ماذا أعطِيَ الموارنة وما هو المطلوب منهم؟

مقال للكاتب والمفكر شارل مالك في “المسيرة” ــ العدد 1597

يقول المسيح: “إن من أُعطي كثيرًا يُطلب منه الكثير”. لقد أعطي الموارنة كثيرًا ولذلك يُطلب منهم الكثير.

أُعطوا، أولاً، هذا الجبل العظيم. جبل لبنان إسم من أعطر الأسماء في الكتاب المقدس وفي التاريخ. اقترن اسمه بالمجد والكرامة والشموخ والبهاء والجمال والقداسة والصمود والرائحة الزكية، وبـ”أرز الرب” الخالد. وهو اليوم استراتيجيًا من أشد الحصون مناعة في هذا المشرق، ليس لذاته وفي حد ذاته فحسب، بل في تدبير الشرق الأوسط الدفاعي العام. لم يُعطَ شعب في المنطقة كلها شيئاً بالطبيعة شبيهًا به، وإذا اعتبرنا أهمية هذه المنطقة اليوم في الاستراتيجية  العالمية، وموقع الجبل الفريد، الشامخ من البحر مباشرة، صح القول، لربما، إن شيئاً شبيهًا بهذا الجبل لم يُعطَ لقوم في العالم. إنه عطية عظيمة، التفريط به، بأي شكل، جريمة لا تغتفر. السؤال هو: هل يستأهل اللبنانيون، هل يستأهل الموارنة، هذه العطية العظيمة؟ هل يقدّرنها حق قدرها؟ لبنان مُعطى للجميع، ولذلك كلنا جميعًا، وبالأخص الموارنة، مؤتمنون على هذا الجبل، مؤتمنون عليه كي يبقى منيعًا بأيديهم وبأيدينا كلنا، وكي يكونوا ويبقوا هم، ونكون ونبقى جميعًا، جديرين بما اقترن اسمه به معنويًا في التاريخ. “مجد لبنان أعطي له” شعار يدل على أن مجدًا عظيمًا أُعطي الموارنة، مجدًا بقدر ما يبعث على العزة والفخار يستدعي أيضًا منتهى العِبرة والتواضع.

أعطي الموارنة، ثانيًا، لبنان، شبعًا وتراثاً وقيمًا. لا يمكن فصل شعب لبنان وقيمه وتراثه عن جبل لبنان. الجبل دمغ الشعب دمغًا، وأسهم بشكل حاسم في تكوين تراثه وقيمه. الساحل أيضًا، بانفتاحه غربًا، دمغ شعب لبنان، لكن لبنان لا يتفرّد بساحله، لأن سوريا وإسرائيل ومصر وتركيا لها أيضًا سواحلها، بينما ليس لأي من هذه البلدان جبلها الفذ الدامغ.

عندما أقول إن الموارنة أُعطوا لبنان بشعبه وتراثه وقيمه، لا أعني أن الفئات الأخرى بتراثها وقيمها هي ملك للموارنة. إن ما أعنيه أن الفئات جميعًا أُعطيت بعضها لبعض بمجرد تواجدها في بلد واحد تتفاعل فيه بعضها مع بعض. بهذا المعنى لبنان، بشعبه وتراثه وقيمه، أُعطي للدروز وللسنيين وللشيعة وللأرثوذكس وللكاثوليك الملكيين ولجميع الفئات الأخرى التي تتكوّن منها الأسرة اللبنانية، لكنه أُعطي أيضًا للموارنة. من هنا مسؤوليتهم الهائلة تجاه الآخرين المُعطون لهم. إني أستفرد هنا إعطاء لبنان للموارنة لأننا في صدد الكثير المعطى لهم، وبالتالي في صدد الكبير المطلوب منهم بالذات.

والمطلوب منهم، قبل كل شيء، بالنسبة للبنان المعطى لهم، شعبًا وتراثاً وقيمًا، أن يحرصوا الحرص كله على الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية المسؤولة، التي وحدها تؤمّن تعددية تراثاته وتفاعلها السلمي الخلاّق بعضها مع بعض. بإمكان الموارنة أن يتساهلوا في كل شيء أو يتفاوضوا حول أي شيء ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانية. ووجوده عندئذ كعدم وجوده تمامًا…

أُعطي الموارنة بلدًا مجتمعه حر، تعدُّدي، والمسيحية فيه حرة. هذا شيء كثير، خاصة في الشرق الأوسط، ولذلك يُطلب منهم الكثير الكثير.

يُطلب منهم، وهم مقدِّرو الحرية الأُول وعاشقوها، ألا يعملوا شيئاً، أو يقبلوا بشيء، يؤون الى تقليص حرية لبنان، بل أن يعملوا كل شيء لتمتين هذه الحرية وتعميقها وجعلها أكثر أصالة ومسؤولية، بحيث إذا جاء لبنان حر من أحرار العالم الحقيقيين لا يشعر بالاختناق الروحي. كما يشعر في غير لبنان، بل بأنه في داره وبيته تمامًا. لبنان الحر قيمة لا تُقدّر في التدبير الإنساني الكياني العام للشرق الأوسط، والموارنة مؤتمنون على هذه القيمة لربما أكثر من سواهم.

يُطلب منهم، وهم الجسم المسيحي الحر الأول في لبنان، أن يحرصوا أشد الحرص على المسيحية الحرة، ليس لهم فحسب بل لكل فئة مسيحية أخرى. المسيحيون الآخرون مسيحيون مثلهم تمامًا، ومن حقهم أن يكونوا في مسيحيتهم أحرارًا مثلهم تمامًا…

أن تكون المسيحية حرة بالفعل، لا بالإبهام والادّعاء الكاذب، في الشرق الأوسط فقط في لبنان، حرة كما هي حرة في أوروبا وأميركا تمامًا، إن هذا الأمر في منتهى الخطورة في هذا الزمن. ليتن ندرك مغزاه، ليتنا ندرك ما هو مطلوب منا بشأنه، ليتنا نعرف ونقدّر تعجُّب أرفع النفوس في العالم لمجرد وجوده. مجرد وعيه يوحي بأن لبنان مميّز تمامًا ليس في شؤون تافهة بل في أدق الشؤون وأخطرها. إذا سقطت المسيحية الحرة في لبنان ـ ولبنان آخر معقل لها في الشرق ـ انتهى أمرها في الشرق الأوسط كله، بل في آسيا وأفريقيا. هذه مسؤولية لا أجسَم منها ولا أخطر. والموارنة هم المسؤولون الأُول عنها أمام العناية الإلهية. هل يعون هذه المسؤولية بالفعل؟ له يقدّرون خطورتها المتناهية؟ هل يفقهون مغزى أنها أُوكلت إليهم؟ هل هم مستعدون بالفعل لحملها أمام العناية وأمام التاريخ؟ هل هم قادرون على تحمّل أوزار حملها؟ لقد برهنوا حتى الآن أنهم قادرون  على ذلك. كافحوا في سبيلها وضحّوا، ويكافحون الآن ويُضحّون، ولا شك عندي أنهم سيكافحون وُيضحّون.

أُعطي الموارنة بكركي. بكركي مركز روحي فريد في الشرق الأوسط. الكل يتطلعون الى قيادته وتوجيهه. باستطاعة هذا المركز الكبير جمع شمل الموارنة وأكثر من الموارنة. أثره يُلمس إذا تحرك، وقد يُلمس أكثر إذا لم يتحرك، أو إذا تحرك بما لا يتكافأ مع قدر التحدي. أما نجاعة التحرك فتتوقف على العيش على مستوى لحظة التاريخ الحاسمة. لا يكفي مجرد الحفاظ على الرعية والأعراف والتراث، لا يكفي مجرد البقاء والاستمرار. الحاسم اليوم وعي الحركات المصيرية الصاخبة في العالم وعيًا مسؤولاً تامًا، وتوظيفها، أو توظيف ما أمكن منها، في سبيل التراث والبقاء…

بكركي من الأهمية بحيث إذا خرب لبنان وبقيت هي سليمة معافاة قوية، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي أُنيطت بها أزليًا، فباستطاعتها وحدها أن تعيد تعمير لبنان. أما، لا سمح الله، إذا خرجت بكركي أو وهنت أو حلّ بها سقم ما، فلبنان وحده لا يستطيع إغاثتها كي تستعيد عافيتها وتبني ذاتها من جديد. وإذا كان لبنان خربًا فقد لا يستطيع أن يُعمِّر نفسه بنفسه إذا كانت بكركي أيضًا خربة. أي مؤسسة أخرى في لبنان يصح فيها هذا القول؟ وإذا قدرنا ماذ يعنيه لبنان تاريخيًا وعالميًا، تجلى لنا مركز بكركي الفريد، وتبعتها العظمى، في لبنان وفي العالم…

أُعطي الموارنة تراثاً آراميًا سريانيًا عريقاً. يربطهم هذا التراث، تاريخيا وثقافيا ودينيًا، بمتبقيات الحضارة الآرامية العظيمة في هذا الشرق، التي تشمل، بين الأحياء، الآشوريين والسريان والكلدان والنساطرة واليعاقبة وغيرهم. إنها حضارة من أهم حضارات المشرق…

أُعطي الموارنة طقسًا ليتورجيًا عظيمًا. لم أتعرّف على الليتورجية المارونية بشكل يمكنني من تقديرها إلا منذ بضع سنوات، وأنا حتى الآن أفهم وأتذوّق وأوحد نفسي مع ليتورجية الذهبي الفم الأرثوذكسية وأدخل في صميمها أكبر بكثير من تذوّقي ودخولي وتوحيد نفسي مع الليتورجية المارونية، لأن وُلدت في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة وترعرت في أحضانها. لكني أعتقد أني أخذت أفهم الطقس الماروني والروحانية المارونية، بحيث أصبح بإمكاني إبداء رأي، ولو متحفّظ، فيهما…

المطلوب أن يقدر الموارنة عظمة تجذُّر طقسهم في التراث الشعبي المحلي وقيمة هذا التجذُّر، أن يحافظوا عليه ويرعوه لقيمته في حد ذاته، ولأنه هو القمين بتمكين الموارنة من حب الاستقلال والحرية، أن يروا فيه قوة ديمقراطية هائلة نابعة من تحت، من نفوس المؤمنين، أن يوظفوا هذه القوة المعطاة في سبيل مجد المسيح والكنيسة، وأيضًا في سبيل لبنان من أجل المسيح والكنيسة، وأن يروا كيف أن المسيح ومريم باركا هذا الشعب في بساطته العظيمة البعيدة عن كل فلسفة وتفلسف، وفي تعبُّده الصادق القلبي لهما، وتعلّقه بهما…

أُعطي الموارنة هذا الارتباط الوثيق برومية. التراث المسيحي الشرقي الأرثوذكسي مفتوح للأرثوذكسية بتمام كماله. بينما المارونية، بالإضافة الى التراث السرياني الآرامي الشرقي، مفتوحة الى التراث الغربي المسيحي الروماني. المارونية ليست مفتوحة الى التراث الأرثوذكسي الشرقي انفتاحها الى التراث الروماني الغربي. رومية، بما تعنيه عالميًا وتراثيًا، خلّصت الموارنة من أي انعزالية محض محلية أو شرقية. إنه ثراء هائل، أن ترتبط الشرقية السريانية، على محدوديتها، بالغربية الرومانية بعالميتها اللامحدودة…

فضل رومية على الموارنة فضل لا يُقدّر. وردهم على هذا الفضل وفاؤهم لها. رومية فتحت أمامهم الإنسان والتاريخ والعالم. وبذلك دخلوا الى حد بعيد في التراث الإنساني العالمي الواحد المتراكم. هذا الدخول مكّن فيهم حبهم للحرية التي هم فيها أصيلون.

أُعطي الموارنة تاريخًا موحدًا، منفصلاً، قائمًا في حد ذاته، مُحدّد المعالم. لا تتمتع أية فئة أخرى في لبنان، بل لربما في أوسع من لبنان، بهذه الصفة المُعطاة. لم يُكتب تاريخ موحد لأية فئة أخرى بالدقة والتفصيل والتواصلية التاريخية العريقة غير المتقطعة، التي كُتب بها تاريخ الموارنة، وقد لا يكون بالإمكان وضع تاريخ لها بنفس الدقة والتواصلية، إذ قد يكون أنْ ليس لها تاريخ بنفس المعنى. ليس هذا من سبيل الصدف…

ليس عبثاً ولا باطلاً، وليس هباءً ولا سُدًى، وليس للاشيء ولا للاعلة أو سبب، أن الموارنة وُجدوا، وأنهم يتمتعون بهذ التاريخ الموحد المتواصل الفذ لألف وخمسمئة سنة. وجود هذا التاريخ، وبالتالي وجود الموارنة، ينطوي على سر. أُعطوا الوجود، وهذا شيء كثير، وبالتالي يُطلب منهم الكثير. وإذا تأملت كل ما أعطوه بعد الوجود، ومع الوجود، وفوق الوجود، لخلصت الى أن ما يُطلب منهم هو كثير كثير…

بسبب سريانيتهم، أُعطي الموارنة، فوق إمكان ربط أنفسهم بالعالم السرياني الحي، أن يكونوا أقرب الناس، مزاجيًا وتراثيًا، الى العرب واليهود معًا. اللغة أهم ظاهرة حضارية، لأنها بأعمق معانيها هي الحياة، تُعيّن الجذور والأصول والتراث، تُعيّن وشائج القربى….

أُعطي الموارنة حيوية وخصبًا في العطاء عظيمين. أي حقل لم يُعطوا فيه، أي نطاق لم يحتلوه ولم يصولوا ويجولوا في رحابه؟

هذا ناسك قديس أقرّت قداسته رومية وأعلنته قديسًا في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية الجامعة في العالم كله. ذاك راهب آخر على طريق التطويب والتقديس.

أي سنة لا تدشّن فيها كنيسة مارونية جديدة أو دير جديد أو معهد جديد أو مصحّ جديد أو مدرسة جديدة؟

من أسهم في النهضة العربية الحديثة في المئتي سنة الماضية في شتى الحقول أكثر من الموارنة؟..

من أسهم في ترجمة روائع المؤلفات الكلاسيكية العالمية الى العربية في العالم كله أكثر من الموارنة؟

من ترجم توما ـ وتوما هو من هو ـ الى العربية غير الموارنة؟ بل من كان بمقدوره أن يفكر بترجمة توما في العالم العربي كله غير مسيحيي لبنان وخاصة الموارنة؟

من عُرف من العالم العربي كله في الأدب العالمي أكثر من جبران؟..

من أسهم في بعث الصحافة الحديثة في مصر ولبنان أكثر من الموارنة؟…

أما دور الموارنة، أفرادًا وأحزابًا وهيئات، في السياسة اللبنانية، فدور قيادي حاسم يقرّ به الجميع ويقرّ به العالم كله…

وذود الموارنة عن لبنان وقيمه في الحرب الجارية، ليس أشد منه جرأة واندفاعًا وتضحية وروعة وبطولة. في هذا الذود المستميت بلغت حيويتهم ذروة أوجها. كل قوة كامنة فيهم نشطت وعبأت نفسها وانبرت في الميدان. لولا هذه الحيوية العجيبة لما بقي حتى ما بقي من لبنان. ساعدهم الغير من جميع الفئات بنجاعة تامة وهم أول من يُقرّ بذلك. لكن عدوى القيادة والاندفاع والتضحية كانت في معظم الأحيان ترد منهم. الكل ضحّوا لكنهم ضحّوا أكثر من غيرهم. الفضل يعود أولاً الى القادة الشباب، وكلهم تقريبًا كانوا موارنة. لم تحظَ بعد قيادتهم الفتية بروعة الوصف الأدبي الجميل الرصين التي تستحق، لأنها لا تزال في وسط معركة الحياة والموت، بل في مقدمتها، عاملة أربعًا وعشرين ساعة في اليوم بلا انقطاع. تخطط، تعاني، تُقدم، تُنجز، تعرِّض نفسها للموت. سيُدوِّن بطولتها التاريخ بأحرف من ذهب…

ما أسهل التفلسف على الموارنة. من لا يتفلسف عليهم اليوم؟ مَنْ مَنْ أعداء لبنان وحرياته وقيمه لا يعاديهم ولا يحاول تسويدَ إسمهم وتفكيكهم بعضهم من بعض؟ إنّ هذا لفخر لهم. إنه دلالة دامغة على مركزهم وأهميتهم. ومع ذلك هم صامدون. “يا جبل ما يهزّك ريح”.

وقد يكون سهلاً كذلك تحليل ما أُعطوه. وما محاولتنا هنا، على حدودها ونقائصها، إلا أحد التحاليل الممكنة.

المهم ليس تحليلهم ولا التفلسف عليهم بل أن يتساءل اللبنانيون الآخرون، غير الموارنة:

1 ـ هل نقدّر بالفعل، بلا تحيّز ولا وراب ولا حكم مسبق، ما أُعطي للموارنة حق قدره؟

2 ـ أيًا كان ما أُعطيه الموارنة، فماذا أُعطينا نحن؟

3 ـ كيف نقدم أو نوظف ما أُعطيناه نحن عطاء منا؟

4 ـ كيف نسند الموارنة في ما أُعطوه وكيف نصبّ ما أُعطيناه نحن مع عطائهم في سبيل الحقيقة والحرية والإنسان والقيم الأخيرة ولبنان؟..

ألخص الكثير المطلوب من الموارنة بما يلي:

1 ـ تقبّل ما أُعطوه بتواضع تام، وبخوف ورعدة. الموقف الصحيح والأخير هو: “ليس لنا يا رب، ليس لنا، لكن لاسمك أعطِ المجد، من أجل رحمتك، ومن أجل حقك”.

2 ـ الشكران المتدفق عطاء بلا حساب ـ الشكران للمُعطي الجواد.

3 ـ قدِّر كل وزنة من الوزنات العشر المُعطاة حق قدرها، وتأمل عظمتها بانكسار تام، وبخوف وخشوع، واستخلاص كل ما تنطوي عليه من تحديات.

4 ـ الحرص الشديد على كل واحدة من هذه الوزنات، وتعهُّد إنمائها الى أقصى حد.

5 ـ التأكد من أن لوجود الموارنة وبقائهم مغزًى وسرًا عجيبين، وتلمُّس هذا السر بتطلع شغف.

6 ـ التأكد من أن هذا السر الدفين لا ينكفئ على لبنان فحسب، بل يتعداه الى أبعد وأعمق منه بكثير.

7 ـ الإيمان المطلب (أ) بالحرية الكيانية الشخصية الإنسانية المسؤولة كأقدس شيء في الوجود، (ب) بأنها تختصر وتجسّد جوهر الوزنات العشر كلها التي أُعطيها الموارنة، (ج) بأن لبنان مؤتمن عليها أزليًا، ليس لنفسه فحسب، بل للمشرق كله، (د) وبأننا إذا خسرناها سيخسر الموارنة، وسيخسر لبنان معهم، جميع الوزنات التي أُعطوها، وسر بقائهم سيزول، وهكذا كل مبرر لوجود لبنان. وعندما يزول مبرر الوجود يزول الموجود.

8 ـ أن يتأملوا، بخوف ورعدة وباتكال على رحمة الله، مثل العبد الصالح الأمين والعبد البطال الكسلان. العبد الصالح لم يحافظ على وزناته فحسب بل ضاعفها. أما العبد البطال فخاف ودفن وزنته في الأرض. لقد كان الموارنة حتى الآن أمناء على الوزنات التي أُعطوها، وقد ضاعفوها. ولا شك عندي أن السيد المُعطي إذا حاسبهم اليوم يقول لهم ما قاله للعبد الصالح: “أحسنت أيها العبد الصالح الأمين، قد وُجدت أميناً في القليل فسأقيمك على الكثير. أدخل الى فرح ربك”. صلاتي الحارة أن لا يأتي يوم، وثقتي التامة أن يومًا لن يأتي، يقول فيه السيد المُعطي ما قاله للعبد البطال الكسلان: “خذوا منه الوزنة وأعطوها للآخرين، لأن كل من له يُعطى فيزداد ومن ليس له يؤخذ منه ما يتوهّم أنه له”.

*مقتطفات من دراسة مطوَّلة نشرت في مجلة “الفصول اللبنانية” في العدد 3 صيف 1980 تحت عنوان: “الكثير المطلوب”.

(رسوم بيار صادق من مجلة الفصول العدد 3)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل