ماري جعجع… أم فوق العادة

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” –  العدد 1597

لأنها أم كل رفاق المقاومة وشهدائها، لأنها أم سمير جعجع كان هذا اللقاء مع ماري جعجع عشية عيد الأم. على عتبة التسعين من عمرها لا تزال صامدة  شامخة وتردد:”نعم فخورة أنا بإبني سمير جعجع.  لكن لا شيء يعوض علي كأم أكثر من رؤيته وسماع صوته وأن يكون بألف خير”.  كان ذلك في 23 آذار 2015.

اليوم مع  عبور السيدة ماري جعجع إلى أحضان يسوع تعيد “المسيرة” نشر المقابلة الأخيرة التي أجريت معها في مناسبة عيد الأم.

عام مر على رحيل رفيق عمرها.صوته لا يزال يتردد في البيت. تسمعه أحيانا يناديها.تدخل غرفته ليلا لتتفقده. لم تتعود بعد على فكرة رحيله.فمشوار العمر الذي استمر أكثر من 60 عاما لم ولن ينتهي مع رحيل الجسد.

هذه السنة لن يحمل لها فريد جعجع باقة الورد الأحمر كما في كل مناسبة لعيد الأم. لكنها تنتظر من سمير باقة الورد الأحمر والأبيض. “وما بدي منو أكثر من هيك.شوفتو بتكفيني”.

يحسدها البعض على صفة أم القائد، أم المقاومة، لكنها تعترف بأن أيًا من الصفات لا تعنيها. “يسوع حملني خشبة كبيرة. ولو حملتا وحدي ما بزعل. بس سمير حمل معي الصليب وتعذب”.

ماري جعجع أم فوق العادة، كيف لا وهي التي وقفت أمام رئيس المحكمة لتسأله: “هل تصدق أن إبني سمير فجر كنيسة سيدة النجاة؟ هل تصدق أن “القوات اللبنانية”شاركت في هذه الجريمة؟”

أم فوق العادة لأنها قررت ان تسكت يوم زارت جعجع في زنزانته في وزارة الدفاع بعد اعتقاله للمرة الأولى. صمتت حتى لا تضعف أمامه وتبكي.

أم فوق العادة لأنها بصلابتها مهدت خارطة الطريق وزرعت في شخصية إبنها صورة المقاتل والقائد والمرشح لرئاسة الجمهورية وإن كان هذا المشوار، مشوار الأمومة مثقلا بالهم والخوف والكثير الكثير من القلق والدموع التي كانت تمسحها سرا.

ماري جعجع الأم فوق العادة في عيدها عيد الأم، ماذا قررت أن تقول؟

في منزلها في النقاش تستقبلنا ماري جعجع. “أهلا بـ المسيرة”. تتذكر الوجوه على رغم المسافات الزمنية الفاصلة. صور القديسين الموزعة على جدران البيت تستقبل الزوار إلى جانب صورة ل فريد بالبزة العسكرية وأخرى لها أيام الصبا. “هاي صورة فريد بالقبعة العسكرية.بحبا كتير كبّرتا وبروزتا.وهاي أنا كان عمري 40 سنة. كان الجمال طبيعيًا في تلك الفترة”. أما صور جوزف وسمير ونهاد وعائلاتهم فلهم باقي المسافات العينية والقلبية. وبلغة ام القائد تعلن عن بدء الحوار” منبلش؟ بس ما تقسو عليي كتير لا بالصور ولا بالأسئلة؟”

 هي السنة الأولى التي يمر فيها عيد الأم من دون رفيق العمر فريد جعجع. أي شعور سيرافقك في هذا اليوم؟

الفراغ.وحده الفراغ الكبير هو رفيقي الدائم بعد رحيل فريد. فأنا افتقده مع مرور الأيام وأشعر بأنني صرت وحيدة.أحيانا أسمع صوته يناديني وهذا ما حصل معي هذا الصباح عندما كنت أجلس إلى الشرفة. أحيانا أستيقظ ليلا لتفقده كما كنت أفعل عندما كان مريضا فأسأله ما إذا كان يريد كوب ماء. لكنني أستدرك الأمر وأعود إلى واقع الفراغ… كتر خير الله.

هل كان راضيا عن كل شيء؟

نعم. فمعاملة أولاده الثلاثة جوزف وسمير ونهاد كانت إستثنائية للأب الذي رباهم بالعطف والحنان والإيمان. وأنا على يقين أنه رحل وهو راض عنهم. اسألي سمير(الشدياق) الذي أمضى معه 10 أعوام كيف كان يعامله أولاده وكيف كانوا يحرصون على عدم إزعاجه وعلى احترامه.

تتذكرين آخر هدية قدمها لك لمناسبة عيد الأم؟

العام الماضي كان يرقد في الفراش بسبب المرض لكنه لم يفوت المناسبة.أذكر أنه صباح 21 آذار وفيما كنت جالسة بقربه على السرير اقترب مني وقال: “ينعاد عليك ماري يخليلنا اياك والله لا يحرمنا منك”.

وماذا عن هدايا الأعوام السابقة؟

هدية عيد الأم كانت مميّزة عند فريد منها العطور أو الملابس أو كريمات خاصة بالوجه. لكن الأهم عنده كانت باقة الورد حيث لم يكن يدخل البيت ذاك النهار إلا وفي يده باقة من الورد الأحمر وكان يحرص على شرائها وتقديمها لي في هذه المناسبة أيًا كانت الظروف.

قلت”الفراغ كبير وكبير جدا” بعد رحيل الزوج والأب ورفيق مشوار 60 عاما من العمر. ما الذي يمكن أن يملأ هذا الفراغ أو يعوض عليك غياب الزوج؟

لا شيء يعوض علي هذا الفراغ إلا إذا رأيت الحكيم. فأنا لم أعد أراه إلا نادرا بسبب انشغالاته في الشأنين السياسي والحزبي. وعندما أراه أنسى الدنيا والعالم.

تتكلمين بحرقة وكأنكما لم تلتقيا منذ مدة؟

آخر مرة رأيت فيها إبني سمير كانت في مراسم تشييع فريد في بشري.حتى أنا لم أعد أذهب إلى معراب لزيارته بسبب وضعي الصحي”همتي صارت تقيلة”. من قبل كنت أكثر نشاطا.وعندما مرض زوجي لازمت البيت وبقيت إلى جانبه طيلة الوقت.

لكنك على الأقل تطمئنين إلى سلامته من خلال الهاتف والتلفزيون؟

هاي هيي بنطر تا شوفوا عالتلفزيون أو بحكي عالتلفون. ويستطرد سمير الشدياق، عندما تشاهد صورته في نشرات الأخبار أو في إحدى المقابلات السياسية ترتاح حتى أنها تبدأ في تشخيص وضعه النفسي والصحي من خلال إطلالاته التلفزيونية. وتعود لتؤكد، أوقات يمر أسبوع من دون أن أسمع صوته بسبب كثرة انشغالاته. عدا ذلك فهو يتصل بي يوميا للإطمئنان إلى صحتي. 

وماذا عن جوزف ونهاد؟

جوزف يتصل يوميا من الخارج وكذلك نهاد التي تعيش مع إبنها في دبي. هما يحاولان التعويض عن غياب سمير القسري.والكل يقدر ظروفه. 

ما هي عيدية الدكتور سمير جعجع لوالدته؟

كل سنة يحمل إلي باقة ورد باللونين الأحمر والأبيض بالإضافة إلى هدية أخرى.لكن كل كنوزالأرض وهدايا العالم لا تعوض علي رؤيته “شوفتو بتسوى كل هدايا العالم”.

مشروع الأمومة صعب في كل حالاته فكيف إذا كانت أم قائد ورجل سياسي حتما سيكون مشوار الأمومة صعبًا ومغمسًا بالهم والخوف والقلق إلى جانب تضحيات الأم؟

أكثر مما تتصورين. فزوجي فريد كان في الجيش اللبناني ونادرا ما كنت أراه بسبب وجوده الدائم في الثكنة وعلى الجبهات من هنا كان مفروضًا علي أن أعوض عن غياب الأب وألعب دورا مزدوجا في البيت وخارجه. لا أنكر أنني كنت على قدر هذه المسؤولية لكن تربية الأولاد مهمة شاقة جدا وسمير كان الأكثر شقاوة بين إخوته. لا ارتاح ولا خلاني إرتاح. 

نفهم أنك لمست خارطة حياته المستقبلية منذ طفولته؟

أبدا. صحيح أنه كان شقيا وغالبا ما طلبت من جوزف ونهاد أن يدونوا أفعاله ليقرأها في المستقبل ويتذكر كيف كان يتصرف ويفكر ويلعب، مع ذلك لم أتخيل يوما أنه سيكون ما وصل إليه اليوم،وهذا لا يعني انتقاصا من كفاءاته وقدراته لكن ربما لأنني أم. وقلب الأم يرفض أن تمس شعرة إبنها فكيف إذا تعذب وظلم وكانت حياته مهددة في كل لحظة؟

ما هي الذكريات التي تستعيدينها أثناء جلوسك مع الدكتور جعجع؟
عندما نجلس معًا غالبا ما نستعيد ذكريات طفولته في بشري وعين الرمانة. لكن أكثر الذكريات التي ترسخت هي أيام موسم قطاف التفاح حيث كنت المرأة الوحيدة التي تنزل مع التجار والمزارعين.وأذكر أن سمير كان يرافقني وكنت ألمس مدى قلقه علي لكنني كنت ملزمة بسبب غياب فريد الدائم ووجوده في الثكنات في غالبية الأوقات.

أول مرة لبس فيها سمير جعجع البزة العسكرية ونزل إلى جبهات القتال ما كان رد فعلك؟

لماذا تصرين على إعادة الزمن بي إلى الوراء؟

تصمت وتعود إلى تلك الأيام لتتكلم عنها بشغف الأم المجبول بشعور القلق والخوف.

حاولت قدر الإمكان أن أقنع سمير بالتخلي عن فكرة الإنتساب إلى حزب “الكتائب” ولطالما أمضيت ساعات في التكلم معه ولا أنكر أنني كنت أغضب أحيانا لكن عبثا علما أنه كان ولدًا مطيعًا بدليل أنني تمكنت مرة من منعه من الذهاب مع إبن خالته إلى الصيد وحمل “الجفت” لأنني كنت خائفة أن تتشتت أفكاره عن الدرس خصوصا أنه كان في عمر 14 سنة. أذكر أنه بكى كثيرا يومها وتقطع قلبي عليه. وعلى رغم إصراره قلت له:ما في روحة عالصيد وهكذا كان.ماراح وما راح! 

تمكنت من إقناعه بعدم الذهاب إلى الصيد لكنك فشلت في ردعه عن ارتداء البزة العسكرية والنزول إلى ساحات القتال؟

منذ طفولته كان سمير مولعا بالحياة العسكرية. أذكر مرة أنني أجلسته إلى شرفة منزلنا في عين الرمانة لمشاهدة موكب تظاهرة منددة. فجأة بدأ يهتف: “ددين ومغدوشة” أي جزين ومغدوشة حيث كانت تحصل مواجهات هناك بين الجيش اللبناني والمسلحين. كان عمره 6 سنوات. حاولت أن أطبق معه الأسلوب نفسه عندما كبر لكن اعترف بأنني هزمت إذ لم استطع أن أمنعه من الإنتساب إلى حزب “الكتائب”وإبعاده عن أجواء السياسة. لكن لا أخفيك سرا إذا قلت أنني أيضا أحب السياسة. 

وأين كان قلب الأم آنذاك؟

نسيت نفسي وعائلتي حتى أمي وأخواتي.نسيت كل الدني. عقلي كان مع سمير وكنت أنتظر عودته في كل مرة يخرج فيها من المنزل مرتديا بزة القتال. لا أدري كيف عبرت بنا الأيام. كتر خير الله أنه لا يزال حيا.

ماذا عن جوزف ونهاد هل كانا يخففان عنك القلق؟

كانا يلازمانني طيلة الوقت. أحيانا كنت أطلب من جوزف أن يلحق بسمير لكن ليس في كل المرات كان يستجيب لطلبي لأنه يعلم أنه لن يجده. وتستطرد”جوزف ونهاد ما عذبوني. بس سمير عذبني كتير. ولو عذبني وما تعذب كان على قلبي متل العسل. بس سمير يا ولدي تعذب كتير”.

إلى متى استطعت إخفاء حقيقة سمير جعجع المقاتل عن والده؟

ليس كثيرا. في البداية حاولت أن أغطي على سمير وعندما كان ينقل أحدهم أخبارا لفريد عن سمير في إحدى الجبهات أحاول أن أغيّر الموضوع أو أوهمه بأنه سمع أخبارا مغلوطة حتى لا يشغل باله أو يؤثر ذلك على صحته. لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاخصوصا بعدما بدأت تتردد أخبار عن المعارك التي كان يخوضها سمير على الجبهات. فرضخ فريد للأمر الواقع وحوّل قلقه عليه إلى دعاء لله وتلاوة المسبحة كل ليلة. 

ممن ورثت هذه الصلابة؟

من والدتي رحمها الله. 

لكن وراء هذه الصلابة هناك إمرأة وأم تنضح حنانا وحبا؟

تضحك وتحوّل مسار الحديث إلى زوجها فريد. كأنها لا تريد أن تصدق أنه غير موجود معنا ولا يشاركنا هذا الحوار. وتقول: كان فريد ناعما وهادئا بطبعه. عشت معه أكثر من 60 عاما ولم أسمعه يوما يشتم أو يلعن إطلاقا. كان صلبا بدوره لكن من دون أن يظهر ذلك أو على الأقل كان يظهره لكن بأسلوب ديبلوماسي وهادئ.

واضح أن الدكتور جعجع استمد صلابته منكما لكن طباعه أقرب الى من؟

إلي أنا. وحتى اليوم عندما نكون معًا يقول لي “أنا مثلك ماذا أفعل”. فأضحك وأسكت لأنه فعلا يشبهني في كل شيء. أما جوزف فيشبه والده حتى أنه كان حصته ونهاد بين الإثنين لكن غالبية طباعها أقرب إلى فريد.

كيف تعايشت مع صفة أم القائد؟

أنا أم لثلاثة أولاد. أفخر بكل واحد منهم. أما سمير فأنا أدرك تماما أنه يستحق كل ما وصل إليه وفخورة به لكن لا شيء يعني لي أكثر من سماع كلمة “أمي” وأن أراه في صحة جيدة لأن خوفي وقلقي عليه يكبران. وهذا الشعور بات حليفي الدائمليلا نهارا. وكل يوم قبل أن أنام أقول لتكن مشيئتك وعندما أصحو أشكرالله على هذه النعمة وأقول يا رب نجنا من الشرير. إلى هذا الحد بت خائفة على سمير. لكنني أسلمه لأمنا السيدة العذراء فهي شفيعتي منذ فتحت عيني على الدنيا.

كيف تتذكرين مرحلة اعتقال الدكتور سمير جعجع وتحديدا يوم 21 نيسان 1994؟

يومها كنا في مبنى غدراس نهاد والأولاد وستريدا وأنا. لكن سمير أصر أن نغادر إلى بيتنا في النقاش على أساس أن لا شيء سيحصل حتى اليوم التالي. وعندما وصلنا إلى البيت سمعنا بخبر اعتقاله….

هل طلبت منه أن يغادر البلاد؟

لم أطلب منه أن يسافر ولا أن يبقى. سمير اتخذ قراره وهو رفض السفر خارج البلاد.

لكن حتما كانت هناك نصيحة أم لابنها بغض النظر عن خياره وقناعاته؟

أنا طرحت عليه سؤالا: “شو بدك تعمل بهالوضع؟ قال”بدي فوت عالحبس”. “وماذا لو لم يطلقوا سراحك”؟ أجاب: “ليش ما في جسم قضائي بلبنان”؟ كان مؤمناً بالقضاء. 

ما كان رد فعلك عندما سمعت بخبر اعتقاله؟

لم أستوعب شيئاً ولم أعد أرى من حولي ومن كثرة اللطم اكتشفت في اليوم التالي وجود كدمات زرقاء على قدمي. لكنني أشكر الله أنه بقي حياً. ومن لحظتها بدأ مشوار الجلجلة إلى وزارة الدفاع.

وماذا عن الزوج والوالد فريد؟

كان أكثر هدوءا مني وبدل المسبحة صار يصلي عشرة أما أنا فعجزت عن التفوه بكلمة صلاة واحدة.

أول مرة زرته في وزارة الدفاع كانت بعد نحو 10 أيام. ما كانت كلمات الأم الأولى لابنها القائد المعتقل تحت سابع أرض ظلما؟

ما قدرت حكيت ولا كلمة. بقيت صامتة حتى لا أبكي وأضعف أمامه. كنت أتأمل وجهه طيلة مدة الزيارة. أما هو فبادرنا قائلا: “شو قصتكن؟ خليكن قبضايات”.بدا نحيلا جدا. تهز برأسها وتستطرد، خلص.. خلص..غيري الموضوع.

ما هي الرسائل التي كان يحملك إياها عندما تزورينه؟

كانت وصيته واحدة “انتبهوا ع حالكن.أنا منيح وما تعتلو همي”. لكن بعد فترة ما عاد قادرا على التكلم ولم نعد نسمع صوته بسبب عزله في الإنفرادي. قلبي تقطع عليه. قلت له “غني رتل في زنزانتك”. فكان يقول لي: “بس يطلع صوتي بصيرو يدقولي تا أسكت”… خلص خلص بيكفي.

ماذا كانت تعني لك زيارات الشباب إلى بيت الحكيم طيلة فترة اعتقاله وتحديداً في مناسبات عيد الأم؟

الكثير الكثير. الله يوفقن ما تركوني ولا لحظة. كان المنزل بمثابة الحج وتدل على هدية من شباب قوات عين الرمانة في إحدى مناسبات عيد الأم. كانوا يأتون إلى البيت لمعايدتي وتكريمي. تصمت وتعود إلى الزنزانة زنزانة ولدها الحبيب وتسأل: “لماذا حصل ما حصل لسمير؟ تصوري في إحدى المرات دخلت مكتب رئيس المحكمة وسألته: “هل تصدق أن سمير جعجع فجر كنيسة سيدة النجاة؟ أجاب: “أنا أصدق ذلك؟؟” وضرب يده على الطاولة حيث كان يوجد ملف كبير وقال: “لكن ماذا أفعل بهذا الملف؟” (في إشارة إلى الملف المفبرك في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة).

11 عاما كيف تصفينها في مشوار أمومتك؟

لا أعلم هل تكون جهنم أم المطهر.

هل سامحت؟

نعم لكن ليس من كل قلبي. سمير سامحهم أما أنا فلن أنسى كل شخص تسبب في سجن ولدي 11 عاماً ظلماً. ليس هو وحسب إنما كل الشباب الذين دفعوا ثمن التزامهم بقضية وخط “القوات اللبنانية”. ما في أصعب من الظلم.

كيف تلقيت خبر خروجه من السجن؟

لسوء حظي أن ذاك اليوم تزامن مع موعد عملية فريد في وركه بسبب وقوعه في الحديقة. لم أستطع أن أراه وهو يخرج إلى الحرية علماً أنني كنت متشوقة لذلك. ثم سافر إلى الخارج لإجراء فحوصات طبية وقضاء فترة نقاهة.

تتذكرين حتما زيارته المنزل بعد عودته من الخارج؟

وهل يعقل أن أنسى؟ غمرني وبدأنا ندور في أرجاء البيت ثم دخل غرفة والده فريد الذي كان قابعاً في الفراش وعاجزاً عن الحركة بسبب العملية الجراحية.لكن زياراته كانت مقتضبة لأسباب أمنية.

يقال أن الأم هي كاتمة أسرار ابنتها من كان مفتاح أسرار سمير؟

أنا كنت صديقته وخزان أسراره. كان يفهم علي من الإشارة الأولى أو من نظرة أو حركة ولا يزال… أحيانا كان فريد يلومني لأنني أميّز سمير عن إخوته فكنت أقول له بأنني أم ولا أستطيع أن أميّز بين ولد وآخر. لكن سمير حالة خاصة وهو يشبهني في كل شيء لذلك كان يظهر علي أحيانا أنني أميّزه في العلاقة والتعامل.

ارتحت بعد خروجه من السجن؟

تهز برأسها عاليا مرات عدة. ثم تقول: يا ريت بعرف طعم الراحة. على العكس صرت أخاف عليه أكثر بسبب موجة الإغتيالات. وعندما أراه على الشاشة خارج معراب لا أهدأ ولا أنام إلا بعد أن أتأكد من عودته سالماً. أحيانا أنتظر لأكثر من 8 ساعات. ولا أتحرك قبل أن أتأكد من عودته سالما إلى معراب.

لعل الصلاة رفيقتك الدائمة؟

أحيانا أصلي وأحيانا أتحدث مع السيدة العذراء أو أعاتب القديسين حسب الظروف والأوضاع. لكنني متصالحة مع نفسي ولا شيء يزعزع إيماني. لا شيء.

هل يحسدك البعض كونك أم القائد والزعيم السياسي سمير جعجع؟

كل إم فيها الخير والبركة لكن ما ذقته من عذاب وليس وحدي إنما مع زوجي وأولادي وحتى مع سمير نفسه لا أتمناه لعدو. فخورة طبعا بكوني أنجبت سمير جعجع لكن الثمن كان غاليا جدا علي لم أهنأ يوما ولم أشعر بالراحة والإطمئنان ولو اقتصر هذا العذاب علي وحدي لقلت إنها ضريبة الأمومة. لكن سمير دفع الثمن أيضا وتعذب كثيرا. كتر خير الله أنه لا يزال حيا.

لو لم يكن سمير جعجع الرجل السياسي ماذا كنت تتمنين أن يكون؟

“حكيم” لأنه ذكي ومتفوق وحتى اليوم عندما أرى بعض الأطباء في مستشفى أوتيل ديو حيث كان يتدرج بصفة طبيب يسألونني عن الطبيب الذي كان متفوقا وبارعا في هذا المجال.

عندما أعلن الدكتور سمير جعجع ترشيحه…

(تقاطع) مي مغلية وانسكبت عليي. ليس لأنه غير جدير أو لا يستحق. على العكس لكن أنا أم وأخاف على سمير.ألم يصل بشير الجميل ورينيه معوض؟ دخيلك يا الله …

ماذا قلت له بعد إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية؟

سألته إذا كان قابضا جد فأجاب: لأ إنها مزحة…وتغرق ماري في الضحك قبل أن تتابع: أدرك تماما أنه جدي في إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية لكن لا أحد يثنيه عن رأيه حتى أنا أمه ماري جعجع.

ما هي المحطات التي تعودين إليها اليوم عن مشوار الأمومة؟

الخوف والوجع لم يتركا شيئا في ذاكرتي. أحيانا أتذكر أيامنا في بشري في ذاك البيت عندما كان سمير وجوزف ونهاد أطفالا. أتذكر أيام الشعانين والأعياد لا سيما هدايا الأولاد وفريد في عيد الأم لكن الخوف والقلق والمعاناة التي عشناها محت كل الذكريات الجميلة.

 خائفة من الغد والمجهول الآتي؟

لا أخاف شيئا وأصلي اليوم لكل مسيحي مهدد وكل مهجر.

ماذا تطلبين من الله؟

أن يكون أولادي بخير وتنتهي جلجلة المسيحيين.

 رضى الله ورضى الوالدين. هل لا يزال هذا المثل الشعبي الشائع ساري المفعول؟

وكيف لا؟ لا شيء أهم من رضى الوالدين بعد رضى الله طبعا. كتر خيرو. ما يعزيني أن فريد رحل وهو راض عن أولاده الثلاثة وفي كل مرة يذكر أحدهم إسم سمير كان يقول “عا نية الله”. أفتقده كثيرا.

هل تعودين إلى ألبومات الصور؟

الأصح ما تبقى من صور. لكنها ملجأ ذكرياتي وسلواي الوحيدة.

تتصفحينها في غرفة “عمو فريد”؟

منذ رحيله لا أحد يدخل الغرفة أو يجلس على سريره. أحيانا أدخل وأقف أمام صورته وأسمع صوته يناديني. أرسم شارة الصليب على وجهي وأخرج بعدما أتأكد أنه لم يعد موجودا في الجسد. لكن روحه هنا معي ومع جوزف وسمير ونهاد وكل المحبين.

قبل أن نغادر نتمنى لها الصحة وطول العمر فتجيب بصلابتها: “ما بدي من العمر الباقي إلا إنو ما يفرجيني العذاب والقهر ويكون سمير بألف خير. وإذا بدكن تدعولي فليكن براحة البال. هيدا اللي بطلبو لكل إنسان”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل