#dfp #adsense

Dalida… الديفا التي تمنّت أن تكون مجرد امرأة

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في مجلة “المسيرة” – العدد 1597:

إنها “جيجي لاموروزو” و”بيسامي موتشو” و Mourir Sur Scene وParoles Paroles وLaissez Moi Danser و”سالمة يا سلامة”. إنها الديفا والأيقونة. إنها أجمل النساء بقامتها الممشوقة كسيف، وشعرها الغجري المسبوك بوهج الذهب تحت أشعة الشمس، وصوتها الاستثنائي الذي أبهر الجنرال ديغول فمنحها لقب “ميدالية رئاسة الجمهورية”.

إنها صاحبة القدرة الاستثنائية على الغناء بتسع لغات. هي الايطالية الاصل المولودة في شبرا في القاهرة عام 1933 التي أصبحت أهم مغنية استعراضية في العالم كله، بعدما سجلت أكثر من 2000 أغنية وباعت ما يزيد عن 170 مليون اسطوانة حول العالم وتلقت 70 اسطوانة ذهبية، وصوّرت 122 فيلما سينمائيا من ضمنها فيلم “سيجارة وكاس” مع سامية جمال في بداياتها، و”اليوم السادس” من إخراج يوسف شاهين قبل عام من وفاتها.

إنها تلك التي تمنت يوما ان تموت على خشبة المسرح أمام البروجكتورات وهي تغني حتى الرمق الأخير، ولكنها انتحرت وحيدة في غرفة غارقة في الظلام، تاركة خلفها رسالة تقول “سامحوني، الحياة لم تعد تحتمل”.

إنها من وضعت  حداً لحياتها الخاوية من الحب عام 1987 على رغم ملايين المعجبين، ولكنها لم تستطع ان تضع حداً لأسطورتها ولا أن تطفئ وهج نجوميتها الخالدة، فكرمتها الحكومة الفرنسية بعد رحيلها، بوضع صورتها على طابع بريدي وأقيم لها تمثال بحجمها الطبيعي على قبرها في العام 2001، وها هي السينما التي عشقتها، تكرمها بدورها من خلال شريط من نوع السيرة الذاتية بعنوان Dalida.

داليدا… ومن غيرها يستحق ان يعود في شريط مؤثر وعابق بالنوستالجيا والموسيقى، يروي اسطورة أيقونة وعاشقة مصابة بلعنة قدرية. شريط حَلُم شقيقها ومدير أعمالها أورلاندو بتقديمه منذ فترة طويلة، ولكنه يئس من إيجاد الشخص المناسب ليساعده في كتابة سيناريو يفي داليدا حقها، الى أن عرّفه المنتج جوليان مادون على المخرجة الفرنسية ليزا ابنة المطربة ماري لافوري التي تعرف جيدا عالم الاستعراض.

يقول أولاندو: “وحدها المرأة تستطيع أن تفهم بشكل حميم وعميق ما عاشته أختي”. وفعلا، استطاعت ليزا ان تحترم الى حد ما الوقائع التاريخية، وتقدم تشخيصا نفسيا لشخصية داليدا. اما النتيجة فجاءت شريطا تكريميا بامتياز، يقدم داليدا بصورة مثالية تقريبا، شابة دائما، من دون عيوب تذكر. البعض قد يلوم المخرجة على هذا الخيار، ولكن مع قدر كقدر داليدا، ومع نجومية كنجوميتها، لا بد ان نتعاطف مع شريط تكريمي ومؤثر وحنيني، غير عابئين فعلا بالحقائق المخفية.

واللافت أن المخرجة لم تكن من المعجبات بداليدا قبل الموافقة على تولي الفيلم. وما ان بدأت تغوص في كافة تفاصيل حياة الديفا، حتى شعرت انها مسحورة تماما بهذا القدر الاستثنائي، وخصوصا قدرها العاطفي الذي يشبه تراجيديا اغريقية. تقول أزويلوس”داليدا تركت رسالة تطلب فيها من الناس ان يسامحوها على انتحارها. وهنا شعرت من واجبي ان أوضح لماذا قررت الرحيل. أردت ان أجعلهم يتفهمونها ويعذرونها. إنها امرأة عاشت لعنة تلخصت بكونها امرأة عصرية أحبّت في زمن كان من الصعب عيش الحب بحرية. لم تستطع الإبقاء على طفلها من دون زواج، ولم تكن عمليات الإجهاض آمنة، فتسببت لها بالعقم”. وهكذا عاشت وحدة عاطفية وأمومة محرّمة كانت لتضمن لها الثبات العاطفي والحافز للاستمرار.

أما المهمة الأصعب فكانت تتلخص في إيجاد الممثلة القادرة على تجسيد شخصية داليدا الاستثنائية والفريدة بمظهرها وكاريزمتها ولكنتها الخاصة. مئات الممثلات تقدمن لإجراء الاختبار من دون جدوى، الى ان وصل فيديو الى يد المخرجة. المرسلة شابة إيطالية مجهولة في عالم التمثيل تدعى سفيفا الفيتي كانت لاعبة كرة مضرب، ثم فازت بمسابقة “إيليت موديل لوك” فسافرت الى نيويورك وعملت عارضة أزياء لمدة 9 أعوام. وعلى رغم أنها حلمت بأن تصبح ممثلة، إلا أنها كانت مقتنعة ان فرصة فوزها بدور داليدا شبه معدومة. تقول سفيفا: “كمعظم الايطاليين كنت أعرف أغنياتها، ولكنني لم اكن أعرف أي شيء آخر عنها. ثم شاهدت لها مقابلة على يوتيوب، فتأثرت بها وشعرت أنني قريبة منها، وكأنني أفهمها في العمق. لقد تمنيت ان أجسد شخصية هذه المرأة الحساسة واللطيفة جدا والقوية. وبدأت أحلم ولكنني لم أجرؤ على الذهاب شخصيا، فأرسلت شريطا مصوّرا عبر تلفوني”. وعندما شاهدت المخرجة الفيديو أدركت أنها وجدت داليدا. وعندما غنّت سفيفا je suis malade، اغرورقت عينا ليزا أزويلوس بالدموع. أما أولاندو فلم يقتنع بتلك الإيطالية ولم يتأثر بها في البدء. وبعد عدة لقاءات غيّر رأيه، وفي أول يوم تصوير، أرسل لها رسالة تقول: “منذ اليوم، أصبح لدي شقيقة جديدة”.

إعداد سفيفا استغرق 9 أشهر لتتعلم اللغة الفرنسية والرقص والغناء، كما خضعت يوميا خلال أشهر التصوير لأربع ساعات من الماكياج، ووضعت  شعرا مستعارا وأنفا اصطناعيا وأسناناً اصطناعية  لتتحوّل بعدها الديفا داليدا. وفعلا نجحت هذه الإيطالية المغمورة في عالم التمثيل في إعادة إحياء داليدا بكل سحرها وشغفها واتقاد نيرانها الداخلية والخارجية. من سيتابع الشريط سينبهر حتما بحضورها والكاريزما التي تتمتع بها وسيصفق بقوة لإصرار المخرجة على إسناد الدور لها.

خلال ساعتين سنتابع مع سفيفا القدر المبهر والتراجيدي لامرأة استثنائية في قالب من المتعة والتأثر والموسيقى والاستعراضات. شريط سينطلق عام 1967 مع أولى محاولات داليدا لوضع حد لحياتها بعدما فجعت بانتحار حبيبها المغني لويجي تينكو. طبيبها النفسي سيلتقي المقربين منها في محاولة لاكتشاف سبب وجعها ورغبتها في الموت. من خلال مشاهداتهم سيقدم لنا الفيلم قصة داليدا التي ولدت تحت اسم يولاندا جيجليوتي في مصر، وعلاقتها الصعبة بوالدها العنيف بسبب الحرب مما سيؤثر في علاقتها بالرجال لاحقاً. أيضاً سنتابع قصتها مع شقيقها ومدير أعمالها أورلاندو (ريكاردو سكامارسيو) وأول ظهور لها على مسرح الأولومبياد الشهير عام 1956، ثم زواجها من لوسيان موريس (جان بول روف) وأسفارها إلى الهند، والنجاح الساحق لأغنيتها “جيجي لاموروزو” عام 1974 وقدرها العاطفي المأساوي وصولاً إلى النهاية الدرامية لحياتها عام 1987.

المؤثر فعلاً في الفيلم انه يرسم لنا “بورتريه حميماً” لامرأة استثنائية تعيش ازدواجية مطلقة، فهي معقدة ومرحة في آن معاً، شغوفة وعصرية في زمن مكبل بالتقاليد، تشع بألف لون ولون تحت الأضواء، ولكنها حزينة ووحيدة عندما تخلو بنفسها. هذه الازدواجية بين النجمة والمرأة هو عقدتها والمحرك الأساسي للفيلم فهي قالت يوماً “الرجال ينامون مع داليدا ويستيقظون مع يولاندا”.

بدورها الازدواجية في إثارة مشاعر مختلفة ومتناقضة في نفوس عشاقها كانت حاضرة بقوة في الفيلم، من خلال الفرح الذي كانت تفجره بصوتها القوي عندما كانت تغني “جيجي لاموروزو”، والوجع الى درجة البكاء الذي كانت تحركه فينا عندما تؤدي “je suis malade”.

أيضاً نجح الفيلم باستعادة حقبة السبعينيات بكامل تفاصيلها وديكوراتها وأزيائها، وقدم لنا مجموعة أداءات صلبة ومقنعة لممثلين في أدوار أولى وثانية، ساندوا بشكل كبير حضور سفيفا المشرقط. سفيفا التي نجحت في اختصار قدر داليدا المتمثل بالمقولة التالية: “كل النساء كنّ يرغبن ان يصبحن داليدا، وداليدا كانت ترغب أن تكون امرأة فقط لا غير”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل