السين سين… بخور الثورة وجمرها

لم يكن عادياً وعابراً مشهد دخول رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى صالة البيال للاحتفال بذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري هذا العام. فقد شبك الزعيم المسلم الأقوى في لبنان يديه بيد الدكتور سمير جعجع إحدى أقوى الزعامات المسيحية في لبنان، في إشارة واضحة لا ريب فيها للقول: “نحن هنا معاً، جناحان خفاقان في ثورة الأرز، وحليفان قويان شجاعان من أجل قيام الدولة في لبنان، لأن ما يجمعنا هو دماء الشهداء، ونهج الاعتدال، والنزعة نحو الحرية، ووقوفنا ضد الطغيان والديكتاتورية”.

لقد شكل التحالف الوثيق بين تيار “المستقبل” وحزب “القوات اللبنانية” الركيزة الأقوى لاستمرار ثورة الأرز، رغم ما تعرضت لها هذه الانتفاضة المدنية السلمية من فظائع وإجرام غير مسبوقين، هذه الثورة التي وضعت مولودها الروحي البكر في قلب دمشق أواخر العام 2005، حيث أزهر الربيع هناك إعلاناً سياسياً للمعارضة السورية، للمرة الأولى في تاريخها الحديث، ليضم جميع مكونات الشعب السوري من مسلمين ومسيحيين، عرب وأكراد وآشـوريين، في محاكاة واعية لبهاء ثورة الرابع عشر من آذار في لبنان.

أطلق إعلان دمشق حراكه المدني السلمي بغية التخلص من نير الاستبداد، مستلهماً من وحدة اللبنانيين بمسلميهم ومسيحييهم الطريق إلى الخلاص والتحرر. وعندما انطلقت ثورة الخامس عشر من آذار 2011، انضوت الشخصيات والقوى المسيحية، وفي مقدمها المنظمة الآثورية الديمقراطية، (حزب يمثل المكون السرياني الآشوري تأسس عام 1957) مجدداً وبشكل طبيعي، في المجلس الوطني السوري ولاحقاً الائتلاف الوطني، لتقف بذلك مع آلام وأوجاع الشعب السوري، رغم تهديدات وتهويل النظام وأبواقه وشبيحته ودواعشه ضد قياداتها وكوادرها.

كانت العيون شاخصة خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية نحو تحالف السين سين (سعد الحريري و سمير جعجع)، فكانت أصداء خطابات الحريري وجعجع في 14 شباط تتردد في المدن السورية، وخصوصاً منها مدينة القامشلي معقل المسيحيين من أبناء المكون السرياني الآشوري. فقد استحال الحكيم ناطقاً باسم الأحرار في سوريا ولبنان معاً، بعد انطلاق الثورة السورية، بخطاباته العابقة بالعنفوان في محطات قداس الشهداء، والناضحة بالكرامة في احتفالات ثورة الأرز، حيث كان الرجل يعبر بدقة عن هول ما تعرض ويتعرض له مسيحيو لبنان على يد النظام الأسدي الذي نكل بهم ونفى وسجن قادتهم واغتال مفكريهم.

في الوقت ذاته، كان المسيحيون الاحرار الذين يشاركون في المظاهرات السلمية في سوريا يتعرضون للاعتقال والتنكيل على يد أجهزة النظام، بغية نفي الصفة الوطنية عن الحراك السلمي ووسمه بصفات الأسلمة والإرهاب. ورغم هذا الترهيب، ورغم وقوف نسبة كبيرة من مسيحي سوريا إلى جانب النظام، فقد حسم هؤلاء خيارهم بالوقوف ضد الباطل، مستحضرين مشاهد كثيرة من تحالف السين سين، تحالف الأحرار من المسلمين والمسيحيين في لبنان، منطلقين من ركيزتين اثنتين:

أولاً: المسيحيون السوريون ليسوا جاليات مستضعفة أو سياحاً طارئين في أوطانهم، بل هم شعوب أصيلة عاشت في هذه الأرض منذ آلاف السنين، وحان الوقت لينتهي مسلسل تخويفهم من شركائهم في الوطن، وليتوقف التعامل معهم على انهم ودائع بشرية تستخدم في البازار السياسي الدولي من قبل الأنظمة الفاسدة بذريعة حماية الأقليات.

ثانياً: الاستبداد والإرهاب هما المصدران الأساسيان لتهديد الوجود المسيحي في الشرق، وهما يتغذيان على بعضهما، والقضاء على أحدهما يفضي بالضرورة القصوى إلى القضاء على الآخر، والتخلص من كليهما يعني حتماً الانطلاق نحو آفاق الدولة المدنية الديمقراطية حيث المواطنون، مسلمون ومسيحيون، سواء أمام القانون.

إنها معادلة بسيطة لكن جوهرية ومقدسة: نحن المسيحيون نحمي اعتدال الأكثرية المسلمة (من الشيعة والسنة) بوقوفنا إلى جانب الحق ورفض الاستبداد والظلم الواقع علينا جميعاً، والمسلمون المعتدلون يضمنون استمرارية وفعالية الوجود المسيحي في الشرق بدفاعهم عن ضرورة استمرار هذا الوجود باعتباره مصدر غنى لأوطاننا التي نتشارك فيها الحلم والمصير.

صديقاي العزيزان سمير جعجع وسعد الحريري، نعلم أنكما مثلنا على رأس قائمة المطلوبين من قبل أنظمة الظلام بسبب هذا التحالف وما يحمله من أبعاد ضخمة على مستوى لبنان والمنطقة، لكن فلتعلما أيضاً أنكما بخور ثورة الأرز وجمرها، وباستمرار تحالفكما يتعطر مذبح الحرية في لبنان والشرق ويتقدس. هذا التحالف الذي يعكس التلاقي المسيحي الإسلامي في الشرق بأبهى صوره، لذلك فإن حمايته هو أمانة كبرى في عنقيكما، فحافظا عليها، مهما احترق الجمر وفاح البخور.

أسامة إدوارد  ـ كاتب صحفي آشـوري سوري –  ســتوكهولم

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل