مقال للسياسي إدوار حنين في “المسيرة”ــ العدد 1597
الموارنة، دينيًا، أبناء مار مارون، وأبناء الفينيقيين إثنيًا، وتاريخهم طبيعيًا امتداد لتاريخ الفينيقيين.
المارونية تمرّد على السلطان وخضوع للإيمان. فكأن في ذلك تسليمًا لله ومقارعة للإنسان، وهي سيرتهم.
ليست المارونية ديناً، إنْ هي إلا طائفة من دين.
وليست هي لبنان، إنْ هي إلا ركن من أركانه.
وعلى صعيد الدين، فإنها تمثل الانقطاع الى التفكير اللاهوتي الذي حفظ المارونية في الخط المستقيم فحافظت، أبدًا معه، على علاقتها السليمة بالكرسي الرسولي. فلا بدعة فيها ولا انحراف، بل انسجام متواصل دائم مع الكنيسة الرسولية ـ الرومانية ـ الكاثوليكية ـ الواحدة، في جميع الأزمان والعصور.
أما على صعيد لبنان، فقد كانت المارونية حريصة، أبدًا، على أن يبقى لبنان ملجأ المروَّعين، وموئل الحرية، ودار الأمان، كلاً لكل أبنائه.
فالماروني أراد نفسه، في لبنان، إنساناً حرًا:
حرًا في معتقده يستطيع أن يكون، ضمن المسيحية، حيثما يشاء لنفسه أن يكون.
حرًا في تصرفه: في ممارسة شعائر دينه، في إقامته وترحّله، في اختيار ومعاطاة عمله، في محازبة من يريد على من يريد في التعبير عن معتقده وشؤون عمله، وعن كل ما يجول في خاطره.
وقد خصّ نفسه، الى ذلك، بحرية لا حد لها في التعيّش والارتزاق حملته على فتح أبواب العالم من جهاته الأربع، فملأ الدنيا بولده ومآتيه.
وما أراده الماروني لنفسه أراد مثله لغيره من شركائه في الوطن الصغير.
من هنا يتضح، أن المارونية كنيسة ووطن، وأنها حريصة على استقلال كنيستها، وعلى استقلال وطنها، تستميت، أبد الدهر، في الدفاع عنها وعنه.
ثم إن المارونية ليست كنيسة، ولا هي طائفة، فحسب، بل هي حزب سياسي متعدد الجناحات.
فيوم لم يكن في الإكليروس الماروني غير الرهبان، كان الرهبان ينتخبون من بينهم بطريركاً عليهم. والبطريرك، بفعل هذا الانتخاب، كان الرئيس الأعلى للكنيسة المارونية الذي حُصرت في يده السلطة الروحية والسلطة الزمنية في آن معًا. الكنيسة المارونية تحولت، هكذا، الى كنيسة قومية. فتحولت، على التوالي، الى أمّة.
وحيث أن المارونية لم تكن وحدها في لبنان، بعد أن انضم إليه الدروز والشيعة والسنّة، وجد الموارنة أنفسهم، في الدفاع عن حقوقهم، حزمة واحدة، تحولت مع الزمن الى حزب سياسي له هيكليته وأهدافه ومراميه، وخطة عمله التي كانت تملي على اتباعه مواقفهم.
وما برح الموارنة ذاك الحزب السياسي الواحد، وإن كانت لم تتوحد فئاتهم فيه، ولا توحدت سبلهم الى أهدافه، غير أن المطالب البعيدة، وبخاصة المطالب المصيرية، كانت تحملهم أبدًا وما تزال على أن يكونوا، عن طرائق مختلفة، في اتجاه المطلب الواحد. وإنهم لكذلك، مقيمين كانوا أم منتشرين في الدنيا.
وإذا كان الظرف الحاضر قد قضى، على صعيد السياسة، بانقسام الموارنة الى فئات، فما ذلك إلا لأنهم نسور، والنسور تأبى أن تطير أسرابًا. غير أن ما يبدو بالغًا في انقساماتهم، لن يلبث أن تزول نواتئه عندما يزول الظرف، أو قبل أن يزول.
وبما أن الموارنة فئة لبنانية مستقلة في حزب سياسي لبناني، هو أكبر حزب، كان طبيعيًا أن يعملوا مع الطوائف اللبنانية الأخرى على بناء لبنان.
وليس صحيحًا أنهم، وحدهم، بنوا هذا الوطن الصغير. فلكل اللبنانيين، في بنائه، يد. غير أن شؤوناً إنشائية ـ حضارية جمّة لو لم تُعمل على يد الموارنة، لما كانت وجدت في ذلك الحين، يدًا تعمل لها، أو كان قد طال انتظار مجيئها.
من هذه الشؤون:
*تعريب الروائع العالمية الكبرى، كما “الخلاصة اللاهوتية” و”إلياذة هوميروس” شعرًا.
*وضع الموسوعات والقواميس، كما “دائرة المعارف” و”المحيط المحيط” و”أقرب الموارد” و”البستان”.
*تنظيم تدريس اللغة العربية وقواعدها الصرفيّة والنحويّة، كما “بحث المطالب” و”المبادئ العربية”.
*إنشاء أول مطبعة باللغة العربية في الشرق قاطبة، وهي مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا في وادي قنوبين السنة 1610.
*انتجاع العلم في بلاد الغرب، وتأسيس مدرسة روما.
*الدعوة الى تعليم المرأة في السنة 1848 على لسان المعلم بطرس البستاني.
*ركوب المخاطر الى المهاجر، وإنشاء القرطجنات الألف على سطح الدنيا.
*يبقى أن الموارنة هم الذين أنشأوا “لبنان المختبر”، هذا المختبر الحضاري الذي بات، في أيامنا الأخيرة، دعامة من أقوى دعائم رسوخ لبنان واستمراره…
ثم راح هذا المختبر يتسع للشؤون الأُخَر كالانفتاح على العالم، والمشاركة الإنسانية والديمقراطية، وإحياء التراث والحياة المجتمعية، وتعليم المرأة، والانسياق مع التيار الحضاري، حتى بات فريدًا في العالم.
الموارنة مبنيّون على الرفض، رفض كل ما ينتقص من كرامة إنسانهم، فرفضوا، فيما رفضوا، أن يحيوا ذميّين.
هذا الرفض للذميّة رافقهم في جميع أطوار حياتهم، لأنهم يلتمسون حقوقهم من الشرع لا من ذمّة الناس. وهذا الرفض بالذات هو الذي جرّ عليهم المتاعب، وما يزال.
رفضهم هذا ألّب عليهم بعضًا من مواطنيهم، وكل العالم المحيط. فحُكم عليهم بالشعوبية، فعزلوهم، واضطهدوهم، وشنّوا عليهم الحروب.
الواقع هو أن الموارنة ما كانوا إلا أوفياء لجوهرهم، ولمَنْ هم…
هذا الذي قيل فيه إنه “تعصب ماروني” ليس إلا شيئاً في الأصول، في ما أفضى الى تكوينهم على ما هم عليه، وتشبثاً في رفضهم الأكبر الذي ما زال، وسيظل، رفضهم الأكبر.
وإن مثل هذا التشبث مبرّره، لديهم، أقوى من التشبث الديني، لأن مصدر هذا إيمانيّ، ومصدر ذاك كيانيّ، والكيان قبل الإيمان في طبع الإنسان وتطبّعه.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]