوانه ما جاء في العهد القديم: “ويل للباني مدينة بالدماء”. وكانت صرخة لك، أردتَها هزة نوعية، توقظ الغافلين عما يُنسج للوطن، وتقض مضاجع الذين يتعدون على مكونات السيادة. والعجيب أنه في كل مرة نستمع الى واحد من الكبار الذين يؤكدون الثوابت أو البديهيات الوطنية، تنبري الأبواق الغيورة “صدى صوت سيدها”، تنشئ إسفافاً لا يستطيع بأي شكل أن ينال من تسامي الصالحين. أما ما يثير الإشمئزاز فأولئك المتلونون المتذاكون الذين يوظفون التلميح الممقوت الذي لا ينمّ سوى عن جبانة مشهودة. لكنهم لا يعلمون أن سيدنا الياس يعرف الشيطان مهما بدَل ثيابه.
الله معك سيّدنا…