#adsense

في التسوية

حجم الخط

هذا النص قديم لكنني استعيده اليوم، فقط لأن في فمي ماء كثير..

“تبقى اليد الممدودة في الشأن اللبناني أبقى وأكرم من الأصبع المرفوع في وجوه الآخرين.

مُسلّمة بسيط وسريعة وطيارة. رديفها خطاب واقعي، لا أحلام في متنه. ولا طموحات جامحات في هامشه. وتلك في كل حال، خلاصة يُفترض أن تكون من بديهيات الحياة اللبنانية، في احترابها وسلمها. وفي صعودها وهبوطها. وفي عمرانها وخرابها.. حيث تكفي التجارب المتناسلة منذ سنوات، تفتيتاً وتمزيقاً ومآسي وكوارث وبلايا، لإعادة إنعاش العقل على حساب الغريزة. والمنطق على حساب الافتراض الجامح. كما تكفي لاستحضار واستعارة كل ما في الدنيا من مقومات تواضع لإلباسها بعض الرؤوس الحامية، والنفوس المشتعلة في كل حين.

قطع اللبنانيون في مجملهم خطوطاً حمراً كثيرة في السنوات الماضيات. وذهبوا في ذلك إلى أماكن بعيدة. جرّبوا النفي والإقصاء والإلغاء نظرياً وعملياً. انتعش منهم مَن انتعش على وقع تمايزات جرى العمل بدأب سعيد وانفعال ممنهج على تظهيرها وتكبيرها والنفخ فيها.. وانتعش منهم مَن انتعش على وقع مكامن قوة مدججة بأبعاد وصلت في جذورها إلى الأوائل، وبآليات وأساليب ودعائم اقليمية مُسكرة.. وانتعش منهم مَن انتعش على وقع حالة في الجوار القريب، ظن أصحابها أنها دائمة وليست عابرة، ومقيمة إلى الأبد فيما غيرها آفل وضامر!

في مجملهم، خاض اللبنانيون في مهالك تكفيهم وتكفي غيرهم وتفيض. وفي مجملهم صعدوا إلى قمة الجبل ثم كرّوا تباعاً إلى الوادي المقابل. وفي مجملهم عانوا وقاسوا وبكوا. دقّوا على الصدور، وندبوا أهلاً وأحبّة وأقارب، مهج العيون وفلذات الأكباد والأرواح. وفي مجملهم مشوا على تلك الدرب، حفاة وإن لم ينتهبوا، وعُراة وإن التحفوا مشاريعهم وارتباطاتهم وطموحاتهم المستحيلة.. عطاشى وإن ارتووا عبر بيانات وبلاغات وخطابات ترنّ وتقدح كالسيوف المتقاتلة. وجوعى وإن شبعوا وعوداً بالأمجاد والانتصارات والإنجازات! في مجملهم ضرب البخار ملكات عقولهم، رطّبها ثم نشّفها على الآخر، فغابت مكامن التمييز بين الصحّ والغلط. وبين الذكاء والتذاكي. وكانت النتائج الحتمية الأولى والأخيرة: نكبات عزّ نظيرها!

تشاء ظروف المحيط والمدار الآن، أن تقدم للبنانيين من جديد، فرصة لتخفيض سقوف المشاريع المستحيلة. وإعادة الأرجل إلى الأرض. والالتصاق بالحقائق كما هي. وتفطيس أوهام أريد لها أن تستبدل تلك الوقائع.. فرصة لإعادة الاعتبار إلى مفهوم التسوية النبيلة والكريمة باعتبارها حُكماً مبرماً في حالة لبنان، ودونها عودة إلى المربع الأول.. والكارثي!”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل