.jpg)
كتب الدكتور فادي الأحمر في مجلة “المسيرة”– العدد 1597:
المسافة بين الآستانة وجنيف بعيدة جغرافياً. ويبدو ان الفترة الزمنية ستكون طويلة بين مؤتمر الآستانة “الروسي” ومؤتمر جنيف “الدولي”. يجتهد الموفد الدولي ستيفان دو ميستورا في التحضير لمؤتمر جنيف الذي سيشكّل الجولة المقبلة من المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة. ولكن العراقيل والصعوبات والتحدّيات كثيرة. بدأت في تشكيلة وفد المعارضة ولن تنتهي عندها. يبدو ان الجولة المقبلة من المفاوضات تواجه العديد من التحدّيات. وهي على علاقة مع مؤتمر الآستانة. لذلك من المفيد والمهم التوقّف عند بعض النقاط المتعلّقة بهذا الاخير قبل التفصيل فيما خصّ مؤتمر جنيف المقبل.
أولاً، لقد نجحت روسيا في الاستفادة من “الوقت الضائع” الاميركي للامساك ميدانياً بسوريا وأرادت استثمار هذا النصر سياسياً ودبلوماسيا من خلال مؤتمر الآستانة. طمحت لأن يكون مؤتمراً سياسياً يخرج بوثيقة تواجه وثيقتي “جنيف 1″ و”جنيف 2” وربما القرار الاممي 2254. لكنها فشلت. فكان مؤتمر الآستانة عسكرياً – أمنياً مهمته تثبيت وقف اطلاق النار وإيجاد آلية لذلك. ربما التأخير في عقد هذا المؤتمر كان السبب. وهذا يعود الى التأخير في الانتهاء من معركة حلب. فالمدينة كبيرة. والحرب فيها كانت مكلفة عسكرياً وسياسياً واعلامياً.
ثانياً، ان اي اتفاق عسكري – أمني بين طرفين متصارعين ليس له غطاء سياسي لا يمكن ان يُكتب له النجاح. فكيف بالحري في الازمة السورية حيث الاطراف المتصارعة متعدّدة. وهي ليست فقط داخلية. إنما اقليمية ودولية. وقد فشلت روسيا في الحشد سياسياً لمؤتمر الآستانة. في البداية سوّقت دبلوماسيتها لمؤتمر سياسي. ربّما أملاً في اقناع دول عربية بالمشاركة فيه. ولكنها فشلت. ما اضطرها اخيراً الى التسويق لمؤتمر عسكري – امني. حتى هذا المؤتمر اتى يتيماً نوعاً ما. فقد رافقه التباس حول الدول الراعية. لقد انعقد المؤتمر وانتهى من دون ان يُعرف ما اذا كانت إيران دولة راعية ام فقط مشاركة! علماً انه في النهاية صدر البيان النهائي برعاية إيرانية تحفّظت عليها المعارضة.
ثالثاً، ان احد اسباب ضعف وارتباك مؤتمر الآستانة عدم رضى إيران عنه توقيتاً وشكلاً. فهي بدت منزعجة من دخول تركيا على الخط قبل أيام قليلة من تحقيق “الانتصار الاستراتيجي” في حلب، خصوصًا وان هذا الدخول كان قوياً وأظهر تركيا طرفاً موازياً لها. إيران خلف النظام. وتركيا خلف المعارضة. وقد ارادت روسيا ذلك لتستطيع احتضان المعارضة. لا بل ظهرت تركيا كشريك اقرب الى روسيا في وقف النار من إيران. والاسباب هنا تتخطى الجغرافيا السورية الى مصالح جيوسياسية تجمع بين موسكو وانقرة في مسائل مثل النفط والغاز والبحر الأسود… لذلك انقعد مؤتمر الآستانة على اأصوات المعركة في وادي بردى التي أصرّت إيران ومعها “حزب الله” والنظام السوري على استثنائها من وقف النار. ويبدو ان الغوطة الشرقية ستشكّل ايضاً استثناءً أخر. ما يؤكّد ان طهران لم تكن تريد وقفاً للنار قبل الانتهاء من الجيوب العسكرية التي تزعجها في محيط العاصمة دمشق وفي ريف دمشق في ارياف حمص وحماه وحلب.
رابعاً، عدم حماس المعارضة للمشاركة في الآستانة شكّل عنصر ضعف للمؤتمر. فهي قبلت مرغمة وقف اطلاق النار والذهاب الى كازاخستان. والسبب الخسائر العسكرية التي منيت بها منذ دخول روسيا المباشر على خط الصراع المسلّح. وكان آخرها خسارة مدينة حلب. هدف المعارضة من الذهاب الى الآستانة ايقاف الخسائر الميدانية بانتظار تبدّل مأمول في الدعم السياسي والعسكري لها اقليمياً ودولياً بخاصة بعد وصول ادارة سياسية جديدة الى السلطة في الولايات المتحدة الاميركية. ولكنها لم تكن ابداً في وارد تقديم تنازلات سياسية لروسيا هناك. ولا التصرّف على أساس انها تحت “العباءة” الروسية. لذلك تحفّظت على “رعاية إيران” للمؤتمر. واصرّت على اعتبارها طرفاً في الصراع. وهي على حقّ.
.jpg)
ما ان انتهى مؤتمر الآستانة حتى بدأ التحضير لمؤتمر جنيف. ولكن لا تبدو الطريق معبّدة لانعقاده. لذلك تم تأجيله الى العشرين من الجاري. وربّما الى موعد لاحق. والسبب هو التحدّيات التي تواجه انعقاد هذا المؤتمر. ومنها:
اولاً، عدم جهوزية الادارة الاميركية الجديدة. فهي تطرح اليوم اقتراح المناطق الآمنة في سوريا. ولكنها لا تملك تصوّراً كاملاً لادارة هذا الملف المعقّد، صوصًا بعد تقدّم النفوذ الروسي فيه، علماً ان ملف سوريا هو جزء من الحرب على الارهاب، الذي يشكّل اولوية لإدارة ترامب، ومن سياسة تحجيم إيران في المنطقة، ومن سياسة ترميم علاقات واشنطن مع حلفائها العرب التاريخيين، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية. كما يشكّل جزأ من السياسة التي ستعتمدها واشنطن مع انقرة بعد سلسلة الازمات التي شهدتها العلاقة بين العاصمتين خلال السنوات السابقة وبعد الانعطافة التركية نحو روسيا.
ثانياً، تريّث كافة الاطراف المتصارعة في سوريا، بما فيها موسكو، لمعرفة حقيقة سياسة الادارة الاميركية الجديدة حيال الازمة السورية. حتى اليوم لم يصدر عن تلك الادارة سوى طرح المناطق الآمنة في سوريا. وهو طرح، اذا ما كان جدّياً، سيؤدي الى خلط الاوراق بالتالي الى تأجيل او تمييع مؤتمر جنيف المقبل. وتبدو روسيا أبرز الأطراف المتضررة من هذا الطرح. اذ سيسلبها قسماً من أوراقها السورية. فمن شأن المناطق الآمنة، اذا ما سلكت طريقها الى التنفيذ، إحداث تبديل في ميزان القوى لصالح المعارضة. لذلك قبل رئيس الدبلوماسية الروسية سرغي لافروف الطرح الاميركي واضاف بأنه يجب ان يكون موضوع نقاش ويجب ان يتم بالتنسيق مع النظام في دمشق! إنه قبول دبلوماسي ورفض ضمني. وبعيدًا من الموقف الروسي يواجه الاقتراح الاميركي تحدّيات جغرافية ايضاً. فالمناطق الآمنة ستقام عملياً في المناطق الحدودية. ولكن أين؟ في الشمال ستواجه برفض تركي في ظل السيطرة الكردية على جزء كبير منه. وفي الحدود الشرقية مع العراق تواجه سيطرة تنظيم “داعش” على جزء كبير من تلك الحدود. وعلى الحدود الغربية مع لبنان تواجه سيطرة “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني. فلا يبقى لها عملياً سوى الحدود الجنوبية مع الاردن. وهي ضيّقة ولا يمكنها ان تؤدي المطلوب منها لجهة إيواء النازحين في الداخل السوري واللاجئين في تركيا والعراق ولبنان.
التحدّي الثالث لمؤتمر جنيف المقبل هو الخلل في ميزان القوى العسكري. بعد خسارة حلب اصبحت المعارضة السياسية والعسكرية السورية والدول الداعمة لها في موقف ضعيف. وليس من مصلحتها إجراء مناقشة جدّية لإيجاد حل للازمة السورية اليوم. لا بل من مصلحتها اكمال الصراع أملاً في إعادة تصحيح هذا الخلل، خصوصًا وانها كانت في موقف مختلف تماماً في مؤتمري “جنيف 1″ و”جنيف 2”.
رابعاً، سيشهد انعقاد مؤتمر جنيف المقبل عودة الدول العربية، وتحديداً، المملكة العربية السعودية الى ملف الازمة السورية. ولكن كيف؟ بعد التطورات الاخيرة في سوريا لا تبدو المسألة واضحة. ففي الاشهر الاخيرة شهدنا انكفاء عربياً عن الازمة السورية. المملكة السعودية منهكمة بحربها في اليمن. وقد سيطر عليها الشعور باليأس من أدارة أوباما حيال الأزمة السورية. لذلك شهدنا غيابها السياسي والدبلوماسي عن معركة حلب، على رغم الأهمية الاستراتيجية للمدينة. اليوم تستطلع المملكة سياسة إدارة ترامب الجديدة حيال المنطقة وسوريا. طرح المناطق الآمنة وقرار تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة يشجّعها على التعاون. ولكنها تتريّث لمعرفة الخطوات العملية لتحقيق الاهداف.
لكل هذه الأسباب، وربما غيرها، تبدو المسافة الزمنية بين مؤتمر الآستانة ومؤتمر جنيف طويلة، كحال المسافة الجغرافية بين العاصمتين.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]