#adsense

“إسمعي” جديد فيليب عرقتنجي: للراشدين فقط

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في مجلة “المسيرة” – العدد 1596

 حتماً أفلام فيليب عرقتنجي مناسبة جدا لشهر شباط الذي بات رمزاً لعيد العشاق، على رغم ان الحب لا وقت محددًا له، فكل الأزمنة زمنه وكافة الأوقات وقته.

أفلام عرقتنجي هي الحب بحد ذاته. اولاً  لأنه عاشق كبير للسينما التي يعمل فيها “من كل قلبه”. ثانيا، لأنه متيّم بلبنان الحاضر دائما في أفلامه بتفاصيله وامتيازاته وخصائصه وذكرياته وأوجاعه وأفراحه بشكل مباشر أو غير مباشر. ثالثاً، لأنه مغرم بالإنسان-الشخصية والتجربة  الذي دأب على رواية قصته في أفلامه السابقة كلها، وعلى تمرير فلسفته ورؤيته – عبر تلك القصة –  عن الحنين والهوية والسفر والفن والحرب والحب والحياة والموسيقى والرقص كأبرز وسائل المقاومة والبقاء على قيد الحياة. 

 واللافت ان هذا العاشق المتيّم لا يتردد في القفز في أي وسيلة نقل كفيلة بايصال رؤيته السينمائية، من البوسطة وسيارة التاكسي والبابور والأثير الجوي، الى الوثائقي والأرشيفي والسيرة الذاتية والروائي والدرامي والكوميدي والرومنسي. أهمية محطات فيليب عرقتنجي السينمائية أنها تفاجئنا دائما وتقدم لنا في كل مرة تجربة جديدة ومشهدية مختلفة عن الانطباع السائد. محطات نتوقف عندها في كل مرة قبل ان نتابع رحلة اكتشاف ما يخبئه لنا هذا الرحّالة في عالم الصوت والصورة والإنسان، الإنسان بطل القصة التي تشبهنا في مكان ما وتشبه فيليب عرقتنجي في أكثر من مكان.

محطات متنوّعة لا تشبه ما سبقها ، بدءًا ب”البوسطة” مرورا ب “تحت القصف، الذي يمكن اعتباره من أجمل ما قدم عرقتنجي بواقعيته وفرادته وقدرته على ملامستنا، و”ميراث” وصولا أخيرا وليس آخرا الى شريطه الجديد “اسمعي” من إنتاجه وعن سيناريو له ولمنى كريّم.

 إذن مجددا وعلى رغم وفائه للسينما ولرواية حياة الآخرين، “يخون” فيليب عرقتنجي الأساليب التي سبق ان وقع في غرامها في أفلامه السابقة، فيلجأ الى أحضان تجربة جديدة  كما في كل مرة. ولكن كما يقع الرجل في كل مرة في غرام امرأ ة جديدة تحمل ملامح من شخصية حبيبته السابقة، يحمل شريطه الجدي “اسمعي” بعضا من رحلة “بوسطة” الموسيقية والرومنسية الشبيهة بطائر الفينيق بالنسبة لهذا الشعب المنبعث من تحت رماده والمتمسك بالحياة والحب ، وقليلا من الخوف من خسارة أغلى ما نملك في “تحت القصف”، إضافة الى الإحساس بالتعلق في حبال الهوى والهوا الذي كان سائدا في “ميراث”.

 إذا فتحنا أعيننا جيدا، سنجد ان “اسمعي” مختلف تماما عما سبقه، وإذا أغمضنا أعيننا سنتمكّن من السفر معه في رحلة من المشاعر، وان نستمع من خلاله الى وجع الصمت ورمزيته، وأهمية الصوت وحلاوته، وان نلمس قصة حب معاصرة لا تخجل من جسدها وأحاسيسها.

  يروي “اسمعي” قصة حب بين مهندس صوت خجول يدعى جود (هادي بو عيّاش) وممثلة شابة ثرية ومتمرّدة ونابِضَة بالحياة تدعى رنا (ربى زعرور). هادي ورنا من بيئتين وطائفتين مختلفتين ولكن هذا لن يمنعهما من الإيمان بحبهما. هو لن يسمعها فقط دقات قلبه التي تزداد وتقرع كالطبل في وجودها، بل سيحملها الى عالمه ويجعلها تستمتع بحفيف الأوراق وهمس الموج ونسمات الهواء واختلاج أجنحة الطيور، وضجيج بيروت بأبواق سياراتها وأصوات باعتها ومظاهراتها وليلها ونهارها.

ولكن رنا ستتعرض لحادث سير وتدخل في غيبوبة. والداها (جوزف بو نصار ولمى لوند) غير الموافقين على علاقتها بجود، سيمنعانه من رؤيتها وهي تقبع جسدا من غير روح في بيت العائلة. جود المتمسك بها وبحبه لها، سيقاوم لاستعادتها بالطريقة التي يتقنها ويعشقها. هو سيسجّل كافة الأصوات التي لطالما جسّدت لحظات من الفرح والتفاؤل عاشها مع رنا، وسيرسلها إليها عن طريق شقيقتها مروى (يارا بو نصّار) أستاذة الجامعة المرتبطة بشاب أجنبي. ولكن الأمل بعودة رنا سيخف يوما بعد يوم، والانتظار سيرهق جود، والتقارب بين الحبيب والشقيقة اللذين يعيشان المأساة نفسها طبيعي، تماما مثل المشاعر التي مهما حاولا تجاهلها، لا بد أن تظهر مجددا، فالحياة شئنا أم أبينا لا بد أن تكمل مسيرتها.

فيلم “اسمعي” ليس مفذلكا بقصته البسيطة ولا مبتكرا بموضوعه،  فالسينما الأميركية سبق أن قدمت لنا عام 2014 فيلما دراميا موسيقيا بعنوان Song one من إخراج كايت باركر- فرويلاند ومن بطولة آن هاثاواي التي جسدت دور فراني العائدة من السفر للاهتمام  بشقيقها الغارق في غيبوبة. لمساعدته على العودة، هي ستقوم بتسجيل كافة الأصوات والضجيج والموسيقى التي يعشقها. ولكن هذا لا يقلل من أهمية فيلم “اسمعي”  الذي يفتح أعيننا على أهمية الاستماع، مرتكزا بقوة على هذه الرحلة الى عالم الصوت بكافة تموجاته وإيقاعاته وصمته ووشوشاته، وتلك المعالجة العميقة مع كثير من الواقعية والشاعرية  في الوقت عينه لموضوعات مثل الحب في زمننا المعاصر والوفاء والخيانة. هذا إضافة الى الأداءات الطبيعية جدا والمقنعة لأبطاله الشباب وغير المستهلكين، وخصوصا هادي بو عيّاش المحاط بكاريزما هي مزيج من البراءة والجاذبية، ويارا بو نصار صاحبة الحضور الساحر مع كثير من السلاسة والغموض والإثارة بمفهوم بعيد جدا عن الكليشيه المعلّب لكلمة إثارة، وربى زعرور التي تعشق نضارتها الكاميرا (سبق ان شاركت في فيلم cash flow 2).

أيضا اللافت في الفيلم إبرازه لدور المرأة العصرية التي تتمسك بحريتها وتحاول مد جناحيها والطيران بعيدا عن عالمها الضيق، ولكنها في مكان ما تقع أسيرة ما تحلم به. نساء “اسمعي” شابات عصريات يعشن الحب من دون مواربة أو خجل، فسينما فيليب عرقتنجي لا تختبئ خلف إصبعها، ولا تؤمن أصلا ان الحب وممارسته أمر معيب. من الطبيعي جدا أن يقع الشباب في الحب وان يعبّروا عن مشاعرهم بالعناق والقبل وممارسة الجنس التي قدمها لنا عرقتنجي من خلال مشهدين فيهما جمالية مشهدية وجرأة واقعية وقيادة نسائية لعملية الممارسة. مشهدان رفض المخرج ان تقص الرقابة جناحيهما، فما كان من الرقابة الساهرة على سلامتنا الأخلاقية، إلا ان تمنع عرضه لمن هم دون الثامنة عشرة، متناسية أننا في عصر الإنترنت أولا، وفي زمن العنف والإرهاب الواقعي والسينمائي المشرّع. مشهدان اختار عرقتنجي الإبقاء عليهما، الأول وهو أكثر من رائع خصوصا انه يجسد حالة الحب والتحام جود ورنا مع الطبيعة التي تصرخ وتفرح وتئن وتنتشي. أما الثاني الذي يعرض مشهد الحب بين مروى وخطيبها الأجنبي الذي سيشاهده جود من الباب المفتوح، فكان يمكن الاكتفاء بتصويره سمعيا لا مشهديا، فيتلاءم بذلك مع عنوان الشريط ويترك المجال للخيال ان يتحرك. لكن عرقتنجي برّر التمسك بالإبقاء عليه بكونه المشهد الذي يقدم لأول مرة وجهة نظر مروى وليس جود. مروى سترى ان جود شاهدها، فتقرر ان تتوقف، وهو تصرف يمهد لحالة الضياع التي تعيشها بين مشاعرها الجديدة والقديمة، وبين واجبها تجاه شقيقتها وحقها بعيش حبها.

أيضا اللافت في الفيلم أنه بطيء في منتصفه، لأن البطء جاء في مصلحته وخدم فكرة الانتظار المرهق الذي كان يعيشه جود بانتظار ان يحدث ما لا يحدث. المشاهدون شعروا  بدورهم بهذا الدوران في حلقة مفرغة لبعض الوقت، وتمنوا ان يسرع الفيلم، ان يحدث شيء غير منتظر، ان يتغيّر واقع ما. وهذا تماما ما شعر به جود الذي ملّ الانتظار فقرر متابعة حياته. خيار قد لا يوافق عليه كثير من المشاهدين، ولكنه خيار المخرج وكاتب السيناريو الذي يروي لنا قصة، قصة تحدث بعيدا عن أحكام الصح والخطأ حول الحب والخيانة.

يشارك في الفيلم من خلال إطلالات خاصة القديران رفيق علي أحمد بدور من خاض تجربة غيبوبة وجوزف بو نصار بشخصية والد رنا ومروى، إضافة الى جوزيان بولس بدور الممرضة ولمى لوند بدور والدة  الفتاتين.

الفيلم في الصالات اللبنانية ابتداء من 9 شباط الجاري.

 رقابة

إختار فيليب عرقتنجي الإبقاء على مشهدي الحب الطويلين والجريئين في شريطه “اسمعي”، متحملاً تبعية منع الرقابة لمن هم دون ال18 من مشاهدته، لأنه متمسّك برؤيته الفنية. ولكنه لم يتخيل طبعا أنه سيضطر- بسبب هذين المشهدين – أن يتحمل رغبة الطائفة الدرزية “بعدم رؤية” بعض رجال الدين باللباس التقليدي يظهرون في لقطة سريعة في الفيلم أثناء زيارة رنا وجود لبلدته بعقلين. إيمانا منه بالحرية الشخصية، وافق فيليب على احترام قرار الطائفة الدرزية. وبما أنه لا يستطيع حذف المشهد، لجأ الى تقنية غريبة ومضحكة فعلاً في زمننا هذا، فوضع مربعًا أسود على تلك الشخصيات. مربع كالحجاب، حجب من خلاله كل من رفض الظهور في فيلم يُظهر عاشقين يمارسان الحب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل