#adsense

“إفتتاحية المسيرة” – 14 شباط: قضية الحريري

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1598:

قبل أن يتم اغتياله في 14 شباط 2005 كان الرئيس رفيق الحريري يعيش هاجس الإغتيال وكأنه ينتظر تنفيذ قرار متخذ ويحاول أن يتجنب حصوله كمن يبحث عن طريقة لتجاوز القدر. منذ استمع مرغمًا إلى تهديدات رئيس النظام السوري بشار الأسد حول مضار الوقوف ضد التمديد للرئيس إميل لحود أدرك أنه صار ضمن دائرة الأهداف. بعد 12 عامًا على اغيتال الرئيس رفيق الحريري أين صارت القضية؟ هل حقق الذين اغتالوه أهدافهم أم أنهم يعيشون منذ ذلك التاريخ لعنة الإغتيال؟

بين 14 شباط 2005 و14 شباط 2017 مسافة 12 عامًا من الأحداث التي يمكن أن تكون كافية أحياناً لتغيير مسارات التاريخ ولتتبدل فيها دول وكيانات وأنظمة. فهل لا تزال المحاكمة في قضية اغتيال الرئيس الحريري قادرة على تحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب؟ أم أنها صارت مسألة روتينية تستوجب استكمال فصولها طالما أنها انطلقت ولا يمكن وقفها قبل النطق بالأحكام؟ ولكن ما قيمة هذه الأحكام أيًا تكن اليوم أو بعد سنة؟ وهل لا تزال العناوين التي انطلقت على أساسها تلك المحكمة ذات قيمة معنوية؟ ومن يهمه اليوم موضوع الإفلات من العقاب طالما أن من نفذ العملية لا يعترف بالمحكمة ولا يهمه العقاب فكيف بالإفلات منه؟

قضيتان عجلتا في اتخاذ قرار اغتيال الرئيس رفيق الحريري: القرار 1559 وانتخابات ربيع العام 2005. كانت سلامة الرجل باتت مسألة دولية. وكانت التطمينات التي تلقاها خصوصًا من الرئيس الفرنسي جاك شيراك توحي وكأن التحذير الدولي بعدم التعرض له قد ينفع في حمايته. حتى ناظر تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن كان يبحث له عن ضمانات مماثلة ولكن كل ذلك لم ينفع.

محاولة اغتيال الوزير مروان حماده في أول تشرين الأول 2004 كانت جرس الإنذار. لم يكن النظام في سوريا في وارد القبول بأن يتحدى الحريري رغبته بالتمديد للرئيس إميل لحود فكيف إذا تم التمديد رغمًا عن القرار الدولي 1559 الذي طالب بانسحاب القوات السورية من لبنان وبسحب سلاح “حزب الله” وباستعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها.

على رغم أن الرئيس الحريري وافق مرغمًا على التمديد إلا أن كل ذلك لم يشفع به. فقد اتهم بأنه وراء القرار 1559 وبأن عليه أن يدفع الثمن. ولذلك أرغم أولاً على الإعتذار عن عدم قدرته على تشكيل الحكومة وقد كان كمن يودع لبنان واللبنانيين عندما استودعهم بين يدي “الله الحبيب” في كتاب اعتذاره.

حكاية المصير المشترك بين النظام السوري و”حزب الله” لم تبدأ في العام 2011 مع بداية الثورة السورية واضطرار الحزب إلى القتال لمنع سقوط النظام. القرار 1559 وحّدهما في المواجهة وقد كانا يشكلان معا عهد الوصاية.

ثمة من يعتبر أن 14 آذار كانت ستولد سواء اغتيل الرئيس رفيق الحريري أم بقي حيًا. مسار 14 آذار بدأ منذ العام 2000 بالإكتمال وكانت فيه محطات أهمها مصالحة الجبل وزيارة البطريرك صفير إلى الشوف وعاليه وجزين وتأسيس لقاء قرنة شهوان برئاسة المطران يوسف بشارة بتكليف من البطريرك صفير وتمدد حالة المعارضة لعهد الوصاية بعد انتخابات العام 2000 التي شكلت بداية التأسيس للتغيير عبر المؤسسات الدستورية وهذا المسار كان يجب أن يبدأ محطته الثانية في انتخابات العام 2005 التي كان يراد لها أن تكون بداية “ربيع لبنان”.

اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان لمنع عملية التغيير. تصرف النظام السوري و”حزب الله” على قاعدة تقول إن القرار 1559 “حبر على ورق ولا قيمة له أكثر من هذا الحبر الذي كتب فيه و”خليهم يغلوه ويشربوا ميتو”، ولكن الوقائع أثبتت أن ذاك القرار أقوى من ذلك الحبر. والدليل أنه على رغم اغتيال الرئيس الحريري وجد النظام السوري نفسه مرغمًا على الإنسحاب من لبنان وحاول “حزب الله” في المقابل أن يتحايل على مسألة تسليم سلاحه. ولكن منذ صدور القرار في أيلول 2004 صار هذا السلاح مسألة دولية تتخطى مواقف الأطراف المحلية وعبثاً يحاول “حزب الله” أن يجد التبريرات التي تسمح له بتخطي هذا القرار. لقد خاض حرب تموز 2006 ووافق على القرار 1701 الذي أكد على الآلية التنفيذية للقرار 1559 وذهب إلى القتال في سوريا وانغمس في حروب لا تنتهي كبدته خسائر كبيرة بالأرواح والعتاد وكأن لعنة رفيق الحريري تلاحقه وتلاحق النظام معًا. ففي سوريا خسر قائده العسكري عماد مغنية في عملية اغتيال اتهم الموساد الإسرائيلي بتنفيذها، وخسر أيضًا المتهم الرئيسي باغتيال الرئيس الحريري مصطفى بدر الدين الذي سماه القرار الإتهامي الصادر عن لجنة التحقيق الدولية ووقف عنده من دون أن يتخطاه إلى مستويات القرار الأعلى في الحزب.

مشكلة التغيير التي حاول “حزب الله” التصدي لها في انتخابات العام 2005 لم تتغير. في العام 2009 كان يواجه المشكلة نفسها. في العام 2005 كانت تجري التحضيرات بالتنسيق مع “القوات اللبنانية” التي كان لا يزال قائدها سمير جعجع في الإعتقال وقد نقلت الأكثرية النيابية إلى قوى 14 آذار. وفي انتخابات 2009 حاول الحزب أن يمنع تكرار عملية التغيير بعدما نفذ عملية 7 أيار ولكن هذه العملية لم تمنع أن تكون غالبية مجلس تلك الإنتخابات من 14 آذار.

بعد 12 عامًا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري لا تزال اللعبة محصورة ضمن الدائرتين الثابتتين: سلاح “حزب الله” ونتائج الإنتخابات النيابية بعد أشهر قليلة. حتى لو تحدث الحزب عن ترسانة أسلحة زادت عشرات المرات عما كانت عليه في العام 2004 أو في حرب تموز 2006 إلا أن هذا السلاح يبقى تحت رحمة القرار 1559. وإن لم يأت بعد الوقت لتنفيذه فلا يمكن لأي جهة أن تعطي للحزب مشروعية بهذا السلاح ولا الحرب في سوريا أو في غيرها. وكما نظر الحزب إلى خطورة انتخابات 2005 ينظر اليوم إلى خطورة انتخابات 2017 التي تحصل ضمن متغيّرات لم تكن لديه القدرة على منعها وهي: تفاهم “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” وانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية بدعم مشترك من “القوات اللبنانية” والرئيس سعد الحريري. ولذلك ليس الحزب في وارد التهاون في نتائج هذه الإنتخابات وهو يتشدد في رفض مشاريع القوانين الإنتخابية التي تطرح ويطالب بالنسبية الكاملة بحيث لا يتمكن تحالف “القوات” و”التيار” معًا من الحصول على أكثرية نيابية تمثل أكثر من ثلث مجلس النواب ولا يتمكن أي تحالف ثنائي أو ثلاثي أو رباعي من الحصول على أكثرية النصف زائد واحد فكيف باحتمال الحصول على أكثرية الثلثين؟

في إحياء ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2016 كان الرئيس سعد الحريري لا يزال متمسكاً بترشيح النائب سليمان فرنجية. وكانت المسافة بعيدة بينه وبين “القوات”. هو يريد أن يعطي الفرصة لخياره. ورئيس “القوات” يريد أن يعطيه الوقت لكي يقتنع في النهاية بخيار دعم العماد عون.

في 14 شباط 2017 كان المشهد مختلفاً. سمير جعجع وسعد الحريري يدخلان معًا إلى قاعة الإحتفال في البيال. ميشال عون رئيسًا للجمهورية في قصر بعبدا. سعد الحريري رئيسًا للحكومة في السراي. “حزب الله” مستمر في الإستنزاف في الحرب السورية. المحكمة الدولية تستمر في المحاكمة وتقترب من نقطة اتخاذ القرارات وإصدار الأحكام. النظام السوري يخضع لشروط الوصاية الروسية على طاولة المفاوضات. فهل يولد ربيع لبنان الذي تأخر في العام 2005 في انتخابات ربيع العام 2017؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل