كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1598:
لا خلاف مبدئيا بين معظم القوى المسيحية الحزبية والمستقلة على الثوابت المؤسسة للكيان اللبناني والمتصلة بالشرعية المحلية والعربية والدولية، والالتزام بالدستور اللبناني وخيار الدولة أولا وأخيرا، والتأكيد على معنى لبنان لجهة الشراكة المسيحية-الإسلامية ربطا بالميثاق الوطني الذي جعل من لبنان وطنا نموذجيا يتشارك فيه المسيحي والمسلم السلطة في تجربة غير مسبوقة عالميا.
وإذا كان لا خلاف مبدئيا على ما تقدم، فإن الخلاف يتمحور حول الجهة المخولة حمل الثوابت أعلاه والدفاع عنها، لأنه من الظلم وضع المشكلة او حصرها بين وجهتي نظر مسيحيتين، وكأن الفريق الآخر يقف في موقف المتفرج والداعم لوجهة نظر على أخرى، فيما المشكلة الأساس كانت وما زالت بأن المسيحيين كانوا في موقع رد الفعل على أفكار ترمي إلى إسقاط كل المنظومة المؤسسة للكيان اللبناني من أجل إلحاقه بأحلاف ومحاور او استتباعه من قبل أنظمة أخرى.
وقد يكون الخطأ المسيحي القاتل اعتقاد النخب التي حكمت لبنان عشية الاستقلال وبعده ان لبنان الكبير هو المحطة الأخيرة في النضال التاريخي المسيحي، وان هذا الإنجاز غير قابل للانعكاس والانهيار، وان ما قبله غير ما بعده، الأمر الذي جعل تلك النخب تستبدل النضال الوجودي بالصراع على السلطة، ما أدى إلى إضعافها وتراجعها مقابل صعود التيارات المناهضة للفكرة اللبنانية.
فالمسألة ليست ترفا فكريا بين وجهة نظر متشددة وأخرى لينة، او بين وجهة تتمسك بالتمثيل المسيحي الفعلي وأخرى تغلب البعد المدني، إنما المسألة بالتحديد هي بين الجهة القادرة على حماية الفكرة اللبنانية، والجهة التي تكتفي بالتنظير السياسي.
وإذا كان من حق اي جهة التعبير عن موقفها ورأيها، فإن على اي جهة بالمقابل ان تأخذ في الاعتبار الحقائق الآتية:
*أولا، لا خلاف على الأفكار المؤسسة للبنان، إنما الخلاف حول كيفية حماية هذه الأفكار، وحمايتها غير ممكنة سوى عن طريق قوى سياسية لديها حيثيات شعبية وعلى استعداد دائم لتقديم كل التضحيات دفاعا عن تلك الأفكار.
*ثانيا، الأفكار المؤسسة للبنان وضعت نتيجة توازن قوى وليس وجهات نظر وعصف فكري، وبالتالي حماية تلك الأفكار تكون من خلال الحفاظ على التوازن السياسي.
*ثالثا، الدفاع عن الفكرة اللبنانية لا يكون بالخطابات السياسية، إنما بوضع السياسات الكفيلة الحفاظ على الشراكة المسيحية-الإسلامية.
*رابعا، الدور المسيحي في لبنان يجب ان يستند إلى ركائز وطنية وسياسية وشعبية ودستورية والتي من دونها يتحول إلى مجرد دور شكلي غير مؤثر في الحياة الوطنية.
*خامسا، انتفاء الدور المسيحي يعني انتفاء الفكرة اللبنانية المؤسسة، وبالتالي الحفاظ على الفكرة المؤسسة يستدعي الحفاظ على هذا الدور والذي يستدعي بدوره ان يكون مؤثرا وفاعلا.
*سادسا، الفكرة اللبنانية المؤسسة تمظهرت من خلال التمثيل المسيحي داخل المؤسسات، وسقوطها بدأ مع إسقاط التمثيل المسيحي الفعلي داخل المؤسسات، وبالتالي إعادة الاعتبار للفكرة المؤسسة يكون من خلال إعادة الاعتبار للتمثيل المسيحي داخل تلك المؤسسات.
*سابعا، إذا كان إقناع بعض الشركاء في الوطن بالفكرة المؤسسة متعذرا، فالجهد يجب ان يتركز على تقوية الدور المسيحي الذي يحمل الفكرة المؤسسة بانتظار ان يقتنع الشركاء بتلك الفكرة، لان خلاف ذلك يعني زوال الوجود المسيحي وسقوط الفكرة المؤسسة نهائيا.
ويبقى ان “تيار الشرعية التاريخية في الوسط المسيحي اللبناني” هو التيار الذي دافع عن لبنان عندما أسقط في مستنقع الحروب الإقليمية، ودافع عن الفكرة اللبنانية في مواجهة الأفكار التي لا تمت بصلة إلى معنى لبنان وفلسفته، ودافع عن الحضور السياسي المسيحي تمسكا بالفكرة المؤسسة للبنان.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
