مشهدية “بشرّي” و”معراب” تذكِّر بمشهدية انتخاب بشير

شكلت المناسبة الأليمة المتمثلة بوفاة والدة رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع السيدة ماري حبيب الخوري جعجع استفتاءً شعبياً وسياسياً على المكانة الوطنية التي يحتلّها رئيس “القوات” والنظرة الشعبية والسياسية إلى دوره، وقد ذكّر الإقبال الذي توافد لتعزية “الحكيم” بالإقبال الذي توافد لتهنئة الرئيس بشير الجميل بانتخابه، حيث استعادت “القوات” للمرة الأولى منذ لحظة انتخاب الشيخ بشير بريقها لدى الرأي العام من كل الطوائف ومختلف شرائح المجتمع في ظل الشعور العارم أن هذه القيادة تشكل مصدر اطمئنان لمستقبل البلد.

فباستثناء “حزب الله” و”المردة” غصّت بشري ومن ثم معراب بالمعزين، وقد توقفت مصادر متابعة أمام هذه الظاهرة التي فسّرتها كالآتي:

أولاً، على المستوى الشعبي: تحول “الحكيم” بالنسبة إلى شريحة واسعة من الرأي العام من كل الطوائف إلى ضمانة وطنية ومصدر ارتياح واطمئنان لمستقبلها في هذا البلد، وبالتالي ترى فيه خشبة الخلاص لقيام الدولة في لبنان.

ثانياً، على المستوى السياسي: تحول رئيس “القوات” بالنسبة إلى حلفائه وخصومه إلى الرقم الصعب وطنيا، حيث لم يعد ممكناً تجاوزه ولا تخطيه، ومن هنا الانفتاح عليه والتواصل معه أكثر من ضروري من أجل تسيير شؤون البلاد.

ثالثاً، على المستوى الرسمي والإداري: نجح “الحكيم” في ردم الهوة التي حاول النظام السوري وأعوانه وضعها لجهة أن “القوات” ميليشيا وضد الدولة، حيث أن ممارستها أثبتت بأنها من القوى القليلة التي تبدّي مشروع الدولة على أي اعتبار فئوي آخر، وبالتالي انتقل التواصل مع “القوات” من جريمة يعاقب عليها أصحابها من قبل النظام السوري إلى مسألة بديهية بل ضرورة وطنية، ومن دون إغفال أن “القوات”، بالنسبة إلى المسؤولين في القطاع العام أو الطامحين الدخول إلى هذا القطاع، تحولت إلى ممر إلزامي لتبوؤ المواقع والمناصب الإدارية والسياسية والأمنية.

وفي هذا السياق ليس تفصيلاً على الإطلاق أن ممثلي الرؤساء الثلاثة وأكثر من ثلث الحكومة ومجلس النواب كانوا في بشرّي ومعراب، بالإضافة إلى كبار موظفي الدولة من قائد الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى والقضاة والمدراء العامين وسفراء الدول الخمس، كما السفراء العرب والأجانب والهيئات الديبلوماسية، ورؤساء الأحزاب والجمعيات والنقابات…

رابعاً، على المستوى المسيحي: أدى ترشيح الدكتور جعجع للعماد ميشال عون إلى ترييح المسيحيين الذين كانوا ينشدون وحدة موقف تعيد الاعتبار للقرار الوطني المسيحي والشراكة المسيحية – الإسلامية، وباتوا ينظرون إلى عون وجعجع كما كان ينظر أسلافهم إلى الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل مؤسس حزب “الكتائب”.

خامساً، على المستوى الإسلامي: كانت لافتة الوفود الشعبية والسياسية الإسلامية في تأكيد على خطاب رئيس “القوات” العابر للطوائف، والتعامل معه كزعيم وطني لا مسيحي، كما كانت لافتة المشاركة الواسعة للشخصيات الشيعية المستقلة سيما من البقاع.

سادساً، على المستوى الديبلوماسي: حوّل جعجع معراب إلى مقصد لكل الديبلوماسيين الذين ينظرون إلى رئيس “القوات” بكونه من صانعي ومهندسي السياسة اللبنانية.

سابعاً، على المستوى الدرزي: رمزية الوفود الدرزية عموماً والاشتراكية خصوصاً أشرت إلى مركزية دور جعجع في تثبيت المصالحة في الجبل وترسيخها ربطاً بالحيثية القواتية الواسعة في جبل لبنان الجنوبي، كما بمواقف رئيس “القوات” الذي يؤكد باستمرار على أهمية دور الموحدين داخل المعادلة اللبنانية، الأمر الذي جعل التمثيل الدرزي كامل الأوصاف من النائب وليد جنبلاط إلى الوزير طلال إرسلان وصولا إلى الوزير السابق وئام وهاب والمشايخ وشخصيات درزية مستقلة.

وفي موازاة كل ذلك لاحظت المصادر نفسها الآتي:

1 ـ قدرة جعجع على جمع الأضداد من قبيل الرئيس سعد الحريري واللواء أشرف ريفي، والنائب وليد جنبلاط والوزير السابق وئام وهاب، وهذا إن دل على شيء فعلى الثقة التي راكمها وتحوله إلى مساحة وطنية جامعة حول مشروع الدولة.

2 ـ قدرة جعجع على الحفاظ على علاقة جيدة مع خصومه لأنه ينطلق دوماً في مقاربته السياسية من زاوية وطنية لا شخصية.

3 ـ قدرة جعجع على استقطاب كل فئات المجتمع وتلاوينه من الطلاب والفنانين والإعلاميين والإكاديميين والنقابيين إلى السياسيين والرأي العام، وذلك في مؤشر حاسم إلى النظرة العامة التي تكونت لدى كل شرائح المجتمع بان رئيس “القوات” يشكل مصدر ثقة وارتياح ويتجاوز بشخصه كل الترسيمات الحزبية والطائفية.

ولعل الملاحظة الأوسع التي سجلتها الوفود الشعبية المعزية تتصل بذاكرة الحكيم الذي كان ينادي كل شخص باسمه.

ويبقى أن المشهد بين بشري ومعراب قدم مشهدية وطنية جديدة عنوانها ثقة الناس بحكيم معراب وإجماعها على إدائه ومقارباته الوطنية، فيما أظهر “حزب الله” للمرة الألف أنه بعيد كل البعد عن النسيج الاجتماعي اللبناني، هذا النسيج الذي يميز بين الموقف السياسي والواجب الاجتماعي.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل