#adsense

“إفتتاحية المسيرة” ــ المسيحيون والإنتخابات: قانون فوق الجميع

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1597

لا يريد المسيحيون أن يكون قانون الإنتخابات على حسابهم ولا يريدون في الوقت نفسه أن يكون على حساب غيرهم. المطلوب أن يكون القانون فوق الجميع وأن تكون التسوية في مصلحة الجميع بحيث يتأمن التمثيل الحقيقي والفعلي للمكوّنات اللبنانية من أجل إعادة التوازن إلى الدولة والمؤسسات. وإذا كان البعض يريد أن يتعاطى مع المسيحيين على أساس أنهم الطائفة المهزومة في لبنان فقد آن الأوان لتتبدل هذه الذهنية ولتسقط هذه النظرية.

في 31 تشرين الأول 2016 تم تثبيت معادلة الرئيس الذي يمثل بيئته في رئاسة الجمهورية مع انتخاب العماد ميشال عون. لم يكن هذا الإنتخاب متاحًا قبل أن يتبنى رئيس حزب “القوات اللبنانية” هذا الترشيح وقبل أن يقوم التفاهم بين “القوات” و”التيار الوطني الحر”. هذا المسار استكمل في عملية تشكيل الحكومة ولا بد من أن يبلغ مجلس النواب.

هناك معادلات لم يعد ممكناً تجاوزها: لا رئيس للجمهورية إذا كان لا يعكس التمثيل الصحيح ولا مجلس للوزراء إذا كان لا يعكس التمثيل الصحيح ولا مجلس نواب إذا كان لا يعكس التمثيل الصحيح. وبالتالي لا بد من عودة المسيحيين إلى الدولة.

لقد قامت الحرب منذ الإستقلال على ما سمي الإمتيازات المسيحية في السلطة. في الواقع لم يستعمل المسيحيون هذه الإمتيازات لأنفسهم بقدر ما استعملوها ووظفوها لمصلحة الدولة وإقامة المؤسسات، ولذلك لم يسعوا إلى احتكار السلطة بل إلى تقاسمها مع المكوّنات الأخرى، ولم يحاولوا استيلاد قيادات وأسماء لا تمثل بل كان الآخرون يتمثلون بالأقوياء وبالزعامات. ما سمي المارونية السياسية كان جامعًا لكل الطوائف وكان في خدمة الدولة والمؤسسات وكل قوانين الإنتخابات التي وضعت في خلال “مرحلة الإمتيازات” فتحت اللعبة السياسية على تداول السلطة. وإذا كان المسيحيون ارتضوا التنازل عن بعض هذه الإمتيازات فذلك كان من أجل الخروج من الحرب ومن أجل نقل الإمتيازات إلى المؤسسات بينما حاول عهد الوصاية السورية أن يتصرف مع المسيحيين أنهم في وضع المهزوم وعمل على أن لا تقوم لهم قائمة بعد الطائف. ولكن عهد الوصاية انقضى وانهزم وبقي المسيحيون. وهنا تكمن أهمية انتخابات 2017 من أجل استعادة الحضور المسيحي داخل المؤسسات.

صحيح أن مجلس نواب 1949 الذي تم التشكيك بنزاهته جدد للرئيس بشارة الخوري ولكنه المجلس نفسه الذي انتخب الرئيس كميل شمعون خلفاً له بعد الثورة البيضاء التي أجبرت الخوري على الإستقالة. وصحيح أن مجلس 1957 أتى بأكثرية مؤيدة للرئيس شمعون ولكنه المجلس نفسه الذي انتخب الرئيس فؤاد شهاب خلفاً له بعد ثورة 1958 الدامية. وصحيح أيضًا أن مجلس نواب 1964 كان مؤيدًا للتجديد للرئيس فؤاد شهاب ولكنه بعد إعلان عزوفه عن الترشيح انتخب شارل حلو خلفاً له. وصحيح أن مجلس 1968 جاء في ظل التحالف الثلاثي بين كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده ولكنه نتيجة تبدل في التحالفات السياسية انتخب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية. ومجلس نواب 1972 انتخب منافس سليمان فرنجية الياس سركيس رئيسًا للجمهورية في العام 1976 قبل أن يبدأ التمديد له لينتخب تباعًا بشير الجميل وأمين الجميل والياس الهراوي بعد إقرار اتفاق الطائف.

كل ما حكي عن امتيازات مسيحية قبل الطائف لم يحل دون التغيير الدائم في السلطة واللعبة السياسية ودون بروز الزعامات الممثلة لطوائفها. فإلى جانب بشارة الخوري وكميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده وفؤاد شهاب كان هناك أيضًا رياض الصلح وصائب سلام ورشيد كرامي وعبدالله اليافي وسامي الصلح وكمال جنبلاط ومجيد أرسلان وأحمد الأسعد وكامل الأسعد وصبري حماده وكاظم الخليل وموسى الصدر.

في زمن ما كان يسمى “الإمتيازات” لم يفرض المسيحيون على الآخرين من يمثلهم ولم يفرضوا إرادتهم. في العام 1969 اعتكف الرئيس رشيد كرامي أشهرًا قبل توقيع اتفاق القاهرة. وفي العام 1973 رفض المسلمون أن يكون أمين الحافظ رئيسًا للحكومة كما رفضوا نور الدين الرفاعي في العام 1975 حتى أن تقي الدين الصلح ما كانوا ليقبلوا به.

عندما قبل المسيحيون منذ الوثيقة الدستورية في شباط 1976 أن يتنازلوا عن “هذه الإمتيازات” تحت الضغط العسكري إنما كانوا يفعلون لوضع حد للحرب وللحفاظ على الجمهورية التي كان لهم الدور الرئيسي في بنائها. وعندما اختاروا الخروج من هذه الحرب عبر اتفاق الطائف كانوا يختارون أيضًا إنهاء الحرب والدخول في مرحلة من السلام بينما تم التعاطي معهم في عهد الوصاية على أساس أنهم طائفة مهزومة يتم اختيار من يمثلها في الحكم من رئاسة الجمهورية إلى الوزراء والنواب والموظفين والقادة العسكريين والأمنيين.

بعد تفاهم معراب بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” لم يعد بالإمكان القبول بما أرساه عهد الوصاية. منذ البداية أعلن “القوات” و”التيار” أن تفاهمهما ليس محصورًا فقط برئاسة الجمهورية وبانتخاب العماد ميشال عون. ولذلك تعاطى المتضررون من هذا التفاهم والمستفيدون من مصادرة الحقوق المسيحية بسلبية مع هذا التفاهم وشنوا الحرب عليه من أجل منعه من تحقيق أهدافه. ولذلك استغرق الأمر أحد عشر شهرًا للقبول بانتخاب العماد ميشال عون. وجرت محاولة لفرض شروط عليه في تشكيل الحكومة وفرض تمثيل أطراف كانوا ضد انتخابه ليس لسبب إلا لحفظ مواقع لهم داخل السلطة من أجل التقليل من أهمية الإنجازات التي حققها تحالف معراب. وما يحصل اليوم على صعيد عرقلة الوصول إلى قانون جديد للإنتخابات لا يخفي إلا محاولة منع هذا التفاهم من تحقيق التوازن داخل المجلس النيابي.

صحيح أن الطائف أخذ من صلاحيات رئيس الجمهورية التي لم تكن التوازنات السياسية والطائفية قبل الطائف تسمح له بممارستها لأن المعادلة كانت في الشارع قبل أن تكون في المؤسسات. ولكن الصحيح أيضًا أن هذه الصلاحيات نقلت إلى مجلس الوزراء وإلى مجلس النواب. في ظل الطائف لا يمكن أن يحكم الرئيس أو يمارس دوره إلا إذا كان يتمتع بحيثية تمثيلية تتيح له أن يكون لديه حضور وازن داخل مجلس الوزراء وداخل مجلس النواب ومن دون هذا الحضور الثلاثي لا أهمية لدور الرئيس. ولذلك تخاض حرب قانون الإنتخابات تحت شعار غير معلن وهو منع التحالف بين “القوات” و”التيار” من تحقيق أكثرية نيابية وازنة تسمح بتعزيز موقع الرئاسة وباستعادة حضور الدولة والحضور المسيحي فيها بعيدًا من الإمتيازات السابقة وبعدم السماح بتكرار تجربة إيصال “الرئيس القوي” الممثل لبيئته إلى رئاسة الجمهورية. ولذلك تخرج الأصوات التي تطالب بأن تتمثل “كل الفئات” المسيحية في مجلس النواب في محاولة لاستنساخ ما كان يحصل أيام عهد الوصاية السورية على لبنان. وكأن المطلوب أن يكون قانون الإنتخابات على حساب التثميل المسيحي الحقيقي وفي ظل التهديد بعرقلة انطلاقة العهد وتفشيله وتحويل رئاسة ميشال عون إلى ما يشبه رئاستي الياس الهراوي وإميل لحود وقطع الطريق لاحقاً على المسار الذي أطلقه تفاهم معراب.

من هنا يمكن فهم مدى أهمية قانون الإنتخابات الجديد وأهمية أن يكون فوق الجميع وأن يؤمن التمثيل الصحيح للجميع وأن يكون الأساس لممارسة سياسية سليمة وأن ينهي عصر “الطائفة المهزومة”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل